
الحقيقة ليست مختبئة.هذه أول جملة يجب أن تُسحق.
منذ طفولتنا ونحن نتخيّل الحقيقة كشيء يقف خلف باب:
باب ديني، فلسفي، علمي، صوفي… لا يهم.
المهم أن هناك دائماً وهماً مريحاً يقول إن المشكلة في المسافة بيننا وبينها، لا في طبيعتنا نحن.
كأن الحقيقة شيء يمكن احتماله لو امتلكنا فقط شجاعة أكبر، أو عقلاً أعمق، أو لغة أكثر دقة.
لكن ماذا لو أن المشكلة ليست أننا لم نصل بعد؟
ماذا لو أن الوصول نفسه هو الشيء المستحيل؟
ليس لأن الحقيقة بعيدة…
بل لأن الكائن الذي قد يراها لن يبقى الكائن نفسه بعدها.
أنت تفترض الآن — دون أن تشعر — أن هناك “أنت” ثابتة تقرأ هذه الكلمات.
شيء داخلي صامت، متصل، يجلس خلف العينين ويراقب.
هذا الإحساس يبدو بديهياً إلى درجة أنك لا تفكر فيه أصلاً.
لكنه قد يكون أكثر الأشياء زيفاً في تجربتك كلها.
توقف لحظة.
كيف عرفت أنك الشخص نفسه الذي بدأ قراءة هذه الفقرة؟
لا تجب بسرعة.
لأنك لا تملك دليلاً حقيقياً.
أنت تملك فقط إحساساً ناعماً بالاستمرارية.
إحساساً سلساً بما يكفي كي لا تلاحظ الانقطاعات.
مثل شعلة تدور بسرعة في الظلام فتبدو دائرة كاملة، بينما هي في الحقيقة نقطة تحترق وتختفي وتُستبدل باستمرار.
ربما هذا ما أنت عليه.
ليس “ذاتاً” مستمرة،
بل عملية إعادة بناء متواصلة تحدث بسرعة هائلة، وكل نسخة جديدة ترث ذاكرة السابقة فتظن أنها هي نفسها.
الوعي قد لا يكون شيئاً موجوداً…
بل شيئاً يُعاد إنتاجه كل لحظة، ثم ينهار، ثم يُعاد، ثم ينهار، بسرعة تمنعك من رؤية المقبرة الهائلة التي تحدث داخلك كل ثانية.
لهذا يبدو الإدراك متماسكاً.
ليس لأنه متماسك فعلاً، بل لأن الدماغ يكره الفراغات.
يملأها فوراً.
يخيط الثقوب بسرعة جنونية كي لا ترى التمزق.
حتى الآن، أثناء قراءتك، أنت لا ترى الكلمات كلها.
العين تقفز فوق أجزاء.
الدماغ يكمل الناقص دون إذنك.
أنت لا تقرأ النص فعلاً.
أنت تقرأ نسخة رممها جهازك العصبي في الزمن الحقيقي.
بل ربما لا توجد “قراءة” أصلًا بالطريقة التي تتخيلها.
هناك فقط نظام بيولوجي يضغط الفوضى إلى شكل قابل للاستمرار.
وهنا تبدأ الفكرة التي يحاول الوعي الهرب منها طوال الوقت:
ربما الحقيقة ليست شيئاً لا نفهمه…
بل شيئاً لا يمكن أن تنجو منه بنية اسمها “الفهم”.
الوعي ليس نافذة على العالم.
الوعي أشبه ببرنامج طوارئ.
شيء صممته المادة لا لكشف الواقع، بل لحمايتك من كثافته.
تخيل لو أنك رأيت كل شيء دفعة واحدة.
ليس “كل شيء” بمعناه الشعري الساذج.
بل فعلاً كل شيء:
كل خلية تموت الآن في جسدك.
كل تغير طفيف في ضغط الهواء حولك.
كل الأصوات التي لا تسمعها أذنك.
كل الإشعاعات التي تمر عبر عظامك.
كل احتمالات كل قرار لم تتخذه.
كل الامتدادات المستقبلية لأي حركة صغيرة تقوم بها.
كل الترابطات بين كل شيء وكل شيء.
لن تصبح حكيماً.
لن تتنوّر.
لن تصل إلى السلام الكوني.
ستتفكك.
ليس نفسياً فقط… بل إدراكياً.
لأن الفعل نفسه يحتاج إلى جهل هائل كي يحدث.
لكي ترفع كوب الماء، يجب أن يتم حذف عدد مرعب من التفاصيل.
لكي تقول “أنا”، يجب أن يتم إخفاء عدد مرعب من التناقضات.
لكي تحب شخصاً، يجب أن يتم تجاهل آلاف الحقائق التي لو ظهرت دفعة واحدة، لتحول الحب إلى ضوضاء عصبية غير قابلة
للتجربة.
الإنسان لا يعيش داخل الواقع.
الإنسان يعيش داخل نسخة منخفضة الدقة من الواقع، صُممت خصيصاً كي لا ينهار جهازه العصبي.
وهذا ليس عيباً في الإدراك.
هذا هو الإدراك.
لهذا قد يكون الكذب أقدم من اللغة نفسها.
ليس الكذب الاجتماعي التافه… بل الكذب البنيوي.
الكذب الذي تُبنى عليه إمكانية الإحساس أصلًا.
حتى الزمن الذي تشعر به قد لا يكون موجوداً كما تعيشه.
ربما لا يوجد “تدفق” حقيقي من ماضٍ إلى مستقبل، بل كتلة واحدة هائلة من العلاقات، والدماغ فقط يقصّها إلى إطارات صغيرة
كي يستطيع احتمالها.
وأنت تسمي هذا القصّ: حياة.
لهذا تشعر دائماً أن شيئاً ما يفلت منك.
ليس لأنك لم تفهم بعد…
بل لأن جهازك الإدراكي نفسه قائم على الفقدان.
أنت لا ترى العالم ثم تنسى أجزاءً منه.
أنت تبدأ بالنسيان أصلًا، ثم تسمي البقايا “عالماً”.
وهنا يصبح الرعب أعمق بكثير من فكرة العبث.
العبث لا يزال يمنح الإنسان مركزية ما.
يجعله بطلاً تراجيدياً في كون صامت.
أما هذا… فلا.
هذا يحوّل الوعي نفسه إلى حادث جانبي صغير، أشبه بطبقة رقيقة من الرغوة فوق محيط لا يحتاج إليها إطلاقاً.
الكون لا ينتظر أن يُفهَم.
ولا يهتم بأن يظهر بصورة منطقية.
بل ربما “المنطق” نفسه مجرد أداة محلية اخترعها الدماغ كي يضغط الفوضى إلى تسلسل قابل للتعامل.
حتى اللغة التي تفكر بها الآن قد تكون جزءاً من القفص.
لاحظ كيف أنك لا تستطيع التفكير دون تقسيم:
أنا / العالم
داخل / خارج
شيء / لا شيء
بداية / نهاية
لكن ماذا لو أن هذه التقسيمات ليست خصائص للوجود… بل خصائص للجهاز العصبي؟
ماذا لو أن الواقع لا يحتوي على “أشياء” أصلًا؟
الشجرة ليست شجرة.
هذا اسم فقط.
اختصار عصبي.
في الحقيقة لا توجد حدود واضحة بين الشجرة والهواء والتربة والضوء والزمن والتحلل والبكتيريا والجاذبية.
هناك فقط تدفق هائل، والدماغ يقطع هذا التدفق إلى أجزاء ليسهل التنقل داخله.
أنت تفعل الشيء نفسه مع نفسك.
تقول “أنا” كما لو أنها وحدة مستقلة.
مع أنك لا تعرف أين تنتهي فعلاً.
هل أنت جسدك؟
لكن خلاياه تتبدل باستمرار.
هل أنت ذاكرتك؟
لكن ذاكرتك يعاد تشكيلها كل مرة تتذكر فيها شيئاً.
هل أنت وعيك الحالي؟
لكنه يختفي كل ليلة، ويتشوه مع التعب، والمرض، والمواد الكيميائية، وحتى مع جملة تقرؤها الآن.
ربما لا يوجد مركز أصلًا.
فقط عملية مستمرة تنتج وهم المركز.
وربما هذا هو السبب الحقيقي خلف ذلك التعب الغامض الذي لا يختفي حتى في أكثر أيامك هدوءاً.
ليس تعب الحياة…
بل تعب الحفاظ على تماسك الوهم.
تعب إعادة بناء العالم كل صباح.
تعب أن تستيقظ، فيعيد دماغك تحميل:
الاسم،
اللغة،
الذكريات،
الحدود،
الإحساس بأنك “أنت”.
ثم تخرج إلى العالم وكأن شيئاً لم يحدث، بينما هناك آلة كاملة تعمل في الظلام كي تمنعك من رؤية ما تحتها.
وأحياناً… تفشل الآلة للحظة.
ليس في الجنون فقط.
بل في تلك اللحظات القصيرة جداً التي تشعر فيها بأن الواقع أصبح رقيقاً بشكل مخيف.
حين تنظر إلى يدك فجأة فتبدو غريبة.
حين تسمع اسمك وكأنه لا يخصك.
حين تستيقظ ليلاً وتشعر لثانية واحدة أنك لا تعرف من هذا الذي كان يعيش حياتك طوال السنوات الماضية.
تلك ليست لحظات “عمق فلسفي”.
تلك تشققات.
تسربات صغيرة من تحت واجهة الاستخدام.
والوعي يكرهها.
يعيد بناء القصة بسرعة:
أنت بخير.
هذا مجرد إرهاق.
مجرد قلق.
مجرد تفكير زائد.
ثم يغلق الشق.
لأنك لو رأيت أكثر بقليل فقط…
ليس كثيراً…
بقليل فقط…
فقد لا تستطيع العودة إلى النسخة البشرية من العالم مرة أخرى.
وربما لهذا السبب تحديداً لا يمكن رؤية الحقيقة كاملة.
ليس لأنها مخفية.
بل لأن الحقيقة الكاملة لا تترك شيئاً يقف خارجها ليقول:
“أنا أراها.”
0 تعليقات
تذكّر : : كلُّ إناءٍ بالذي فيهِ ينضَحُ