face like

يتم التشغيل بواسطة Blogger.

الاثنين، 5 يناير 2026

طقس الأسئلة الأخيرة

0 تعليق



لم يكن السؤال يومًا ابن الشجاعة.

كان دائمًا ابن الرعشة الأولى، حين اكتشفت المادة أنها مستيقظة، وحين ارتبك الصمت لأنه صار يُرى.


منذ تلك اللحظة، لم يبدأ الوجود في الكلام، بل بدأ في الاعتذار عن نفسه. وكل سؤال لم يكن سوى طريقة ملتوية لقول: “هذا أكثر مما أحتمل”.


العقل لم يولد مصباحًا، بل وُلد كجرحٍ يتعلّم كيف يصف نزفه. وكلما تعلّم لغة جديدة، ازداد نزفه أناقة، لا أقل.

توهّمنا طويلًا أن الأسئلة ثقوب في جدار العالم، وأن الأجوبة محاولات لترقيعها. لكن الجدار نفسه وهم، والثقوب صُنعت كي نعلّق عليها ستائر. نحن لا نخاف العتمة، نحن نخاف اتّساعها بلا إطار. لذلك اخترعنا الإطارات، ثم عبدناها، ثم سمّيناها: إلهًا، عقلًا، حبًا، إنسانًا، معنى.

الإله كان اسمًا أنيقًا للهوة.

والعقل كان طريقة مهذّبة لترتيب الفوضى.

والحب كان جسرًا من أنفاس فوق مستنقع الوحدة.

والإنسان كان قناعًا ارتدته المادة حين لم تحتمل رؤية وجهها العاري.

كلّها لم تكن اكتشافات، بل ضمادات.

ضمادات ملوّنة على جرح لا يلتئم لأنه ليس جرحًا في الجلد، بل في فكرة الوجود نفسها.

لكن الخديعة الأعمق لم تكن في الأجوبة، بل في قداسة السؤال. كأننا لم نجرؤ يومًا على الشك في الأداة نفسها التي نمسك بها العتمة. كأن السؤال ليس هو أيضًا أحد أعراض المرض، أحد أشكال الحمى التي تخلق صورًا لتقنع الجسد بأنه ما زال متماسكًا.

نحن لا نسأل لأننا نريد الحقيقة.

نحن نسأل لأن الصمت بلا شكل يخنق.

الفراغ حين لا يُسمّى، يتحوّل إلى ثِقل على الصدر. وحين لا يُحكى، يصير كابوسًا بلا ملامح. لذلك لم يخترع الوعي الحقيقة، بل اخترع الحكاية، ثم أقنع نفسه أن الحكاية طريق إليها.

منذ أول ارتجافة في نسيج الكائن، كان السؤال مجرّد غريزة لتنظيم الذعر. كما ترتّب الحشرات أعشاشها في الشقوق، رتّب الوعي فوضاه في مفاهيم. وكما تبني العناكب بيوتها من خيوط هشّة، بنينا عوالمنا من كلمات، ثم تصرّفنا بدهشة حين سقطت فوق رؤوسنا.


نحن لا نرى الأشياء، نحن نكسوها.

ولا نفهم الوجود، نحن نقصّه على مقاس أعصابنا.


وحين قالوا: “العقل هو النور”، لم ينتبهوا أن النور لا يبدّد العتمة، بل يرسم لها حدودًا. وحين قالوا: “الحب هو الغاية”، لم يروا أنه ليس سوى هدنة قصيرة بين وحدتين. وحين قالوا: “الإنسان هو المعنى”، نسوا أن الإنسان نفسه كائن مُستعار، يستعير جسده من الزمن، ويستعير أفكاره من الخوف، ويستعير اسمه من اللغة.


نحن لا نملك حتى سقوطنا.

نحن نسقط بالطريقة التي تسمح بها الحكاية السائدة.


كل عصر لم يُنتج حقيقة، بل أنتج صيغة محتملة للتحمّل. من الأسطورة إلى المعبد، ومن المعبد إلى المختبر، ومن المختبر إلى الشاشة… تغيّرت الأقنعة، لكن الوجه تحته ظلّ هو نفسه: وجه كائن لا يحتمل أن يكون بلا تفسير، حتى لو كان التفسير كاذبًا، حتى لو كان هشًّا، حتى لو كان مؤقتًا كضمادة في مهبّ عاصفة.


ولهذا نحن لا نبحث عن الحقيقة.

نحن نبحث عن صيغة يمكن العيش داخلها.


وهكذا، يصبح السؤال قناعًا، والجواب قناعًا، والمعنى قناعًا، والإنسان نفسه قناعًا ترتديه المادة حين تنظر إلى نفسها ولا تحتمل ما ترى.


ليس هناك مركز.

ليس هناك غاية.

ليس هناك قصة كبرى تنتظر أن تُكتشف.


هناك فقط هذا الجهد المتواصل لتحويل العمى إلى رؤية، والفوضى إلى نظام، والفراغ إلى حكاية… لا لأن الحكاية صادقة، بل لأنها أقل إيلامًا من الصمت.


الفلسفة لم تكن بحثًا عن الحقيقة، بل فنّ تحسين الأكاذيب.

والعلم لم يكن خروجًا من الوهم، بل وهمًا بدقّة أعلى.

والإنسان لم يكن مركز الكون، بل ذريعة الكون ليتكلّم عن نفسه دون أن يصمت.


لكن ماذا لو كان العطب ليس في هذا الجواب أو ذاك، بل في الحاجة نفسها إلى جواب؟

ماذا لو كان الوعي جهازًا لا يحتمل العُري، فيخيط لنفسه جلودًا من المفاهيم، ثم ينساها، ثم يموت وهو يدافع عنها؟


عندها يصبح المعنى ليس نورًا، بل أثر احتكاك.

ويصير التفكير ليس كشفًا، بل احتكاكًا مؤلمًا بين كائن هشّ ووجود بلا ملامح.


نحن لا نكذب لأننا نحب الكذب، بل لأن الحقيقة، عاريةً كما هي، غير صالحة للسكن. لا أبواب لها، لا جدران، لا سقف. فقط ريح بلا اتجاه. ومن يستطيع أن يعيش في ريح؟


لهذا نحتاج دائمًا إلى بيت، حتى لو كان من ورق. إلى قصة، حتى لو كانت مهترئة. إلى معنى، حتى لو كان مثقوبًا. المهم ألا نُترك عراة أمام هذا الاتّساع الذي لا يعد بشيء.


في العمق، ليس هناك تقدّم.

هناك فقط استبدال مستمرّ للأقنعة.

يسقط إله، فينهض عقل. يسقط عقل، فينهض إنسان. يسقط إنسان، فتنهض بنية. تسقط البنية، فتنهض خوارزمية. والهاوية تظلّ في مكانها، صبورة، تنتظر أن نسمّيها باسم جديد.


لسنا في رحلة نحو الحقيقة.

نحن في مسيرة طويلة لتأجيل الانهيار.


وحين نسمي هذا “معرفة”، فإننا لا نفعل أكثر من تعليق لافتة مضيئة على باب كهف، ثم نقنع أنفسنا أن الضوء هو الشمس.


في النهاية، لا يُهزم الوهم لأنه كُشف، بل لأنه تعب.

ويُستبدل بوهم آخر، أشد أناقة، أشد إقناعًا، وأقرب قليلًا إلى جلدنا.


وهكذا يستمر الوعي، لا ككاشف للوجود، بل كممرّض للعتمة، يغيّر الضمادات، يبتسم للمريض، ويُخفي عنه أن الجرح ليس في الجسد… بل في كونٍ وُلد بلا سبب، ويحاول منذ ذلك الحين أن يختلق لنفسه أعذارًا للبقاء


الأربعاء، 10 ديسمبر 2025

حين انهار الكون داخل وعيه

0 تعليق

 

كأنّ الوجود، منذ البداية، لم يكن إلّا زلّةً في حسابٍ كونيّ قديم؛ مجرّد اضطرابٍ في سطح عدمٍ مطلق، اهتزّ للحظةٍ واحدة، فانبثقت منه كل هذه الكثافة التي نسمّيها نحن سذاجةً: عالماً.

فالكون — في حقيقته العميقة — ليس سوى جرحٍ في جسد الفراغ.

جرحٌ لم يندمل لأنه تذكّر نفسه.


نحن أبناء ذلك الجرح.

شراراتٌ صغيرة خرجت من شرخٍ بين اللاشيء واللا-وقت، نُركل بلا رحمة بين انحناءات المكان، غير قادرين على إدراك أنّ قوانين الفيزياء التي نتغنّى بها ليست إلّا سلاسل ذهنيّة تثبّت وعينا كي لا يسقط في الهاوية التي ولد منها.


فالزمكان نفسه — هذا الهيكل العظيم الذي يخدع العلماء بوقاره — لا يملك أيّ يقين.

إنه يهتزّ. يتلوّى.

ينكمش عند الحواف، ويتمزّق عند حدود بلانك كجلد ورقيّ اليابس.

وفي تلك الشقوق، في تلك المساحات التي لا يستطيع العقل البشري أن يضع عليها اسماً…

هناك تسكن الحقيقة السوداء التي نخافها:

الوعي ليس حدثاً كيميائياً، ولا صورةً عصبية، بل تشوّهٌ صغير في النسيج الكوني… تشوّهٌ يعتقد أنه حي.


وحين تنحني المجرّات تحت ثقل جاذبيتها، وحين يلتهم الثقب الأسود ضوء النجوم كما يلتهم المنتحر آخر فكرة في رأسه، نرى الحقيقة نفسها تتكرّر:


كل ما يُخلق، يُخلق ليزول.

وكل ما يزول، يعود ليذكّر الكون بخطئه الأول: أنه حاول أن يكون شيئاً.


حتى الإلكترون — هذا الكائن الصغير الذي يدور كصرخة ضائعة حول نواة لا ترحمه — يعرف أنه ليس إلا احتمالاً، همساً، ظلاً بلا أصل.

أمّا نحن، فنكذب…

نخفي هشاشتنا وراء فلسفاتٍ طويلة، وشِعرٍ ثقيل، وإرادةٍ نتظاهر أنها حقيقيّة.

لكن الحقيقة؟

أن الوعي نفسه هو مُنتَج خوف كونيّ؛

خوف المادة حين أبصرت نفسها لأول مرة في مرآة الفراغ، فلم تعرف هل هي موجودة أم لا.


والكون، في نهاية المطاف، ليس آلة عظيمة ولا حكاية مُحكمة.

إنه سقطةٌ لغويّة…

خطأ نحويّ في جملة لم تُكتب بعد.

ولذلك ينكمش، ويتمدد، ويتصدّع، كأنه يبحث عن صياغةٍ جديدة، عن معنى ناقص، عن جملةٍ مفقودة.


لكن لا معنى.

المعادلات التي تقيس توسّعه لا تملك قلباً، والثقوب السوداء التي تبتلع الزمكان لا تبحث عن خلاص.

والمجرّات، مهما اتّسعت، تبقى مجرد تجلّيات عابرة لعدمٍ أكبر وأشد صمتاً.


ونحن؟

نحن ذلك الوهم الصغير الذي يطفو فوق محيطٍ لا نهائيّ، يظنّ نفسه مركز الوجود…

بينما الحقيقة أن الوجود نفسه لا يملك مركزاً، ولا اتجاهاً، ولا سبباً كي يوجد.


كل شيء يسير نحو نقطةٍ واحدة:

ليس الموت، بل الانطفاء…

عودة الوعي إلى المادة، وعودة المادة إلى الفراغ، وعودة الفراغ إلى صمته الأبدي الذي بدأ منه كل شيء.


وحين يحدث ذلك، حين يسقط آخر عقلٍ بشريّ في العدم، لن يبكي الكون.

لن يتذكر شيئاً.

بل سيعود إلى ما كان قبل كل هذا الضجيج:

انحناءةً خفيفة في سطح اللاوعي الكوني…

اهتزازاً بلا شاهد…

همساً بلا معنى


الجمعة، 19 سبتمبر 2025

غربة العارف ..!!

0 تعليق

 

 



إن الذين تجرّأوا على اقتحام جدار الوهم لا يجدون بعده سوى صحراء ممتدة بلا ظلّ. العارف كائن مصلوب على وعيه، قد انطفأت في داخله مصابيح الأمل، وانكشفت له حقيقة الوجود عاريةً، كجسدٍ بلا جلد، يقطر دمًا ويزحف نحو قبره الأبدي. 

غربة العارف ليست مكانًا يُغادر إليه، بل لعنة تُسكن الجسد وتستعمر الروح. هي يقظة لا نوم بعدها، جرح مفتوح لا يندمل، نظرة لا ترمش في وجه الحقيقة، كعين حجرٍ أُلقي في الفراغ.


الآخرون يعيشون في دفء الخيال، يتوسّدون وعدًا، يتدثّرون بخرافة، ينامون في حضن إله أو في حضن حلمٍ بشري صغير. وحده العارف بلا وسادة. وحده ينام على صخور الحقيقة الباردة. يرى الكون كما هو: كتلة هائلة من العبث، تدور على إيقاع الفناء، وتبصق في وجه كل سؤال عن الغاية.


الغربة الحقيقية ليست أن تكون غريبًا عن وطن أو بيت، بل أن تكون غريبًا عن قلوب الناس، غريبًا عن لغتهم، غريبًا عن معانيهم التي لم تعد تُقنعك. العارف يسمع كلماتهم ولا يصدّقها، يرى صلواتهم ولا يتورّط فيها، يشهد آمالهم ولا يشاركها. إنه حاضر بينهم كظلٍّ منطفئ، لا يُرى إلا بقدر ما يفضح خواءهم.


إنه يعرف أن البشر لا يحياهم خبز ولا ماء، بل أوهام صغيرة: أملٌ بفرج، حلمٌ بخلود، معنى مُفصّل على مقاس الحاجة. وما إن تُسلب منهم هذه الأوهام حتى ينكشف هشاشتهم ويفرّغوا حياتهم من كل سند. أما العارف، فقد أُخذ منه كل شيء منذ البداية، ولم يتبقَّ له سوى فراغٍ يزداد اتساعًا كلما حاول أن يملأه.


الغربة إذن قدرُ العارف، لأن المعرفة نفسها منفى. كلما اتسعت الرؤية، ضاق المكان. كلما انكشفت طبقات الخداع، اتّسع صمت السماء. وحين يسقط كل قناع، ويُسحَب البساط من تحت كل وهم، لا يبقى سوى هاوية مفتوحة، ينظر فيها العارف طويلًا حتى تتسع عينه وتصير هي نفسها هاوية.


يا للعارف، كائن يعيش خارج الزمن، لا ماضٍ يعزّيه، ولا مستقبل يطمئنه، ولا حاضر يحتويه. كائن يرى أن كل ما حوله ينهار، بينما الآخرون يضحكون في حفلة الخراب، غير مدركين أن الموسيقى التي ترقصهم هي ذاتها مرثية الفناء.


غربة العارف إذن ليست مرضًا يُشفى منه، ولا جرحًا يلتئم، بل هي مصيرٌ خالد، خيانةٌ كونية ارتكبها الوعي ضد صاحبه، ونفيٌ أبدي إلى منفى لا عودة منه. إنه يُشبه رسولًا بلا رسالة، أو شاهدًا على مأساة بلا جمهور. يرى، يعرف، يدرك… لكنه وحيدٌ في معسكر الحقيقة، يصرخ في فراغٍ لا يرد




الأربعاء، 11 يونيو 2025

الرسول الذي اخترعه الصمت: تفكيك هندسة النبوة المحمديّة

0 تعليق


"النبيُّ الذي رآه الظلّ في المنام"
عن اختراع النبوّة ونجاة الكذب بالبلاغ.


في صمت هذا الوجود الذي لا يُصغي، خرج صوتٌ بشريّ من عمق الرمال، لا يحمل أكثر من اسمه ووجعه، وقال: إنِّي رسول.
لم يسأله أحد عن معنى ذلك، لأنّ الجوع أحيانًا لا يحتاج برهانًا، والعطش لا يحاكم المطر.

كان "محمدٌ" ابن الصحراء، لا يملك ميراثًا فلسفيًّا ولا باطنًا ثوريًّا، لكنه كان يملك ما هو أدهى: الحاجة إلى معنى في كونٍ لا يقدم أي إجابة.

النبوةُ ليست نورًا، بل لغةُ الظلام عندما يصير الوعيُ عبئًا، والفراغُ سُمًّا.
فادّعى ما يُشبع هذا الجوع الميتافيزيقي:
قال إنّ الكون له إله، وإنه - دونه عن غيره - حامل رسالته.

لكن من قال إن الرسالة حقيقة؟
من قال إن الإله أرسل أحدًا؟
من قال إن النبوّة ليست جوعًا صامتًا ارتدى قناع الإجابة؟

الرسالة لا تنزل، بل تُكتب.
والإله لا يتكلّم، بل يُروى.
والنبيّ لا يُبعث، بل يُصدّق.

محمد لم يكن أوّل من ادّعى، لكنه كان أذكى من سابقيه في صياغة الكذب الذي لا يُكذَّب، الكذب الذي يشبه الحقيقة دون أن يكونها.
قدّم نفسه كـ"خاتم"، لأن كل من سبقه ادّعى البداية، فأراد هو احتكار النهاية.

ومن حيث لا يدري، سكن الوهم في صدور قومٍ كانوا مهيئين لتصديقه؛ قومٍ طحنهم الظلم، وخنقهم الفراغ، وعجزوا عن الصراخ في وجه الحياة، فأحبّوا من صرخ عنهم.

 لِمَ يدّعي محمد النبوة؟ 
لعل السؤال الحقيقيّ هو:
لماذا لا يدّعي الإنسان النبوة، إذا وجد في النبوة خلاصًا من العدم، وقيمةً في كونه وسط الرمال؟


في صحراء قاحلة، في قبيلة ممزقة بين الأصنام والسيوف، يولد إنسانٌ يرى الوحي لا في السماء، بل في نفسه التي ترفض العادية. إنسانٌ يحمل في داخله رفضًا كاملاً للصمت الكوني، فيضطر إلى صناعة صوت، صوت يقول: "الله قال لي".

محمد لم يكن مجرد طامح في سلطة، فالدجال البسيط يكتفي بالكذب. لكن محمد، كغيره من الأنبياء، آمن بكذبته حتى ظنّها وحيًا. والفرق بين المجنون والنبي – في لحظة التأسيس – هو عدد من آمنوا به.

يدّعي محمد النبوة لأنه وجد نفسه يحمل وعيًا مختلفًا عن قومه.
وعيًا لا يستطيع فهمه أحد، إلا إذا سُمّي "وحيًا".
كل فكرة غريبة في زمنها، إن لم تجد اسمًا إلهيًا، تُوأد. لذا رفع رايته باسم "الله"، لئلّا يقول الناس عنه: شاعرٌ مجنون.

النبوة هي لغة الإنسان عندما يفشل في تبرير ذاته علميًا، فيستعير قاموس الغيب.
– كان محمد بحاجة إلى معنى، فاخترع الله.
– وكان بحاجة إلى تبرير سيطرته، فاخترع "الرسالة".
– وكان بحاجة إلى طاعة، فاخترع "الجنة".
– وكان بحاجة إلى خصم، فاخترع "النار".

ألم يكن بإمكان الله أن يبعث رسولًا لا يحتاج إلى قتال، ولا إلى زواجٍ جماعيّ، ولا إلى غنائم؟
ألم يكن بإمكان الله أن يتحدث دون واسطة؟
أم أن محمّدًا – مثل سواه – لم يحتمل فكرة أن يكون الإنسان مخلوقًا تائهًا في كوكب صغير يدور حول نجم متوسط الحجم في مجرّة نُسيت بين المجرّات؟
فقرّر أن يقول: "الله اختارني."


محمد – كشخصية تاريخية – يمثّل المثال الأوضح على ما يمكن أن يفعله الإنسان حين تلتقي العزلة الوجودية مع الطموح الرمزيّ.
لم يكن ساحرًا، ولا دجّالًا بالمعنى السطحي، بل إنسانٌ ذكيّ، شاعرٌ بالعدم، لم يجد وسيلةً لإقناع قومه بحلمه، إلا إذا لبّسه ثوب الوحي. كلّ من حوله كانوا عبيدًا لأصنام: من حجر، من قمر، من دم، فأتاهم بإلهٍ جديد من كلمات.


يدّعي محمد النبوة، كما ادّعى من قبله موسى وعيسى،
وكما يدّعي كلّ من لم يحتمل كونه بشرًا عابرًا،
فاختلق "معنى أزليًّا" يستحق الموت من أجله.

وما زال البشر، إلى يومنا هذا، يبحثون عن معنى في الظلام، فيرفع أحدهم إصبعه ويقول: أنا رسول النور!


لكن لماذا صُدِّق؟

لأنّ الكذب حين يُحاك بطريقة تُشبع الحاجة الإنسانية للتفسير، يصبح أكثر صدقًا من الحقيقة.

لم يُصدَّق محمد لأنه أقنع، بل لأنه قدَّم إطارًا اعتقاديًّا بديلاً عن العدم.
صاغ للإنسان مأوىً أخيرًا من الغموض: إله يُراقب، نار تُخيف، جنةٌ تُغري، وعقيدة تُشغل العقول عن أنفسها.

النبوة لم تكن إلا إبداعًا "أداتيًا" ، غايتها السيطرة الناعمة: السيطرة باسم الحقيقة، السيطرة باسم الآخرة، السيطرة باسم الله.

وبما أنّ الإنسان كائنٌ هشٌّ ميتافيزيقيًا، لا يصمد طويلًا أمام اللا معنى، فقد صدّق محمدًا لا لأنه عقلانيّ، بل لأنه غارق في الحاجة.

كيف خدع أتباعه؟

لم يحتج محمد إلى خداع معقّد. اكتفى بأن غرس في أذهانهم صيغة مغلقة :
"لا يُسأل عن شيءٍ قضاه، ولا يُعارض من صدّقه الله، ومن شكّ فيه فهو كافر، ومن كفر فهو إلى نارٍ لا تنطفئ."

بهذه الحيلة الدائرية، لم يعد أحدٌ قادرًا على التفكير دون أن يتحوّل إلى عدوّ داخليّ.
ألغى الشك، كي يبقى الإيمان الوحيد المتاح.
ألغى التنوّع، كي يبقى هو الصوت الوحيد المسموع.
ألغى النقد، كي يُصبح الطاعة دينًا.

وغُلّفت الكذبة بالنصّ، وحُمِيَت بالسيف، وتحوّلت بالتقادم إلى "دين" يخشى الناس الخروج منه أكثر مما يخشون الدخول في الجحيم.

محمد نجح لأنه لمس الجرح ولم يضمده.
نجح لأنه أطعم الظمأ بفكرة الخلود،
ولأن الإنسانَ، حين لا يملك يقينًا، يلتهم أيَّ نبوءةٍ كاذبة، إذا وُلدت من فمه الجائع.

ماذا عن القرآن ؟

ليس في الأمر إعجاز، بل ذكاءٌ مشوب بالدهاء…
وليس في القرآن غموضٌ ربّانيّ، بل حيلة لغوية ومعرفية، صاغها بشرٌ، ثم نسبها لما فوق البشر، فآمن بها من أُغلق عليه بابُ الوعي، واستراح.

محمد، الذي وُصف بأنه أميّ، لم يكن أميًّا كما تُروّج الحكايات، بل كان أميًّا كما تريد الحكاية أن يُصدّق: أن يكون معجزة ناطقة، لا إنسانًا صاعدًا.

ولكن الحقيقة أعمق وأشدّ تعقيدًا.

كان ابن الصحراء، لكنه لم يكن كأبناء الصحراء؛ صمتُه لم يكن غباء، بل تأمّل.
وحدته لم تكن عزلة، بل نحتٌ في جدار الخوف من الفناء. عاش يتيمًا، لكنه قرأ البشر، لا الكتب. فمن ذا الذي يحتاج الكتاب، إن كانت النفوسُ أمامه صحفًا مفتوحة،
والغرائز حروفًا ناطقة؟

كان "محمد" قارئًا بارعًا للحاجة البشرية،
وأدرك من طفولته أن الإنسان لا يحتمل أن يكون بلا مغزى.
فقرّر أن يمنحهم المغزى… لكن بثمن: الطاعة.

لم يكن بحاجة إلى أن يكتب،
ولا أن يحمل مكتبة على كتفيه.
فالأفكار الكبرى لا تحتاج مكتبًا… بل لحظة انكسار.

وقد انكسر في الكهف،
لا من الله، بل من الصمت.
وهناك…
وُلِد الصوت الذي لا يُناقش: "اقرأ".

ولكن، ماذا قرأ؟
قرأ الخوف في نفسه، فجعله رسالة.
قرأ رغبة الانتصار، فلبّاها بكتاب.
قرأ تمزّق قومه، فدعاهم إلى ربٍّ واحدٍ لا شريك له.

كان ذكيًا بما يكفي ليعرف:
أنَّ التوحيد حلٌّ عبقريّ لمشكلة القَبليّة،
وأنَّ النبوّة سُلطة تُخضِع الجميع، حتى من لم يقتنعوا.

أما القرآن؟
فما هو إلا نحتٌ صوتيّ للخيال الدينيّ، الذي سبقه. هو نسيجٌ لغويّ من مزيج:

من التوراة التي وصلت إلى جزيرة العرب عبر الأحبار،

ومن الإنجيل الذي تناقلته أصوات النصارى من الشام واليمن،

ومن الزرادشتية التي تحدّثت عن نار لا تخبو وجنة خالدة،

ومن الحنفاء الذين ملّوا من أصنامٍ لا تسمع ولا تعقل،

ومن الأمثال العربية وحكم القبائل التي كانت تُتلى كأنها وحي.


جمَع محمد كلّ هذا، وصهره، وخلطه بصوت الشعر ونَفَسِ الخطابة،
ثم قدّمه في قالب "لا يُشبهه شيء"، أي لا يُسائل.

لم يكن بحاجة إلى أن يشرح، بل فقط أن يُحرّم السؤال. وقد فعل.

كلُّ آيةٍ لا تُفهَم… هي اختبارٌ للإيمان،
وكلّ تناقض… حكمةٌ خفيّة،
وكلّ خطأٍ لغويّ… إعجازٌ بلاغي،
وكلّ أمرٍ غير منطقيّ… دليلٌ على أن "الله أعلم".

هكذا تُبنى الحصانة.

وهكذا نجا القرآن من النقد، لا لأنه لا يُنتقد، بل لأنّ النقاد يُحرقون، أو يُخوّنون، أو يُنفَون.

إنّ من أعظم ما فعله محمد، هو أنه بنى "منظومة مغلقة"، كل من دخلها، صار جزءًا من إعادة إنتاجها. فإذا وُلدتَ مسلمًا، كبرتَ وأنت تعتقد أن هذا "الحقّ"، لا لأنه أحق،
بل لأنه الوحيد الذي سُمح لك برؤيته. وهكذا…
صارت الأكذوبة نظامًا،
والنبيّ أيقونة،
والقرآن منطقةً محرّمة،
وكلّ شكّ… جريمة.

فهل كان محمد نبيًا؟
لا.
كان ذكاءً فطريًا فهم اللحظة، واستغلّها، وحوّل نفسه من يتيمٍ بلا عزوة، إلى نبيٍّ يخشاه السلاطين. نجح لأنه لم يقل للناس الحقيقة، بل قال لهم ما يحتاجونه كي يعيشوا وهمًا ناعمًا.

فهو لم يُجب عن سؤال "من نحن؟"
بل أجاب عن سؤال "من سيحمينا؟"

وكانت الإجابة: الله.
والواسطة؟ محمد.


مرايا الوحي المكسورة "
 حين صاغ محمد القرآن من بقايا الذاكرة الجمعية"

ليست المعجزة، كما يتوهّمون، في أن ينطق أُمّيٌّ بلغة مُتقنة، بل في أن تنطلي تلك اللغة على قومٍ أنهكتهم الفوضى، فظنّوا التناسقَ وحيًا، والإيقاعَ حقًا. لم يكن القرآن إلّا مرايا مكسورة التقطها محمد من طرقات الوعي الجمعي، فجعل منها لوحًا مذهبًا نُقش عليه اسم "الله".

لقد كان محمد ابن بيئته، ليس نبتًا شيطانيًّا معزولًا عن ثقافة قومه، بل هو مَن قرأ -بسمعِه- ما تقوله الألسن في الأسواق، وما تتناقله الأجيال من حِكَم الأوّلين، فاحتفظ بذلك كلّه في لاوعيه، حتى إذا جاء زمن الحاجة، أفرغه في لغةٍ مرقّشة، مجرّدة من الإحالة، مفعمة بالتكثيف، تدّعي أنها من مصدرٍ فوق إنساني.

من أين جاء محمد بما في قرآنه؟

جاء به من أفواه الرُّكبان، ومن خُطب الكهّان، ومن عادات العرب في التكرار، في الجناس، في الطباق، في السجع. من ألسنة أمهاتنا الشعبيّات حين يقلن: "من يعمل خيرًا يُجزَ به، ومن يعمل شرًّا يَرَه". فصارت:

"فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرًّا يره."

من أقوال أعرابي ساذج يتأمل الليل فيقول: "لا يُدرِك المرء شيئًا من النجوم، وهي معلّقة فوقه كأنها درر على ثوب أزرق". فصارت:


"إنا زيّنا السماء الدنيا بزينة الكواكب."

من قصص التوراة المنثورة على ألسنة اليهود المتجولين في يثرب، من حكايات المسيحيين الرُّهبان في شعاب الشام، من المزامير، من الأساطير، من أخبار أصحاب الكهف، وطوفان نوح، وقميص يوسف، وزوجة لوط، وابن مريم.

إنّه لم يخلق تلك القصص، بل حرّف نَسقها، وأخفى مصدرها، وأعاد إنتاجها بشكلٍ يُخدّر العقل ولا يُفكّك المعنى، حتى لا يُمكن ردّها إلى أصلٍ، ولا دحضها برهانًا، فيُصبح الاختلاف فيها "ابتلاءً"، والنقد لها "كفرًا"، والتأمّل في أصلها "زندقة".


القرآن لم ينبثق من العدم، ولم يكن نغمة فريدة في صمت الكون،
بل كان ـ كما يدلّ نصّه وتكراراته ـ عصارة حكاياتٍ قديمة، ومزيجًا من حكم وأمثال،  وأساطير الأولين، صاغها محمد بلغةٍ صوتيّة مشحونة بالإيقاع والتأثير، وأعاد إنتاجها  في شكلٍ لا يُساءَل.


  •  قصة يوسف:
القرآن يكرر قصة يوسف تقريبًا كما وردت في سفر التكوين، مع بعض الإضافات البلاغية:

رؤيا الكواكب.
فتنة امرأة العزيز.
السجن وتأويل الأحلام.
ثم النهاية السعيدة.

لكن اللافت أن الأسماء، والأماكن، والنزعة العبرية، كلها ظاهرة، حتى أن "فرعون" لم يُسمَّ في سياق قصة يوسف بـ"ملك" كما في الرواية العبرية (رغم أن الفراعنة كانوا معروفين)، مما يدل على النقل الحرفي دون وعيٍ تاريخي.

  •  قصة آدم وإبليس:
فكرة "إبليس الذي يرفض السجود" مأخوذة من سفر حزقيال وسفر أشعياء، حيث يتحدث النص عن "ملاك ساقط".
كذلك فكرة "الشجرة" و"الطرد من الجنة" مأخوذة من سفر التكوين.

  •  قصة أهل الكهف:
مستقاة من قصة "السبعة النائمين"  وهي أسطورة مسيحية شرقية كانت شائعة قبل الإسلام بقرون، ووردت في التراث السرياني والبيزنطي.

  •  المائدة من السماء:
فكرة "نزول المائدة" لبني إسرائيل في صحراء سيناء هي من التوراة، وتكررت في سورة "المائدة" بصورة مشابهة للطلب المسيحي من المسيح إنزال مائدة.

  •  البقرة:
فكرة القربان المذبوح والغموض في نوع البقرة مأخوذ من قصة القربان في سفر العدد وسفر التثنية.

  •  موسى وفرعون:
تكرار لأحداث سفر الخروج، لكن مع تغيير الترتيب أحيانًا، وتحوير بعض التفاصيل، كشق البحر وتحول العصا.: من الأساطير ونِحل الكتب القديمة (الزرادشتية والمندائية وغيرها)


  • الصراط المستقيم والميزان والحساب بعد الموت
 من الأساسيات الزرادشتية، حيث يمرّ الميت على جسر "صراط" دقيق، ويُوزن عمله، ويذهب إمّا إلى "الجنة" أو "الجحيم".


  • الجنّ
 مأخوذ من المعتقدات السامية القديمة، ومن الديانة المندائية، حيث كانت الكائنات الروحية (كالجنّ) تمثّل قوى الشر.


  • اللوح المحفوظ والقلم
 مفاهيم ميتافيزيقية متأثرة بكتب الحكمة الهلنستية، وخاصة التراث الغنوصي الذي كان يربط بين الكتابة والقدر.


  • القرآن : تطور سلطة النص 

المرحلةالهدف المركزيالأدوات البلاغيةالتأثير النفسي



مرحلة مكة (التأسيس البلاغي)


ترسيخ فكرة الوحي ونفي المشككين


السجع، الطباق، التشابه مع الحكم الجاهلية، الصور الشعرية الحسية، الحروف المقطعة، الغموض


الدهشة، الرهبة، الفضول، زلزلة اليقين القبلي



مرحلة الهجرة (التثبيت السياسي)


بناء جماعة المؤمنين وربطهم بالقيادة النبوية


تكرار الأوامر بـ "أطيعوا الله والرسول"، التشريعات الأخلاقية والاجتماعية، تصعيد خطاب الجنة والنار


الطاعة العمياء، تكوين هوية جمعية بديلة، دمج السلطة الروحية بالسياسية


مرحلة المدينة (تأليه النص والسلطة)

شرعنة السلطة المطلقة للنبي والنص


بناء منظومة التشريع الكامل، تحويل الخلاف السياسي إلى خروج عن الدين، تهديد المعارضين بالعذاب الإلهي



الخضوع الكلي، نزع الشرعية عن المعارضة، تقديس النص ككيان فوق التاريخ



كيف فعل ذلك ؟

لم يكن محمد بحاجة إلى الكتب، بل إلى ذاكرةٍ يقظة وأذُنٍ حساسة.
في رحلاته و تجارته، وفي مجاورة الرهبان، وفي مراقبة الأسواق…
استمع، وامتصّ، ثم أعاد الصياغة.
وكان لديه أداة سحرية: اللغة.
فألبس الحكايات القديمة رداءً شعريًا مهيبًا،
وأضاف صوت "قال الله" على كل اقتباس،
فصار "المنقول" وحيًا،
وصار الراوي نبيًا،
وصار التساؤل كفرًا.



كيف أقنع أتباعه؟

بالرعب والخلاص. صاغ لهم عالمًا من نار وجنة، من فوز وخسران، جعل حياتهم فجوة بين تهديد ووعد، وخاطبهم بلغتهم الغريزية: الجوع، الفقر، القتال، الجنس، والخلود. فمنحهم "الحور العين" مقابل القتال، و"النعيم المقيم" مقابل الطاعة، و"النجاة" مقابل الصمت.

إنه لم يخاطب عقولهم، بل خاطب أحلامهم البدائية. ومن لا يملك وعيًا يرى فيه نفسه عبثًا، سيستميت في تصديق من يَعِده بأن لوجوده غاية، وبأن اسمه مسطّر في سجل الغيب.

القرآن ليس معجزة، بل تشويه متقن للمعقول.

هو نصٌّ ذكي في إعادة قولبة المألوف، لا في صناعة الجديد. إنه تكرار مموّه، وإعادة تدوير للوعي البشري في لحظة خرافية من التاريخ. والمعجزة، يا صاح، ليست أن تؤلف كتابًا غريبًا، بل أن تقنع القطيع بأنه مُنزّل.

لماذا لم يعترض أحد من معاصريه على أصول تلك القصص؟

لأن القصص الدينية آنذاك لم تكن محفوظة في كتب بيد كل فرد، بل كانت مبعثرة في ألسنة الحُجاج، في تراتيل الأحبار، في تمائم النُساك. لم يكن ثمة قدرة على التوثيق، ولا آلية للتحقّق، ولا وعي نقدي. كان الناس بين جهلٍ مطلق، أو إيمانٍ عاطفي، أو مصالح متقاطعة، فمرّت الحكاية كما تمر الريح في خيمة مهترئة.

لماذا لم يُكشف أمره؟

لأن النجاح في الخداع لا يتطلب العبقرية، بل يتطلب ظروفًا ملائمة. ومحمد وجدها كلها: قومٌ ضالون، لا نظام يُجمعهم، ولا حاكمٌ يُرهبهم، ولا فكرٌ يُشككهم، فجاءهم بخطاب يوحّد الشتات، ويُلبّي حاجة البدو الأبديّة إلى نبيٍّ يُحوّل الخيمة إلى دولة، والسيف إلى دعوة، والخرافة إلى هوية.

محمد لم يخدع أحدًا، بل وجدهم خُدعاء بطبيعتهم. كانوا يبحثون عن إله، فصار هو رسولًا. كانوا يبحثون عن معنى، فصار هو لسان المعنى. كانوا يبحثون عن خلاص، فصار هو طريق الخلاص.

القرآن ليس كتاب إله، بل كتاب حاجة. حاجة الإنسان إلى نظام، إلى يقين، إلى أوهامٍ مرتبة ببلاغة. ومن تلك الحاجة، وُلِد النص، ومِن الخوف نُسِجت القداسة.

ولماذا بقيت دعوة محمّد  ؟


"بقاء الوهم حين يصير عادة"

عن دوام النبوّة لا لأنها حق، بل لأنها صارت نظامًا يُديم نفسه بنفسه.


لم تبقَ دعوى محمد حيةً لأنّها أصدق، بل لأنها الأكثر قدرةً على التكيف…
تكيّفت مع الخوف، مع الطفولة، مع الجهل، مع الحاجة، ومع الموت.

إن دعوى النبوّة – كأي سردية كبرى – لا تموت حين ينكشف زيفها،
بل تعيش أكثر، كلما صار كشف الزيف خطيئة، والتشكيك رجسًا، والبحث كفرًا.


لقد تمكّنت الدعوة من البقاء، لأن الناس ما زالوا أطفالًا في أعماقهم…
يخافون العتمة، ويرتجفون عند التفكير في المصير.
يريدون يدًا تمسكهم حين يسقطون، وأذنًا تسمعهم حين يهمسون،
وإله محمد كان تلك اليد، وتلك الأذن.

ثم جاء رجال الدين،
فحوّلوا اليد إلى قانون،
وحوّلوا الأذن إلى فتوى،
وحوّلوا النبي إلى "ماركة مُسجّلة" باسم الله،
كلّ من ينتقدها يُمحى.

وهكذا:
صار الله سلعة، والنبي إعلانًا، والقرآن كتالوجًا.

كل لحظة ضعفٍ بشري كانت فرصةً لصمود الرسالة:

  • موت الأحبّة؟ الجنة في انتظارهم.

  • الفقر؟ الزكاة تبارك الرزق.

  • القمع؟ الصبر على البلاء عبادة.

  • القتل؟ الجهاد سبيل إلى الله.

  • الشهوة؟ الحور العين في انتظاره.

كلّ بابٍ مغلق في وجه الإنسان، يفتحه الدين… ولكن بالخيال.

ولهذا:
لم تنتصر دعوى النبوّة بالحجّة، بل بالحاجة.
لم تصمد لأنها أقنعت، بل لأنها راوغت.


ثمّ صعدت الحضارات، وكشفت الفيزياء بنية الوجود، وتكلّم الفلاسفة عن العبث والمعنى، واخترق العلم كلّ ما كان يُعدّ حُرُمًا،
ومع ذلك…
لم يسقط الدين، لأنه لم يعد مجرد فكرة، بل:

نظام اجتماعي متكامل:

  • أبوة فكرية تُلغي المسؤوليّة.

  • عزاء نفسي يُغني عن التّحليل.

  • انتماء قبَلي يُغني عن الذّات.

  • طاعة جماعيّة تُغني عن الوعي.


أي إن الدين – بما هو دعوة نبوية – صار بطّانيةً وجوديّة، تُغطّي بها الشعوب جهلها، وتنام على طمأنينة الوهم.


وهنا تكمن مأساتنا:

لسنا بحاجة لنبيّ، بل لحقيقة.
لكن الحقيقة لا تُشبع الجائع،
ولا تُرضي الحزين،
ولا تُجيب الميت،
بينما النبوّة تفعل كلّ ذلك… بالكذب.

فأيّهما سيختار الإنسان؟
الصراحة التي تتركه وحيدًا في العراء،
أم الوهم الذي يُشعره بالدفء؟

وهنا…
يموت العقل، ويولد الإيمان.