هل هذا كلُّ شيء؟

 





«نأتي إلى الحياة كما تُلقى شرارةٌ مرتجفة في ليلٍ بلا نهاية؛ نحاول طوال أعمارنا أن نقنع أنفسنا أنّ هذا الاحتراق يحمل معنى، بينما الكون من حولنا يواصل صمته البارد، كأنّ شيئًا لم يكن.» 

We arrive into life like a trembling spark cast into an endless night; we spend our entire existence trying to convince ourselves that this burning holds meaning, while the universe around us continues its cold silence, as though nothing had ever been.” - Me



هل هذا كلُّ شيء؟
أهذه هي الحكاية التي ارتجفت لها القلوب، وتكسّرت تحتها الأديان، واشتعلت من أجلها الحروب، وارتفع بسببها صوت الشعراء والأنبياء والعشّاق والمجانين؟
أن نولدَ صدفةً في زاويةٍ رطبةٍ من كونٍ أصمّ، ثم نركض مذعورين نحو أهدافٍ اخترعناها كي لا نسمع صوت الفراغ، ثم نموت، ببساطةٍ مُهينة، كما تنطفئ سيجارةٌ نُسيت على حافة نافذة؟

ما هذا العبث الهائل الذي سمّيناه "الحياة"؟

منذ الطفولة، يُلقونك داخل اللعبة قبل أن يسألوك إن كنت تريد اللعب أصلًا.
يفتح الطفل عينيه للمرة الأولى، لا ليعرف، بل ليُلقَّن.
هذا أبوك، هذه أمك، هذا اسمك، هذه لغتك، هذا إلهك، هذه حدودك، هذه أخلاقك، هذا مستقبلك، وهذه الأشياء التي يجب أن تخاف منها حتى آخر يومٍ في عمرك.
يُصنع الإنسان كما تُصنع الدمى؛ طبقةً فوق طبقة، كذبةً فوق كذبة، حتى يختفي تمامًا تحت ما زُرع فيه.

ثم يكبر، ويظن أنّه "هو".
يا للسخرية.

ما يسمّيه الإنسان "شخصيته" ليس إلا تراكمًا للحوادث، والهرمونات، والصدمات، والجوع العاطفي، والخوف القديم من الوحدة والموت.
حتى أفكاره التي يدافع عنها بحماسة ليست أفكاره حقًا، بل أصداءُ مجتمعٍ يتكلّم داخله.
إنّه كائنٌ مصنوع من الاقتباسات، ثم يتوهّم أنّ له صوتًا أصيلًا.

وحين يبدأ الوعي بالنمو، تبدأ المأساة الحقيقية.

الحيوان يرى الطعام والخطر والتكاثر، ثم ينام.
أمّا الإنسان، ذلك الكائن الملعون بالوعي، فقد رأى ما لا ينبغي رؤيته.
رأى موته القادم وهو لا يزال حيًّا.
رأى أنّ كل إنجازٍ سيتحوّل إلى غبار.
رأى أنّ الحبّ نفسه ليس أكثر من تواطؤٍ كيميائيّ بين وحدتين خائفتين من العدم.
رأى أنّ الحضارات ليست إلا قبورًا تؤجّل انهيارها عبر الضجيج.

ومنذ تلك اللحظة، بدأ الإنسان مشروعه الأعظم: الهروب من الحقيقة.

الدين، الفن، الوطنية، الطموح، الزواج، الشهرة، الأخلاق، الثورات، وحتى الفلسفة أحيانًا...
كلّها ليست دائمًا بحثًا عن الحقيقة، بل وسائل تخديرٍ راقية، صُمّمت كي لا ينهار العقل تحت ثقل السؤال البسيط:

"ولماذا كل هذا أصلًا؟"

لكن السؤال لا يموت.
إنّه يتخفّى فقط.

يظهر ليلًا في سقف الغرفة.
في شعورك المفاجئ بالغربة وأنت بين أصدقائك.
في تلك اللحظة التي تنتهي فيها من شيءٍ حلمت به طويلًا، ثم تكتشف أنّك لا تشعر بشيء تقريبًا.
في نظرتك إلى المرآة حين تدرك أنّك تتقدّم نحو موتك بسرعةٍ لا يمكن إيقافها.
في ذلك الفراغ الذي يلي الضحك مباشرةً.

الإنسان لا يعيش حقًا، بل يشتّت انتباهه عن السقوط.

كلّ صباحٍ ليس "بداية جديدة" كما تقول عبارات التنمية البشرية الساذجة، بل اقترابٌ إضافي من النهاية.
كلّ عيد ميلاد ليس احتفالًا بالحياة، بل إعلانًا غير مباشر أنّ جزءًا آخر منك قد اختفى إلى الأبد.
كلّ علاقة تحمل في داخلها بذرة فقدانها.
وكلّ نجاحٍ يذبل فور الوصول إليه، لأنّ الرغبة لا تريد الامتلاك، بل تريد المطاردة.

لهذا يبدو الإنسان دائم القلق حتى حين يحصل على ما يريد.
لأنّ المشكلة لم تكن يومًا في الشيء المطلوب، بل في البنية نفسها؛ في هذا الكائن الذي بُني على النقص، ويستحيل أن يكتمل.

إنّه يشبه حفرةً تحاول ملء نفسها بالرمل أثناء العاصفة.

وحين يعجز عن الاحتمال، يخترع المعنى.

يا له من اختراعٍ عبقريّ وبائس في آنٍ واحد.

المعنى ليس شيئًا اكتشفه الإنسان، بل شيءٌ اضطرّ لاختراعه كي لا ينتحر وعيه.
إنّه الضمادة النفسية الكبرى.
فالكون لم يهمس يومًا بأي غاية.
النجوم لا تعرف أسماءنا.
المجرّات لا تبالي بأحلامنا.
والزمن يسحق الإمبراطوريات والعشّاق والأطفال بنفس البرود الرياضيّ.

لكن الإنسان لم يحتمل هذا الصمت الكونيّ، فملأه بالكلام.
قال: هناك رسالة.
هناك قدر.
هناك خطة.
هناك سبب لكل شيء.

بينما الحقيقة الأكثر رعبًا قد تكون أنّه لا يوجد شيء خلف الستار أصلًا.

لا عين تراقب.
لا عدالة كونية.
لا معنى مخفيّ ينتظر الاكتشاف في نهاية الطريق.

فقط هذا الامتداد اللامتناهي من المادة، تتحرّك وفق قوانين عمياء، ثم تُنتج بالصدفة كائنًا قادرًا على البكاء لأنه فهم المأزق.

الوعي...
ربما كان الخطأ الأكبر الذي ارتكبته المادة حين نظرت إلى نفسها.

ولهذا يبدو الإنسان كائنًا متناقضًا على نحوٍ مأساويّ؛
إنّه يريد الحقيقة، لكنه لا يستطيع تحمّلها كاملةً.
يريد الحرية، ثم يهرب منها إلى القطيع.
يريد الخلود، رغم أنّه مصنوع بالكامل من الفناء.
يريد حبًّا أبديًا بقلبٍ بيولوجيّ سينطفئ خلال عقود قليلة.

إنّه مشروع مستحيل منذ البداية.

حتى الحضارة نفسها ليست انتصارًا، بل آلية دفاع جماعية ضد الرعب الوجوديّ.
المدن العملاقة، الأبراج، التكنولوجيا، وسائل التواصل، الضجيج المستمر...
كلّها محاولةٌ يائسة لإخفاء الحقيقة البدائية:
أنّ الإنسان، رغم كل هذا التقدّم، ما يزال ذلك الحيوان المرتعش أمام الموت.

بل إنّ الحداثة زادت المأساة تعقيدًا.

في الماضي كان الإنسان يتألّم لأنه لا يملك شيئًا.
أمّا اليوم، فهو يتألّم رغم امتلاكه كل شيء تقريبًا.
لقد تحوّل الفراغ من مشكلة مادية إلى بنية داخلية.
صار الإنسان يحمل العدم في جيبه، ويتصفّحه كل يوم عبر شاشة مضيئة.

إنّه متّصل بالعالم كله، ومنفصل عن نفسه تمامًا.

لهذا ينتشر الاكتئاب كأنه اللغة السرّية للعصر الحديث.
ليس دائمًا بسبب خللٍ كيميائيّ فقط، بل أحيانًا لأنّ بعض العقول بدأت ترى ما وراء المسرحية.
بدأت تشكّ أنّ الحياة اليومية، بكل روتينها وسباقها ولهاثها، ليست سوى حركة دائريّة فوق هاوية.

تستيقظ، تعمل، تستهلك، تشتري، تشتهي، تتعب، تنام، ثم تعيد الدورة حتى يتوقّف قلبك.

والمخيف ليس هذا فقط، بل قدرة البشر المذهلة على التكيّف مع العبث.
يمكن للإنسان أن يعتاد سجنه إلى درجة أن يسمّيه "حياة طبيعية".
يمكنه أن يعيش أربعين عامًا في الوظيفة نفسها، يكره أيامه بصمت، ثم يموت دون أن يسأل نفسه مرّة:
"لماذا كنت أفعل كل هذا؟"

إنّه لا يخاف العبودية بقدر ما يخاف الفراغ الذي قد يظهر لو توقّف.

لأنّ التوقّف يعني المواجهة.
ومواجهة العدم ليست أمرًا سهلًا.

أن تجلس وحدك، دون إلهٍ جاهز، أو معنى جاهز، أو ضجيج، أو مهدّئات فكرية... ثم تنظر مباشرةً إلى الوجود، فهذه تجربة تكاد تكون فوق طاقة الإنسان.

هناك، فقط، تبدأ الرؤية الحقيقية.
هناك تدرك أنّ معظم البشر لا يعيشون، بل يهربون.
وأنّ الحضارة بأكملها قد تكون نظامًا معقّدًا لإدارة الذعر الوجوديّ.

لكن، رغم كل هذا السواد، يبقى في الأمر مفارقة غريبة.

فالإنسان، وهو يعرف هشاشته، ما يزال يكتب الشعر.
وهو يعرف أنّه سيموت، ما يزال يقع في الحب.
وهو يعرف أنّ الكون لا يهتم، ما يزال ينظر إلى الغروب كأنّ فيه سرًّا ما.

ربما لأنّ الجمال ليس حلًّا للعبث، بل رقصٌ فوقه.

وربما لأنّ الوعي، رغم كونه لعنة، هو أيضًا الشيء الوحيد الذي جعل الكون قادرًا على التأمّل في نفسه، ولو للحظة قصيرة قبل الانطفاء.

لكن حتى هذه الفكرة لا تنقذ شيئًا بالكامل.

فالنجوم ستنطفئ يومًا.
والشمس ستبتلع الأرض.
والبشرية نفسها ستتحوّل إلى أثرٍ جيولوجيّ تافه في طبقات كوكبٍ ميت.
ثم سيأتي وقتٌ لا يبقى فيه أحدٌ ليتذكّر أنّنا كنّا هنا أصلًا.

كل هذه الضحكات، الحروب، القصائد، الأديان، القُبل، الأحلام، الانهيارات العصبية، الأغاني، الفلسفات...
ستنمحي كما تُمحى قطرة مطرٍ سقطت في محيط.

وهنا يعود السؤال، أكثر عريًا من أي وقت:

هل هذا كل شيء؟

وربما تكون المأساة الأعظم أنّنا لن نحصل أبدًا على جوابٍ نهائيّ.
سنظلّ معلّقين بين وعيٍ يريد المعنى، وكونٍ لا يقدّم أي ضمانة لوجوده.

لهذا يبدو الإنسان كصرخةٍ مؤقتة داخل صمتٍ أبديّ.

صرخة تعرف مسبقًا أنّ لا أحد سيردّ عليها.

إرسال تعليق

0 تعليقات