الحقيقة التي لا تترك رائياً !
الحقيقة ليست مختبئة.
هذه أول جملة يجب أن تُسحق.
منذ طفولتنا ونحن نتخيّل الحقيقة كشيء يقف خلف باب: باب ديني، فلسفي، علمي، صوفي… لا يهم. المهم أن هناك دائماً وهماً مريحاً يقول إن المشكلة في المسافة بيننا وبينها، لا في طبيعتنا نحن. كأن الحقيقة شيء يمكن احتماله لو امتلكنا فقط شجاعة أكبر، أو عقلاً أعمق، أو لغة أكثر دقة.
لكن ماذا لو أن المشكلة ليست أننا لم نصل بعد؟
ماذا لو أن الوصول نفسه هو الشيء المستحيل؟
ليس لأن الحقيقة بعيدة…
بل لأن الكائن الذي قد يراها لن يبقى الكائن نفسه بعدها.
أنت تفترض الآن — دون أن تشعر — أن هناك "أنت" ثابتة تقرأ هذه الكلمات. شيء داخلي صامت، متصل، يجلس خلف العينين ويراقب. هذا الإحساس يبدو بديهياً إلى درجة أنك لا تفكر فيه أصلاً. لكنه قد يكون أكثر الأشياء زيفاً في تجربتك كلها.
توقف لحظة. كيف عرفت أنك الشخص نفسه الذي بدأ قراءة هذه الفقرة؟
لا تجب بسرعة. لأنك لا تملك دليلاً حقيقياً. أنت تملك فقط إحساساً ناعماً بالاستمرارية. إحساساً سلساً بما يكفي كي لا تلاحظ الانقطاعات.
ليس "ذاتاً" مستمرة، بل عملية إعادة بناء متواصلة تحدث بسرعة هائلة، وكل نسخة جديدة ترث ذاكرة السابقة فتظن أنها هي نفسها.
الوعي قد لا يكون شيئاً موجوداً…
بل شيئاً يُعاد إنتاجه كل لحظة، ثم ينهار، ثم يُعاد، ثم ينهار، بسرعة تمنعك من رؤية المقبرة الهائلة التي تحدث داخلك كل ثانية.
لهذا يبدو الإدراك متماسكاً. ليس لأنه متماسك فعلاً، بل لأن الدماغ يكره الفراغات. يملأها فوراً. يخيط الثقوب بسرعة جنونية كي لا ترى التمزق.
حتى الآن، أثناء قراءتك، أنت لا ترى الكلمات كلها. العين تقفز فوق أجزاء. الدماغ يكمل الناقص دون إذنك. أنت لا تقرأ النص فعلاً. أنت تقرأ نسخة رممها جهازك العصبي في الزمن الحقيقي.
وهنا تبدأ الفكرة التي يحاول الوعي الهرب منها طوال الوقت:
ربما الحقيقة ليست شيئاً لا نفهمه…
بل شيئاً لا يمكن أن تنجو منه بنية اسمها "الفهم".
الوعي ليس نافذة على العالم. الوعي أشبه ببرنامج طوارئ. شيء صممته المادة لا لكشف الواقع، بل لحمايتك من كثافته.
تخيل لو أنك رأيت كل شيء دفعة واحدة.
ليس "كل شيء" بمعناه الشعري الساذج. بل فعلاً كل شيء:
- كل خلية تموت الآن في جسدك.
- كل تغير طفيف في ضغط الهواء حولك.
- كل الأصوات التي لا تسمعها أذنك.
- كل الإشعاعات التي تمر عبر عظامك.
- كل احتمالات كل قرار لم تتخذه.
- كل الامتدادات المستقبلية لأي حركة صغيرة تقوم بها.
- كل الترابطات بين كل شيء وكل شيء.
لن تصبح حكيماً. لن تتنوّر. لن تصل إلى السلام الكوني. ستتفكك. ليس نفسياً فقط… بل إدراكياً. لأن الفعل نفسه يحتاج إلى جهل هائل كي يحدث.
لكي ترفع كوب الماء، يجب أن يتم حذف عدد مرعب من التفاصيل. لكي تقول "أنا"، يجب أن يتم إخفاء عدد مرعب من التناقضات. لكي تحب شخصاً، يجب أن يتم تجاهل آلاف الحقائق التي لو ظهرت دفعة واحدة، لتحول الحب إلى ضوضاء عصبية غير قابلة للتجربة.
الإنسان لا يعيش داخل الواقع.
الإنسان يعيش داخل نسخة منخفضة الدقة من الواقع، صُممت خصيصاً كي لا ينهار جهازه العصبي.
وهذا ليس عيباً في الإدراك. هذا هو الإدراك. لهذا قد يكون الكذب أقدم من اللغة نفسها. ليس الكذب الاجتماعي التافه… بل الكذب البنيوي. الكذب الذي تُبنى عليه إمكانية الإحساس أصلًا.
ربما لا يوجد مركز أصلًا.
فقط عملية مستمرة تنتج وهم المركز.
مراسلات القراء
اترك أثرَك هنا — فالنصوص تكتمل بقرّائها
إرسال تعليق
انتقل إلى نموذج التعليق