لم يكن السؤال يومًا ابن الشجاعة.
كان دائمًا ابن الرعشة الأولى، حين اكتشفت المادة أنها مستيقظة، وحين ارتبك الصمت لأنه صار يُرى.
منذ تلك اللحظة، لم يبدأ الوجود في الكلام، بل بدأ في الاعتذار عن نفسه. وكل سؤال لم يكن سوى طريقة ملتوية لقول: “هذا أكثر مما أحتمل”.
العقل لم يولد مصباحًا، بل وُلد كجرحٍ يتعلّم كيف يصف نزفه. وكلما تعلّم لغة جديدة، ازداد نزفه أناقة، لا أقل.
توهّمنا طويلًا أن الأسئلة ثقوب في جدار العالم، وأن الأجوبة محاولات لترقيعها. لكن الجدار نفسه وهم، والثقوب صُنعت كي نعلّق عليها ستائر. نحن لا نخاف العتمة، نحن نخاف اتّساعها بلا إطار. لذلك اخترعنا الإطارات، ثم عبدناها، ثم سمّيناها: إلهًا، عقلًا، حبًا، إنسانًا، معنى.
الإله كان اسمًا أنيقًا للهوة.
والعقل كان طريقة مهذّبة لترتيب الفوضى.
والحب كان جسرًا من أنفاس فوق مستنقع الوحدة.
والإنسان كان قناعًا ارتدته المادة حين لم تحتمل رؤية وجهها العاري.
كلّها لم تكن اكتشافات، بل ضمادات.
ضمادات ملوّنة على جرح لا يلتئم لأنه ليس جرحًا في الجلد، بل في فكرة الوجود نفسها.
لكن الخديعة الأعمق لم تكن في الأجوبة، بل في قداسة السؤال. كأننا لم نجرؤ يومًا على الشك في الأداة نفسها التي نمسك بها العتمة. كأن السؤال ليس هو أيضًا أحد أعراض المرض، أحد أشكال الحمى التي تخلق صورًا لتقنع الجسد بأنه ما زال متماسكًا.
نحن لا نسأل لأننا نريد الحقيقة.
نحن نسأل لأن الصمت بلا شكل يخنق.
الفراغ حين لا يُسمّى، يتحوّل إلى ثِقل على الصدر. وحين لا يُحكى، يصير كابوسًا بلا ملامح. لذلك لم يخترع الوعي الحقيقة، بل اخترع الحكاية، ثم أقنع نفسه أن الحكاية طريق إليها.
منذ أول ارتجافة في نسيج الكائن، كان السؤال مجرّد غريزة لتنظيم الذعر. كما ترتّب الحشرات أعشاشها في الشقوق، رتّب الوعي فوضاه في مفاهيم. وكما تبني العناكب بيوتها من خيوط هشّة، بنينا عوالمنا من كلمات، ثم تصرّفنا بدهشة حين سقطت فوق رؤوسنا.
نحن لا نرى الأشياء، نحن نكسوها.
ولا نفهم الوجود، نحن نقصّه على مقاس أعصابنا.
وحين قالوا: “العقل هو النور”، لم ينتبهوا أن النور لا يبدّد العتمة، بل يرسم لها حدودًا. وحين قالوا: “الحب هو الغاية”، لم يروا أنه ليس سوى هدنة قصيرة بين وحدتين. وحين قالوا: “الإنسان هو المعنى”، نسوا أن الإنسان نفسه كائن مُستعار، يستعير جسده من الزمن، ويستعير أفكاره من الخوف، ويستعير اسمه من اللغة.
نحن لا نملك حتى سقوطنا.
نحن نسقط بالطريقة التي تسمح بها الحكاية السائدة.
كل عصر لم يُنتج حقيقة، بل أنتج صيغة محتملة للتحمّل. من الأسطورة إلى المعبد، ومن المعبد إلى المختبر، ومن المختبر إلى الشاشة… تغيّرت الأقنعة، لكن الوجه تحته ظلّ هو نفسه: وجه كائن لا يحتمل أن يكون بلا تفسير، حتى لو كان التفسير كاذبًا، حتى لو كان هشًّا، حتى لو كان مؤقتًا كضمادة في مهبّ عاصفة.
ولهذا نحن لا نبحث عن الحقيقة.
نحن نبحث عن صيغة يمكن العيش داخلها.
وهكذا، يصبح السؤال قناعًا، والجواب قناعًا، والمعنى قناعًا، والإنسان نفسه قناعًا ترتديه المادة حين تنظر إلى نفسها ولا تحتمل ما ترى.
ليس هناك مركز.
ليس هناك غاية.
ليس هناك قصة كبرى تنتظر أن تُكتشف.
هناك فقط هذا الجهد المتواصل لتحويل العمى إلى رؤية، والفوضى إلى نظام، والفراغ إلى حكاية… لا لأن الحكاية صادقة، بل لأنها أقل إيلامًا من الصمت.
الفلسفة لم تكن بحثًا عن الحقيقة، بل فنّ تحسين الأكاذيب.
والعلم لم يكن خروجًا من الوهم، بل وهمًا بدقّة أعلى.
والإنسان لم يكن مركز الكون، بل ذريعة الكون ليتكلّم عن نفسه دون أن يصمت.
لكن ماذا لو كان العطب ليس في هذا الجواب أو ذاك، بل في الحاجة نفسها إلى جواب؟
ماذا لو كان الوعي جهازًا لا يحتمل العُري، فيخيط لنفسه جلودًا من المفاهيم، ثم ينساها، ثم يموت وهو يدافع عنها؟
عندها يصبح المعنى ليس نورًا، بل أثر احتكاك.
ويصير التفكير ليس كشفًا، بل احتكاكًا مؤلمًا بين كائن هشّ ووجود بلا ملامح.
نحن لا نكذب لأننا نحب الكذب، بل لأن الحقيقة، عاريةً كما هي، غير صالحة للسكن. لا أبواب لها، لا جدران، لا سقف. فقط ريح بلا اتجاه. ومن يستطيع أن يعيش في ريح؟
لهذا نحتاج دائمًا إلى بيت، حتى لو كان من ورق. إلى قصة، حتى لو كانت مهترئة. إلى معنى، حتى لو كان مثقوبًا. المهم ألا نُترك عراة أمام هذا الاتّساع الذي لا يعد بشيء.
في العمق، ليس هناك تقدّم.
هناك فقط استبدال مستمرّ للأقنعة.
يسقط إله، فينهض عقل. يسقط عقل، فينهض إنسان. يسقط إنسان، فتنهض بنية. تسقط البنية، فتنهض خوارزمية. والهاوية تظلّ في مكانها، صبورة، تنتظر أن نسمّيها باسم جديد.
لسنا في رحلة نحو الحقيقة.
نحن في مسيرة طويلة لتأجيل الانهيار.
وحين نسمي هذا “معرفة”، فإننا لا نفعل أكثر من تعليق لافتة مضيئة على باب كهف، ثم نقنع أنفسنا أن الضوء هو الشمس.
في النهاية، لا يُهزم الوهم لأنه كُشف، بل لأنه تعب.
ويُستبدل بوهم آخر، أشد أناقة، أشد إقناعًا، وأقرب قليلًا إلى جلدنا.
وهكذا يستمر الوعي، لا ككاشف للوجود، بل كممرّض للعتمة، يغيّر الضمادات، يبتسم للمريض، ويُخفي عنه أن الجرح ليس في الجسد… بل في كونٍ وُلد بلا سبب، ويحاول منذ ذلك الحين أن يختلق لنفسه أعذارًا للبقاء


0 تعليق:
إرسال تعليق
تذكّر : : كلُّ إناءٍ بالذي فيهِ ينضَحُ