face like

يتم التشغيل بواسطة Blogger.

الجمعة، 30 مايو 2025

المزاج الفاعل وآلية صُنع الوجود ! (٢) .

0 تعليق




المزاج الفاعل: تأملات في نواة الكينونة ونشأة الوجود


ليس الوجود كما نعرفه إلا قشرة رقيقة تغلف فراغًا سحيقًا، تتماسك مؤقتًا بفعل توترات خفية لا نراها، ولا نملك لها قياسًا. وإن نحن جردنا الأشياء من أسماءها، والظواهر من معانيها، والظن من يقيناته، بقي لنا شيء واحد فقط : أثر المزاج الفاعل

لا أعني به الانفعال الطارئ كما عند النفس، بل أقصد به جوهرًا أسبق من المادة، وأعمق من الطاقة، وأسبق في تجليه من الزمان.

المزاج الفاعل ليس حالة، بل كينونة. إنه لا يُولد، لأنه ليس شيئًا. إنه لا يُقاس، لأنه لا يخضع لمعيار. لا يتجزأ، لأنه لا يتكون. هو الأزل، لا من حيث هو زمن لا بداية له، بل من حيث هو وجود حرّ لم 
يدخل بعد في قيد التعيّن.

تعريف المزاج الفاعل

إن المزاج الفاعل هو الماهية المتقلبة التي تسبق كل تجسيد. إنه ليس شيئًا، لكنه أصل كل شيء. لا يتخذ هيئة، لكنه يُنجب كل هيئة. لا يسلك مسارًا، لكنه يفرض على الكينونات مساراتها. وهو في جوهره ليس سببًا، لأن السببية تفترض التعاقب، والمزاج الفاعل لا يتحرك زمنيًا، بل يُفصح عن نفسه وجوديًا.

لنتخيل الكون لا كما هو، بل كما كان قبل أن يكون. لا زمن، لا مكان، لا طاقة، لا قوانين. فقط احتمالات عارية من الفعل، تنتظر أن "يحدث" شيء. ما الذي يمكنه أن يفتتح الفعل في غياب كل محفز؟ ما الذي يمكنه أن يُطلق الشرارة الأولى دون أن يُشعلها أحد؟ هنا يتجلى المزاج الفاعل: نزوة أزلية بلا دافع، لكنها ليست عبثًا، لأنها تحمل في طياتها منطقًا غير مكتوب، منطقًا ينبثق لا كقانون، بل كنتيجة.

نشأة الوجود من المزاج

لا يولد الوجود من العدم، لأن العدم لا يمكنه أن يُنجب. لكن الوجود لا يولد أيضًا من وجود سابق له على شاكلته، لأن كل وجود مُتشكل يفترض سابقًا عليه غير متشكل. وهنا تكمن الحاجة إلى مفهوم ثالث: المزاج الفاعل.

الوجود، في صورته الأولى، ليس إلا توازنًا طارئًا بين توترات متقابلة. فالذرة، والموجة، والجسيم، والطاقة، جميعها ليست "أشياء"، بل استجابات لتوتر أولي حرّ. هذا التوتر هو المزاج. لكنه ليس توترًا ميكانيكيًا، بل "انفعال كينوني"، يصدر من ذاته، ويُعيد تشكيل ذاته في الآخر. والآخر هنا ليس إلا وجهًا آخر من أوجه المزاج ذاته.

من هذا الفيض، وُلدت الطاقة. ومن الطاقة، تولدت الاحتمالات. ومن بين هذه الاحتمالات، رسا البعض على استقرار. وهذا الاستقرار، عندما يتكرر، يُصبح منطقًا. وهكذا، فإن المنطق ليس سوى تكرار المزاج في صورة متماسكة.
الفرد، والمزاج، والكلّ

ما الإلكترون إلا ذرة من المزاج، تحرّكت في حقل غير مرئي، فأثارت حولها تموجات من السلوك. وما الإنسان إلا تعقيد متراكم لمزاجات متشابكة، بلغت من التركيب ما سمح لها أن تقول "أنا". لكن هذه الـ"أنا" ليست مستقلة، بل هي زفرة عميقة من زفرات المزاج الأول، تظن أنها تملك مصيرها، لكنها ليست إلا حلقة من حلقاته.

هكذا، يتحوّل الفرد إلى مفعول به في مشهد لم يكتبه، لكنه يعيشه كأنما هو بطله. لا حرية هنا، إلا بالقدر الذي يسمح به المزاج. ولا جبر، لأن المزاج لا يفرض، بل يُغوي. وما يبدو لنا خيارًا، ليس إلا تجليًا لرغبة أعمق لا نملك 
أصلها.

الكون بوصفه مزاجًا لا بوصفه 
آلة

لقد خدعتنا الفيزياء الكلاسيكية حين شبّهت الكون بساعة. فالساعة تتكرر، والكون لا يتكرر. الساعة تُدار من خارجها، والكون لا خارج له. الكون أقرب إلى قصيدة تُلقى مرة واحدة، بغير وزن ولا قافية، لكنها تترك فينا أثرًا لا ننساه. هذا الأثر هو صدى المزاج، لا صدى القانون.

فلا قوانين تحكم الكون بالمعنى الحقيقي، بل استجابات متكررة لسياقات مزاجية متقاربة. وعندما تتغير المزاجات، تتغير "القوانين". وما نعدّه خارقًا للطبيعة، ليس إلا خروجًا مؤقتًا عن النمط المزاجي السائد، لا خروجًا عن طبيعة ثابتة.

 البحث عن المزاج

نحن لا نبحث عن الحقيقة، بل عن الاستقرار. أما الحقيقة فهي أكثر المراوغات فتنةً، لأنها لا تتشكل إلا بعد أن يكون المزاج قد رحل. كل ما نراه هو ظلال لشيء لا يُرى، وكل ما نفهمه هو صدى لشيء لا يُفهم. لكن وسط هذا الظلام، يظل المزاج الفاعل هو الحضور الوحيد الذي لا يمكننا إنكاره، لا لأنه واضح، بل لأنه الوحيد الذي يفسّر كل ما سواه.

فلا تسأل: "ما الحقيقة؟"، بل اسأل: "ما المزاج الذي أنجبها؟"




فلسفة وكمّ: المزاج الفاعل ومنطق الوجود

لا شيء أكثر غرابةً من العالم الكمومي… ذلك العالم الذي لا يعرف منطقًا بالمعنى الذي نألفه. في هذا المستوى تحت الذري، يتصرف الإلكترون وكأنه "مزاج"، لا جسيم. المزاج لا يُتوقع، لا يُقاس بدقة، لا يخضع لقوانين محكمة… لكنه – وبعكس ما نظن – لا يسير بعشوائية، بل يخلق نظامًا أعمق من المنطق. هنا يبدأ الحديث عن "السلوك المزاجي" كمفهوم مغاير لما نعتاد عليه من تصورات عن القوانين الفيزيائية.

المستوى الكمومي ليس مجرد مساحة علمية، بل هو مجال فلسفي عميق يكشف لنا عن فرقٍ جوهري بين "الوجود" و"الكون"، بين ما هو مركّب يحمل صفات الزمن والمكان، وما هو أوليٌّ يحمل صفة الأزلية. الذرة هي أصغر وحدة وجودية، أما مكوناتها من إلكترونات وكواركات فهي وحدات كونية… أصول، لا مركّبات. فكيف لعقلٍ أن يطلب من الإلكترون أن يكون منطقيًّا؟! المنطق هو نتيجة، لا أصل. المنطق هو توازن يَنتُج عن اتحاد غير المتشابه. أما الإلكترون، فهو الأصل الذي يُنتج هذا التوازن… لا يخضع له.

هذا التفريق بين "الكوني" و"الوجودي" ليس مجرد تأمل بل مفتاح لفهم الوجود نفسه. الوجود مركّب… حدث. أما الكون، فهو البنية الحاضنة، الكينونة، الحريّة المطلقة، المزاج الفاعل. كل ما نرصده، كل ما ندعوه "طبيعة"، خاضع لقوانين، لكن هذه القوانين نفسها وُلِدَت من وحدة كونية أزلية – لا تُقاس، لا تُتجزأ، لا تخضع لمنطق محدود.

المزاج الفاعل ليس سلوكًا، بل هو أصل السلوك. هو القدرة الخالقة التي تُنتج المنطق من لا منطق. هو سبب ظهور الذرة، المادة، الحياة. وفي هذا المزاج الأصيل، تُولد الحرية… حرية الإلكترون أن يتواجد في مكانين في آنٍ، وحرية الإنسان أن يحمل التناقض داخله دون انفجار. الإنسان، تمامًا كالإلكترون، ليس وحدة منطقية. بل هو كيان يحمل في داخله طيفًا من الرفض والقبول، من الكذب والصدق، من الفعل والانفعال. الفرد لا يخضع

لقوانين الجماعة، تمامًا كما لا يخضع الإلكترون لقوانين الذرة.

الذرة خاضعة لمنطق، لكنها مكوّنة من لا منطقيات. المجتمع يخضع لقيم، لكن كل فرد داخله يحمل مزاجًا مستقلًا. لا استقرار في الكون إلا بنشوء توازن بين أمزجة، ولا وُجود إلا بتحقّق المنطق كنتيجة لهذا التوازن، لا كشرطٍ سابق عليه. المنطق، إذن، ليس قاعدة كونية بل طارئ وجودي.

لعلّ أخطر ما فعله الإنسان المعاصر أنه قرر أن يقيس كل شيء بمنطقه. أن يختزل الكون في معادلات، والحقيقة في مناهج. لكن هذا التصور يعجز أمام كموميّاتٍ تتصرف بلا مراعاة لهذا المنطق، وكأنها تسخر من محاولاتنا لتأطيرها. الإلكترون لا يمكن عزله في فراغٍ مثاليٍّ لنقيسه. الفراغ نفسه ليس حقيقيًّا. الوسط الذي يملأ الكون – الذي قد يعمل كمِرآة، أو كناقل – يجعل من سلوك الإلكترون والفوتون طيفًا من الانعكاسات، وليس من الحركات.

حين نعيد تعريف المنطق كنتاج لا كأصل، نعيد فهم الكون. المنطق = مزاج محدود. المزاج = منطق لا محدود. من هنا، تتولد الفلسفة الجديدة للوجود

: الوجودية ليست إلا تجميعًا قسريًّا لأمزجة مختلفة في حالة توازن مؤقت. ومع الوقت، تنهار هذه التوازنات، وتعود الوحدات الكونية إلى حالتها الأصيلة – حالة المزاج، حالة الكينونة.

لا حاجة إلى فرض بداية للكون من نوع "الانفجار العظيم" أو أصل غيبي غير قابل للفهم. كل هذه الافتراضات هي محاولات لإدخال المنطق في لحظة ما قبل المنطق. وما قبل المنطق، لا يُقاس بالمنطق. المزاج الفاعل، كينونة حرة، أزلية، تملأ الكون. بعضها يتجمع (مادة)، وبعضها يبقى على حالته الأصيلة (طاقة). الوجود، من هذا المنظور، ليس أكثر من "جهد" لتوحيد الأمزجة… جهد يستهلك الطاقة، ثم يعود بالتفكك إلى الكينونة.



وهكذا، فإن الطاقة ليست شيئًا واحدًا، بل كل شيء: الصوت طاقة، الضوء طاقة، الفكر طاقة، الفوتون طاقة… والمادة، في النهاية، هي طاقة متماسكة. لكن هذا التماسك ليس إلا هدنة بين مزاجات… هدنة نسمّيها "منطقًا"، وهي ليست سوى نتيجة لحالة استقرار موقّت بين أصول أزلية حرّة.



المنطق والمستوى الكمومي – تفكيك السلوك اللامنطقي

في أعماق المادة، على المستوى الذي تتوارى فيه الذرة خلف مكوناتها الأولية، يكشف الكون عن وجه مختلف تمامًا عما ألفناه من انتظام وسببية. هناك، حيث تتحرك الإلكترونات والكواركات والفوتونات، لا تسود القوانين التي نعرفها، بل تتبدى أنماط سلوك أشبه بالمزاج منها بالحساب. فكيف يمكن أن يوجد عالم تحت الذري لا يخضع للمنطق الذي نحتكم إليه في تفسير الأشياء؟ وهل اللا منطقية التي نشهدها في فيزياء الكم هي اضطراب معرفي، أم خاصية بنيوية في نسيج الواقع ذاته؟
1. المستوى الكمومي ليس جسيمًا بل كمّيّة:

ما يُطلق عليه "المستوى الكمومي" لا يمثل كيانًا صغيرًا فحسب، بل هو بنية من الأحداث الاحتمالية التي تتحدى التصنيف الكلاسيكي. فالإلكترون لا يُرصد كجسيم له موقع وسرعة محددان، بل كاحتمال، كـ"كمّية" من الوجود الممكن تنتشر وتتداخل وتتصرف كأنها مزاج.

عندما نتحدث عن الذرة، يمكن حساب سلوكها ككل: خصائصها، استقرارها، طريقة تفاعلها. لكن حين ننظر داخلها، إلى مكوناتها المفردة، ينهار هذا النظام. لا يمكن التنبؤ بموقع الإلكترون مثلاً، ولا حتى القول إن له موقعًا واحدًا في لحظة واحدة. هنا يبدأ الانفصال عن المنطق، ويبدأ الحضور الكثيف لما يمكن أن نسميه: السلوك المزاجي.
2. مفارقة المنطق والمركّب:

الفيزياء الكلاسيكية تفترض أن ما ينطبق على الكل يجب أن ينطبق على الجزء. لكن الواقع الكمومي ينسف هذه الفرضية. سلوك الذرة يخضع للمنطق لأنه سلوك مركب، أي ناتج عن تفاعل مكونات مختلفة، وكلما كان هناك تركيب، نشأ منطق لتنظيم العلاقة بين العناصر.

أما المكونات المنفردة (الإلكترون، الفوتون، إلخ)، فهي غير مركبة، وبالتالي لا تخضع لمنطق الكل، بل تتصرف بحرية مطلقة. هذه الحرية ليست فوضى، بل نمط من أنماط اللا حتمية المنتجة. اللا منطق في هذا السياق ليس نقصًا في الفهم، بل شرط فيزيائي لحدوث التكوين.
3. المزاج الفاعل كشرط لتكوّن المنطق:

المنطق لا يحكم الكينونة البدئية، بل هو ناتج عن توازن القوى واختلاف الخصائص. وجود الذرة يستلزم مسبقًا وجود مكونات مزاجية، سلوكها غير منتظم، وغير خاضع لقانون سابق. لو كانت هذه المكونات منطقية، متكررة، متطابقة في سلوكها، لما نشأت الذرة، ولا نشأت مادة.

إن كل انتظام لاحق في الكون – كل بنية وكل منظومة – هو نتيجة لحالة أولى غير منتظمة، حرة، مزاجية. بهذا الفهم، المنطق ليس أصلًا في الكون، بل نتيجة لعملية تركيب بين وحدات لا منطقية. وهو ما يجعلنا نعيد النظر في فكرة أن الكون "محكوم بقوانين"، ونطرح بدلًا منها أن الكون صانع للقوانين من خلال أمزجته الحرة.
4. نحو تصور جديد للمعرفة الكمومية:

إن فشل المنطق في توصيف سلوك الإلكترون لا يعني قصور العلم، بل يعني أن أدوات العلم الكلاسيكية بحاجة إلى إعادة تشكيل. ما كان يُعد في الماضي اضطرابًا، أو صدفة، أو شذوذًا في المعطيات، يتضح اليوم على أنه بنية من التعدد، تعكس نظامًا أعمق لا يقوم على التنبؤ، بل على الاحتمال الفاعل.



إن التنبؤ يصبح ممكنًا فقط حين تتخلى المكونات عن حريتها، وتدخل في علاقات مركبة، وهنا يظهر المنطق. أما ما دون ذلك، في المستوى الذي لا تزال فيه الأشياء غير مرتبطة، فإنها تتصرف بحرية، والمزاج هو التعبير الفلسفي الأكثر دقة عن هذه الحالة.



المزاج الفاعل – أصل السلوك الفيزيائي

حين ننظر إلى الجسيمات تحت الذرية بوصفها اللبنات الأولى للكون، فإن أول ما يلفت الانتباه ليس بنيتها، بل سلوكها. فهي لا تنقاد لقانون واضح، ولا تكرّر نفسها ضمن نسق حتمي. إنها تمارس حضورها كأنها تعبر عن "مزاج". لكن هذا المزاج ليس عشوائيًا، بل "فاعلاً"؛ فهو لا يَخضع للقوانين، بل يَصنعها. من هنا تتولد فرضية مركزية في هذا الفصل: أن المزاج الفاعل هو البنية الكونية الأولى، وهو الذي يفسر النشوء الفيزيائي لا كحتمية، بل كإبداع.
1. المزاج الفاعل كوحدة كونية لا وجودية:


في الفيزياء الكلاسيكية، يُفترض أن الجسيمات الأولية هي وحدات مادية ذات صفات محددة. لكن نظرة أعمق تكشف أن هذه الجسيمات (كالإلكترون، الفوتون، الكوارك) ليست أشياء "موجودة" بالمعنى المركّب للكلمة، بل هي وحدات كونية، لا تدخل في تركيب داخلي. إنها ليست "مركبات"، بل "أصول"، أي ليست وجودات تحققت من اندماج عناصر، بل كيانات أزلية حرة، تتصرف بذاتها.

بهذا المعنى، يمكن القول: إن الإلكترون ليس موجودًا، بل كائن؛ ليس مركبًا، بل وحدة. وهذه الوحدة ليست سلبية أو خاملة، بل نشطة، مبدعة، حرة، أي ذات "مزاج فاعل". وكل وحدة من هذه الوحدات الكونية هي "قصد" فيزيائي سابق على أي انتظام.
2. قوانين الطبيعة بوصفها نتاج المزاج:


ما يُعرف بـ"قوانين الطبيعة" ليس قالبًا مفروضًا من الخارج، بل هو ناتج داخلي عن تفاعل المزاجات الفاعلة. حين تتحد وحدتان أو أكثر من هذه المزاجات في تركيب ما (ذرة، جزيء، خلية)، تُخلق قوانين لضبط هذا الاتحاد. المنطق، في هذا السياق، ليس سائدًا على الوجود، بل تابع له.وذلك يعني أن:المزاج الفاعل لا يخضع للمنطق، بل يُنتج المنطق عند لحظة التركيب.


3. من الكينونة إلى الوجود:


الميزة الأساسية للمزاج الفاعل أنه لا "يوجد"، بل "يكون". هو كينونة لا وجود، وبهذا يكون هو الأساس الذي يُنتج الوجود. الوجود هو مرحلة انتقالية بين وحدات كونية حرة (كائنات) تتحد لفترة ضمن نظام، ثم تنفصل. هذا ما يجعل كل وجود، بالضرورة، حالة مؤقتة من التوازن.



هذا التصور يُنتج فهمًا عميقًا للمادة:


  • المادة ليست أصيلة، بل حادثة.

  • الذرة ليست أصلًا، بل تركيب.

  • الجسيم الأولي ليس مادة، بل طاقة ذات نزعة، أي مزاج.


4. المزاج الفاعل كشرط دينامي:


أي فعل في الطبيعة، أي تغير أو نشوء أو انهيار، لا يحصل إلا بوجود حرية داخلية في البنية. هذه الحرية لا تتوفر إلا في المزاجات الكونية التي لم تدخل بعد في تركيب. حين تتجمع، تنشأ البنية (وجود)، وحين تتفكك، ينحل الوجود وتتحرر الكينونات.

الدينامية – أي قابلية الأشياء للتغير – لا تحصل من قوانين، بل من توترات مزاجية. وكلما كانت البنية مركبة أكثر، ازداد منطقها، لكن نقصت حريتها. في حين أن المزاج الفاعل، بوصفه غير مركب، يحتفظ بحرية مطلقة، ولهذا فهو أصل الدينامية كلها.


المنطق كأثر لا كأصل – من المزاج إلى النظام
عند محاولة فهم المنطق الكوني، غالبًا ما نغفل عن أمر بالغ الأهمية: المنطق ليس هو البداية، بل هو نتيجة لوجود كينونات متعددة تتفاعل مع بعضها البعض. 

"المنطق ليس هو الحاكم الأول للأشياء، بل هو نتيجة لتفاعل المزاجات الفاعلة."
 لنفهم كيف تنشأ القوانين، وكيف يتجسد النظام في فوضى من التفاعلات، يجب أن نفكر في المنطق كأثر، لا كأصل.
1. المنطق: نتيجة لا بداية:

عند النظر إلى سلوك الجسيمات في المستوى الكمومي، نتعرض لتجربة تعاكس تصورنا التقليدي عن المنطق. الجسيمات مثل الإلكترونات والفوتونات لا تتبع سلوكًا منطقيًا واضحًا في حد ذاتها، بل تخرج عن الأنماط التي يُفترض أن يتبعها أي كائن منطقي في عالمنا العادي.

في هذا السياق، المنطق ليس سمةً متأصلة في الأشياء نفسها. على العكس، المنطق ينشأ حينما تتفاعل كينونات لا منطقية (أي المزاجات الفاعلة)، وعند اجتماعها تصبح هناك ضرورة لوجود قوانين تجعلها مترابطة، تحفظ النظام في لحظة التكوين. وبهذا، يمكن القول إن المنطق هو أثر لتحول فوضوي وتنوع في القوى داخل الكون، وليس مُحددًا مسبقًا.
2. الانتقال من الفوضى إلى النظام:

المنطق يظهر عند نقطة التفاعل بين قوى مختلفة؛ أي بين المزاجات الفاعلة. وعلى الرغم من أن هذه القوى تتصرف بحرية تامة، فإن الاندماج بينها ينتج نظمًا. لنأخذ مثالًا بسيطًا: في ذرة ما، تلتقي الإلكترونات، النيوترونات، والبروتونات بطرق قد تبدو غير منطقية عند النظر إليها بشكل فردي، لكن تكاملها يؤدي إلى نشوء استقرار نسبي داخل الذرة، مما يضمن وجودها.

المنطق، في هذا السياق، هو توازن بين الأمزجة المختلفة التي تساهم في تشكيل بنية معينة، وليس أمرًا مفروضًا خارجيًا على هذه البنية.
3. السلوك المنطقي كسمة وجودية:

الوجودية هنا تشير إلى الكائنات التي حققت وجودها من خلال التفاعل بين مزاجات فاعلة مختلفة، وهو ما يخلق ما نعرفه بالمنطق. المنطق، إذًا، ليس "موجودًا" في الطبيعة كقانون ثابت، بل يظهر عندما يحدث اتحاد بين كينونات ذات مزاجات فاعلة. عند اتحاد هذه القوى، تظهر ضرورة النظام، وتنشأ القيود المنطقية، لكن هذا النظام ليس جزءًا أصليًا من الطبيعة، بل هو نتاج تفاعل دينامي.
4. كيف ينشأ المنطق في المجتمعات البشرية:

هذه الفكرة يمكن تطبيقها على الأنظمة الاجتماعية والإنسانية. المجتمع، مثل الذرة، ليس كيانًا يتبع قوانين منطقية على المستوى الفردي، بل يتشكل المجتمع من تفاعلات الأفراد الذين يحمل كل منهم خصائص ومزاجات فاعلة مختلفة. حين يتداخل هؤلاء الأفراد، ينشأ نوع من النظام الاجتماعي الذي يضمن بقاء الجماعة. لكن كما في الكون، المنطق الذي يحكم المجتمع هو نتيجة لتفاعل الأفراد وليس أساسًا مفروضًا.

كما نرى، الفوضى الإنسانية هي شرط أساسي لبناء منطق اجتماعي. المنطق الاجتماعي لا يمكن فرضه إلا بعد أن يظهر التنوع البشري، ويبدأ الأفراد في التأثير على بعضهم البعض. في هذه الحالة، المنطق هو حصيلة تفاعل الأفراد، ليس أمرًا ثابتًا أو دائمًا.
5. المنطق في الكون: الحرية والقيود:

المنطق، بصفته أداة تنظيمية، لا يعني غياب الحرية. بل، على العكس، إن الحرية هي الشرط المبدئي الذي يسمح بتوليد المنطق. دون تنوع حر، لا يمكن للمنطق أن يظهر. وكلما زاد التنوع في العناصر التي تشكل النظام، كلما أصبحت القيود المنطقية أكثر تعقيدًا وأكثر تماسكًا.



في النهاية، المنطق ليس غاية في ذاته، بل هو وسيلة لحفظ التوازن بين القوى المختلفة التي تتحكم في النظام الكوني. وهو لذلك ليس غريزة أولية، بل نتيجة لعملية ديناميكية ومعقدة تتداخل فيها قوى متعددة لا يمكن اختصارها في قالب منطقي واحد.



الوجود والكون: الزمان والمكان في إطار المزاج الفاعل


تناولنا سابقاً مفاهيم المنطق والمزاج الفاعل، وسعينا لفهم كيف تظهر الأنظمة المعقدة من تفاعل قوى غير منطقية. 

و سنتناول الآن الزمان والمكان، باعتبارهما بعدين أساسيين في تكوين الكينونات الكونية. لن نعتبر الزمان والمكان مجرد إطار ثابت، بل سنتعامل معهما كقوى فاعلة تُساهم في تشكيل المزاج الفاعل الذي يحدد تفاعلات الكون.
1. الزمان والمكان كقوى فاعلة:

منذ بداية الفلسفة الحديثة، كان الزمان والمكان يُنظر إليهما على أنهما محددات ثابتة للوجود. ومع تقدم الفكر العلمي، ظهرت النسبية التي أدت إلى فك ارتباط الزمان والمكان بالثوابت البسيطة. اليوم، نحن نفهم أن الزمان والمكان ليسا مجرد خلفية للوجود، بل هما قوى فاعلة في تكوين الواقع. الزمان لا يقتصر على كونه بعدًا أفقيًا، والمكان لا يُعتبر مجرد ساحة تحتوي على الكائنات.

إن الزمان والمكان، في الإطار الجديد، يجب أن يُفهما كعنصرين متغيرين يتفاعلان بشكل مستمر مع المادة والطاقة. تفاعلات هذه القوى تحدد شكل الكون ومسار وجوده. هذه النقطة تُظهر أن الزمان والمكان ليسا مجرد بيئة سلبية، بل يشتركان في بناء الواقع من خلال تأثيراتهم المتبادلة مع الكائنات.
2. الزمان والمكان في الفضاء الكمي:

لنأخذ مثالًا من الفيزياء الكمومية: هناك فكرة شهيرة في ميكانيكا الكم تقول بأن جسيمات دون الذرية، مثل الإلكترونات والفوتونات، لا توجد في نقاط معينة من الزمان والمكان بشكل محدد، بل إنها توجد في مجموعة من الاحتمالات التي تحدد موقعها وحالتها بناءً على التفاعل مع محيطها. هذا الفهم يغير الطريقة التي نرى بها الزمان والمكان، حيث لا يُنظر إليهما باعتبارهما محددات ثابتة، بل باعتبارهما مُتغيرين فاعلين في عملية التكوين الكوني.

هذا المفهوم يفتح الباب لفهم جديد: الزمان والمكان يمكن أن يُعتبران خاضعين للمزاج الفاعل، أي تفاعلات القوى التي تحدث داخل الكون، والتي قد تخلق آليات جديدة لتحديد العلاقات بين الأشياء.
3. الكون: تفاعل المزاجات الفاعلة عبر الزمن والمكان:

إذا كان الكون مُكونًا من كينونات متعددة، تتفاعل مع بعضها البعض في بيئات مختلفة، فإن الزمان والمكان يمثلان الإطار الذي يحدث فيه هذا التفاعل. وعليه، فإن العلاقة بين الزمان والمكان تُصبح ديناميكية تعتمد على تفاعلات قوى متعددة، بحيث يمكن أن تؤثر هذه التفاعلات على شكل الزمان والمكان أنفسهم.

نحن إذا نتحدث عن كون يتحرك في الزمان والمكان، ولكن في نفس الوقت يؤثر الزمان والمكان على شكل هذا الكون. يمكننا أن نقول إن الزمان والمكان في هذا السياق لا يعكسان فقط ما يحدث في الكون، بل يشتركان في خلق هذه الأحداث.
4. الوجود الكوني كحالة ديناميكية:

الوجود الكوني في إطار المزاج الفاعل ليس حالة ثابتة أو جامدة. هو حالة ديناميكية تخضع لتفاعلات متغيرة. الزمان والمكان ليسا مجرد ساحة يحدث فيها شيء، بل هما مكونان فاعلان يُساهمان في خلق الواقع. هذه الفكرة تتحدى التصورات التقليدية عن الزمان والمكان كعناصر ثابتة ومحددة، وتؤكد على ضرورة فهمهما كعنصرين يتفاعلان مع المادة والطاقة ليخلقا نظامًا متكاملًا.
5. الزمان والمكان كأبعاد وجودية:

في هذا الإطار، يمكن أن نفهم الزمان والمكان ليس فقط كأبعاد مكانية وزمانية، بل كدوافع وجودية. إذا كان المزاج الفاعل هو ما يحدد سلوك الكينونات، فإن الزمان والمكان يمكن أن يكونا محركات لهذا السلوك. في هذا السياق، نجد أن الزمان والمكان ليسا خارجيين عن الوجود، بل هما جزء من بنية الوجود نفسه، يعملان على تشكيل العلاقة بين الأشياء، وتعريف اللحظة الحالية، وتحديد مسار الأحداث.
6. الواقع كنسيج متشابك من الزمان والمكان:



الفهم الجديد للزمان والمكان كقوى فاعلة يشير إلى نسيج كوني متشابك، حيث يلتقي الزمان والمكان مع المادة والطاقة في تفاعلات لا تنتهي. الكون ليس مجرد مكان وزمان ثابتين يشملان الأشياء، بل هو مجموعة من التفاعلات المستمرة التي تُنتج واقعًا جديدًا في كل لحظة. ومن خلال هذه التفاعلات، يُشكل الزمان والمكان النمط الذي يحدد مسار تطور الكون.




الزمن كوعي كوني: من لحظة إلى لحظة
نغوص في أعماق الزمن لا بوصفه مجرد بعد فيزيائي، بل باعتباره حالة وعي كوني تتشكل من خلال تفاعلات المزاج الفاعل. فنحن لا نعيش في الزمن، بل نعيشه ونخلقه في الوقت ذاته. لا يوجد “الآن” مستقل عن التفاعل؛ اللحظة ليست نقطة ميتة، بل كينونة نشطة تتشكل في صميم كل فعل، في كل اصطدام بين عناصر الواقع. الزمن هنا ليس مجرد خط مستقيم بل نسيج من الإدراك والوجود.


1. الزمن كإنتاج لا كإطار:

الزمن في هذا التصور ليس موجودًا مستقلًا سابقًا للأشياء، بل هو نتاج تفاعلاتها. كل اصطدام بين كينونتين، كل قرار، كل تغير في طاقة أو موقع أو مزاج، ينتج لحظة زمنية جديدة. وهذا يعني أن الزمن لا يُقاس فحسب، بل يُصنع. فالزمن هنا ليس وعاءً نُسكب فيه الأحداث، بل هو العملية التي تُنتج الحدث ذاته.

حين نضع وعاءً من الماء على النار، لا نرى الزمن كخلفية لما يحدث، بل كـنتيجة لما يحدث: الماء يغلي لأن جزيئاته تتفاعل وتتحول، وهذه التحولات هي الزمن في حد ذاته.


2. الوعي كامتداد زمني:

الزمن، في جانبه المعرفي، هو إدراك التغير. نحن لا نعي الزمن بذاته، بل نعي الفارق بين حالتين: قبل وبعد، بدء وانتهاء، سكون ثم حركة. وهذا يجعل الوعي مرتبطًا بالزمن بطريقة وجودية. الوعي ليس مجرد مُلاحظ للزمن، بل هو تجسيد له. كل وعي هو مساحة زمنية، يتخللها الإدراك والتغير والانفعال. من هنا يصبح الزمن ليس خارجيًا عن الكائن الواعي، بل هو بنية داخلية فيه.

وإذا تأملنا في كيفية تذكرنا للماضي أو توقعنا للمستقبل، نجد أننا لا نتعامل مع الزمن كمجرد قياس رياضي، بل كنسيج من الانفعالات، والمواقف، والانكسارات، والتحولات. الزمن ليس ساعة... بل قصة.


3. لحظة “الآن” كأعلى درجات التعقيد:

اللحظة التي نسميها "الآن" ليست بسيطة أو فورية كما نظن، بل هي قمة في التعقيد الفيزيائي والشعوري. إنها تتطلب ملايين التفاعلات الذرية والدماغية، ملايين القرارات والاحتمالات التي تنهار إلى واقع واحد نعيشه. هذه اللحظة لا تُمنح لنا؛ نحن ننتجها ونبنيها.

وبالتالي، "الآن" ليست نقطة على خط، بل هي بنية مركبة من الزمن والمكان والمزاج، تشبه دوامة تلتهم كل ما قبلها، وتُعيد تشكيله في لحظة عيشٍ فريدة. لذلك، لا عجب أن الإنسان لا يستطيع الإمساك بـ "الآن"؛ لأننا نظريًا نُنتجها بنفس سرعة زوالها.



4. الزمن والموت: الانقطاع والعدم

الموت، في هذا السياق، ليس توقف الزمن، بل هو فقدان القدرة على إنتاجه. فطالما الكائن يتفاعل، يشعر، يتغير، فهو يصنع الزمن. الموت إذًا هو نهاية المزاج الفاعل في كينونة معينة، وتوقف الحركة التي كانت تولّد "لحظتها". لا زمن بعد الموت لأن لا فاعلية بعده. وهنا يظهر كيف أن الزمن ليس شيئًا يُورث أو يُترك خلفنا، بل هو صنيعتنا المتواصلة، ومتى ما تهاوى المزاج الفاعل، تهاوى الزمن نفسه.


5. الزمن كصيرورة كونية لا إنسانية فقط:

الزمن ليس وعيًا فرديًا فقط، بل هو أيضًا صيرورة كونية. المجرات، الكواكب، النجوم، كلها تشهد زمنها الخاص، لا بالضرورة مشابهًا لزمننا البيولوجي. فكما أن "اللحظة" عند الإنسان هي تعبير عن تفاعلات عضوية ونفسية، فإن لحظة النجم تُقاس بتفاعلات نووية، ولحظة المجرة تُقاس بانزياحات مكانية ومجالات جاذبية شاسعة.

هنا يُصبح الزمن مقياسًا لمقدار التعقيد في المزاج الفاعل. كلما زادت التفاعلات، زادت كثافة اللحظة، وازدادت إمكانية استحضارها كـ"زمن".


6. إعادة تعريف الزمن علميًا:

الطرح العلمي التقليدي يفصل الزمن عن الوعي والفاعلية، ويتعامل معه كوحدة قياس فقط. لكن النموذج الجديد الذي نقدمه يعيد الزمن إلى مصدره التفاعلي: كل لحظة زمنية هي نتيجة حتمية لفعل كوني، كل زمن هو منتج وليس سابقًا للأشياء. هذا يعيد الزمن إلى المجال الفيزيائي التجريبي، حيث يمكن قياس التغير، لا الزمن نفسه. فالزمن لا يُرصد بذاته، بل يُستدل عليه عبر التحولات.


الزمن، من كونه أداة قياس، أصبح في هذا التصور كائنًا مركبًا من المزاج الفاعل، وعيًا كان أم مادة. اللحظة ليست شيئًا نعيشه بل نخلقه، والموت ليس غيابًا عن الزمن بل توقف إنتاجه. الزمن لم يعد مجرد بعد فيزيائي، بل أصبح تجليًا للوجود حين يتفاعل. وعليه، فإن الزمن هو اسم آخر لحقيقة عيشنا المستمر، وسردنا الداخلي للعالم.




الكون بوصفه آلة مزاجية: من الفوضى إلى التآلف
لم يعد الكون مجرد تجمّع عشوائي لجسيمات خاضعة لقوانين فيزيائية جامدة، بل بات بإمكاننا النظر إليه بوصفه آلة مزاجية كبرى، تتوالد داخلها الحركات، وتنشأ منها النوايا، ويتجسد فيها الوعي كأثر ثانوي لتعقيدات التفاعل. ليس الوعي حدثًا طارئًا، بل تجسيد لمزاج فاعل بدأ قبل الإنسان بقرون، وتراكم عبر الاصطفاء الطبيعي والصدمات الكونية ليصير ما نسميه اليوم بـ"الإدراك".


1. المزاج الفاعل كديناميكا كونية:

تتكون المادة من جسيمات، لكن هذه الجسيمات لا تُنتج إلا المعادلات. ما ينتج "الحياة" هو الحركة المُموسقة، التوتر بين القوى، التفاوت في الطاقة، الإيقاع. هذه ليست مجرد "حالات" فيزيائية، بل انفعالات كونية. الكوكب الذي يدور يخلق توازنًا، والنجم المنفجر يخلق إمكانية جديدة، وهكذا يكون المزاج الفاعل ديناميكا تتجلى في كل مستويات الوجود، من الإلكترون إلى المجرات.

المزاج الفاعل ليس مجرد شعور، بل هو التوتر الذي يصنع اللحظة، هو "النية الفيزيائية" إن صح التعبير.


2. من التنافر إلى النغم: ولادة النظام

عبر هذا المزاج الكوني، تنتقل الأشياء من الفوضى إلى التآلف. الفوضى ليست انعدامًا للنظام، بل حالة ما قبل ظهور النمط. وعندما تبلغ الفوضى حدًّا معينًا من التفاعل، تبدأ البُنى في التشكل: تظهر الذرّة، ثم الخلية، ثم الدماغ، ثم القصيدة. هذه ليست مجرد تطورات، بل هي إيقاعات تنشأ في آلة مزاجية شاسعة. كل نمط هو لحظة تآلف ظهرت في خضمّ التنافر.

النظام لا يُفرض على الواقع، بل ينتج من داخله، مثلما تنشأ الأغنية من تراكم الذبذبات، لا من خارطة مسبقة.


3. الكائن الحي كآلة مزاجية مصغّرة:

إذا كان الكون كله آلة مزاجية، فإن الكائن الحي هو نسخة مصغرة منها. الإنسان مثلاً لا يُفكر لأنه يريد، بل لأنّ تفاعلاته الداخلية بلغت مستوى من التوتر أنتج ما نسميه تفكيرًا. الجوع، الحب، الخوف، كلها ليست مشاعر بالمعنى التقليدي، بل أنماط من المزاج الفاعل الذي يُعيد تشكيل البنية الحية في كل لحظة.

الخلية الواعية، الدماغ، الحلم، كلّها حلقات في سلسلة واحدة: تحول الطاقة إلى مزاج، ثم إلى وعي، ثم إلى قرار.


4. من الحياة إلى المعنى:

المعنى لا ينبع من خارج المزاج، بل منه. كل معنى ننتجه هو أثر لاحق لحالة مزاجية. عندما نقول إن شيئًا ما "مهم"، فإنما نصف الانفعال الذي يحدثه فينا. وعندما نقول إن الكون بلا معنى، فإننا نصف فقداننا المزاجي للارتباط به. لذلك، فالمعنى ليس جوهرًا موضوعيًا، بل نتاج تفاعل المزاج مع الكينونة.

كلما تعقّد المزاج، تعقّد المعنى. كلما اشتدت الحساسية، زادت الحاجة للترميز، وظهرت الفنون والفلسفات والعلوم.


5. إعادة تعريف القانون الطبيعي:

في ضوء هذا النموذج، يصبح القانون الطبيعي ليس مجرد معادلة ثابتة، بل ميل مزاجي كوني نحو نمط معين. قانون الجاذبية هو أثر لاستعداد المزاج الكوني إلى الحفاظ على التآلف. قوانين الديناميكا الحرارية ليست مجرد حسابات، بل إملاءات من طبيعة التفاعل الكوني ذاته. كل قانون هو لغة المزاج الكوني حين يحاول أن يعبّر عن نفسه رياضيًّا.

القانون الطبيعي ليس مفروضًا من خارج، بل صادر من داخل الحقل المزاجي للكون، ولهذا يتغير، يتطور، وربما يموت.


الكون في هذا الفصل لم يعد مسرحًا لأحداث صماء، بل آلة مزاجية كبرى تنبعث منها الحياة والمعنى والنظام. إن المزاج الفاعل ليس خاصية للإنسان وحده، بل طبيعة جوهرية للوجود ذاته. وعليه، فإن فهمنا للواقع لن يكتمل إلا إذا أعدنا الاعتبار للمزاج، لا كحالة ذاتية، بل كقوة كونية، تُبدع اللحظة، وتُصوغ الوعي، وتدفع التاريخ.




في المصير والاختتام المزاجي للوجود

ليس للوجود خاتمة بالمعنى الزمني، لأن الزمن نفسه ليس إلا موجة من مزاج سابق. إن ما نراه نهاية، ليس إلا طيًّا لمزاج، وانبثاقًا لآخر. هكذا يتكرر العالم، لا في صورته، بل في حالته. إذ لا عود أبدي للهيئة، بل للميل. لا رجعة للتفاصيل، بل للنبض.

وإذا تأملنا في مصير الكون، كما ترسمه الفيزياء الحديثة: تمدد بارد، موت حراري، اختفاء للتمايز… نرى لا موتًا، بل استنفادًا لمزاج فاعل بلغ ذروته، ثم همد. فالكون حين ينطفئ، لا يزول، بل "يُطفئ رغبته في أن يكون". وهو بذلك يشبه الشاعر الذي يُلقي قصيدته الأخيرة، لا لأنه لم يعد قادرًا على الشعر، بل لأنه لم يعد راغبًا فيه.

وهكذا، فإن النهاية ليست تدميرًا، بل عزوف. والزوال ليس انهيارًا، بل تخلٍّ راقٍ عن الرغبة في التكرار.

الوعي البشري، في أعماقه، يدرك هذه الحقيقة. لذلك فهو لا يخاف الموت، بل يخاف من أن يكون موتُه بلا معنى. ومنشأ هذا الخوف، هو أن الكائن يتمنى أن يكون خروجه من الوجود، مثل دخوله إليه، نابعًا من مزاج فاعل، لا من حادث عارض. فكلّ ما يولد من مزاج، يكتسب معنىً. وكل ما يحدث خارج المزاج، يبقى ناقصًا، مُعلّقًا، مجهول السبب والغاية.

من هنا كان أعمق أشكال النجاة، لا في الخلود، بل في العودة إلى المصدر، إلى الحالة التي لا رغبة فيها، ولا انفعال. إنها السكينة العليا، حين يصبح الوجود غير محتاج لأن يكون، وحين يتساوى الحضور والغياب في القيمة.

وهكذا، فإن النهاية الحقّة ليست موتًا، بل بلوغ المزاج الفاعل إلى تمامه. أي الوصول إلى لحظة لا يُريد فيها أن يفعل شيئًا آخر. لحظة الارتواء الكوني.




الأحد، 25 مايو 2025

كوميديا الوجود: دليل العاقل في زمن الخرافة

0 تعليق

 


العاقل الحقيقي، في هذا الزمن، ليس ذلك الذي يلتزم الحياد بين الخرافة والعقل، بل ذاك الذي يضحك… يضحك وهو يرى العالم يركع أمام أصنام غير مرئية، وأفكار ميتة مُحنّطة، وكتبٍ أكلها العفن تُتلى بخشوع وكأنها قادمة من مجرّات المعرفة.

العاقل الحقيقي لا يبحث عن إله، ولا ينتظر مخلّصًا، ولا يحني رأسه أمام الميتافيزيقا. إنه يعلم، بيقين ساخر، أن ما نسميه "الحياة" ليس سوى حادثة طارئة في نفايات الكون، وأن "الكرامة" و"العدالة" ليستا سوى ديكور مؤقت فوق مسرح الافتراس الجماعي.

أهلاً بك، أيها العاقل، في مسرح الكوميديا السوداء:
الطفل يولد في زمن لا يطلب فيه أحد المجيء، يصرخ، فيهلّل الجميع، ثم يكبر ليعبد إلهًا لا يسمعه، ويخاف شيطانًا لا يراه، ويحارب بشرًا لا يعرفهم باسم فكرة لا يفهمها.
ثم يموت.
وتُقام له جنازة فاخرة، كما لو أن أحدًا يهتم.


في هذا الزمن — زمن الخرافة المتعولمة — لم يعد الإيمان مجرّد يقين، بل تحوّل إلى استعراض، إلى مهرجان جماعي يُرفع فيه شعار الجهل المقدّس، وتُخيط فيه النصوص على قياس الزيف العام، وتُستبدل الأسئلة بالعقائد، والقلق باليقين، والدهشة بالركوع.

لا أحد يسأل لماذا يولد الطفل في الحضيض ويموت في المجاري، بينما يولد آخر في القصور ويموت على سرير أبيض بين دموع الفلاسفة. لا أحد يسأل لماذا لا نسمع أيّ صوت للإله عندما يُغتصب طفل في أحد الأزقة، أو تُقصف أمّ وهي تحتضن طفلتها.
وحين تسأل:
يقال لك: "لحكمة لا نعلمها."

يا لهذا الجواب القذر!
أي حكمة تلك التي تتغذى على الصمت والدم والارتباك؟
أي عقل يقبل أن يكون الله مديرًا لمسرح التعذيب، ثم يُبرّر له بأنه يفعل "ما يشاء"؟
وهل من المعقول أن نعبده لأنه أقوى؟ وهل نغفر له لأنه قادر على حرقنا؟
وهل يسقط المنطق أمام الجبروت؟
إذن لا فرق بينه وبين طاغية محليّ… سوى في الحجم.


يا عاقل، إننا في مسرح العبث، ولا شيء في هذا المسرح يُؤخذ بجدية سوى الضحك.
ضحك على من ينتظر من النجوم ردًّا، أو من يفتش عن معنى في الأمعاء الدقيقة، أو من يقرأ "الإعجاز العلمي" في سورة الليل وكأنّ نيتشه نائمٌ في بيت خالته.

نعم، قد نكون ذرّات تائهة، لكننا لا نحتاج إلى كذبة تبرّر ذلك. لا نحتاج إلى نبيّ يعدنا بالجنة، ولا إلى فيلسوف يبيعنا أملًا مخفوقًا بالخداع الوجودي.
يكفينا أن نعي… أن نعي أنّنا نعي.
يكفينا أن نضحك، كما يضحك المجنون حين يدرك أن المستشفى ليس أكثر من نسخة نظيفة من العالم الخارجي.


ما العمل إذًا؟
هل ننتحر؟
ربما.
لكن الانتحار لا يحلّ معضلة الوعي، بل ينهيها فحسب.
ربما يكون الحلّ في مقاومة الخرافة، لا من أجل الحقيقة، بل من أجل الكرامة. أن تموت وأنت واقف، خير من أن تعيش راكعًا لنصوص لم تُكتب لك، وخرافات لا تسمن سوى القطيع.

دعنا لا نكن "حكماء" كما يحبّ العقلاء الكذبة. دعنا نكون صادقين:
هذا الوجود مهزلة، وكل من يقدّسه شريك في الجريمة.
من يبحث عن معنى، فليبحث في لحظة خروج الفضلات، حين تتساوى 
الميتافيزيقا بالروث.

لـمن يسير حافيَ العقل في ممرات الجنون المقدّس

من يطلب الحكمة، فليبحث عنها بين المفاصل الصدئة للّيل، حين تصمت الآلهة، ويصحو سؤال:
لماذا خُلق كل هذا العمى، ثم أُمرنا أن نراه نورًا؟
لماذا نُدفن أحياء في طقوس الطاعة، ونُجبر أن نُسمّي القيدَ عبادة، والجهلَ تسليمًا، والاغتصابَ قَدَرًا؟

في هذا العالم، لا حاجة لنا بآلهةٍ تراقبنا من سماءٍ مرتابة، لأنّ الفوضى تمارس وظيفتها بإخلاص لا مثيل له. الأنهار تنفجر دون صلاة، والسرطان لا ينتظر الكفر كي يفترس طفلاً لم يبلغ الحلم.
لا يوجد مخطط. لا توجد مؤامرة سماوية. توجد فقط طبيعة تعاني من فائض اللامبالاة، ونحن كبشر، كأنواعٍ مرتابةٍ من الطين والصدف، نحاول نحتَ المعنى من خواء.

لكنّهم يأتونك بصوتٍ مهيبٍ وتسابيحَ مشبوهة، ليخبروك أن ثمّة "حكمة إلهية".
اسألهم ما هي؟ يهمسون كما لو أنّ الله يتجسّس خلف الستائر.
اسألهم ما ذنب المذبوحين، والمنكوبين، والمفجوعين؟
يجيبون: "لعلّها ابتلاءات."
يا لها من كوميديا سوداء أن يُقطع رأسكَ لتثبتَ ولاءك، ويُقال لك: هنيئًا، قد اجتزتَ الامتحان!

إنهم يريدونك أن تُخرس عقلك باسم الإيمان، وأن تحوّل فزَعك من الوجود إلى ترنيمة.
يريدونك أن تُسلّم بأنّ الكون ليس عبثًا، وأنّ الخالق قد خطّط لكل شيء، حتّى البعوضة التي تستوطن وجه طفلٍ يموت جوعًا.
يريدونك أن تبتهج، لأنك إن متّ، سيمنحك المجرمُ الأبديُّ قصرًا في السماء!

أما أنت، أيّها العاقل، إن حاولتَ أن تُسمّي الأشياء بأسمائها، اتهموك بالإلحاد، بالفجور، بالتمرّد.
وكأنّ الحقّ لا يُقال إلا إذا خُلط بالحكايات، ولا يُسمع إلا إذا أُتبع بآية أو حديث.

اسمعني جيدًا:
إذا كنت تنتظر أن يهبط عليك المعنى من السحب، فاجلس هناك، بين الحمقى، وردّد معهم: آمين.
أما إن كنتَ قد ضقتَ ذرعًا بهذه الملهاة الإلهية، وبدأت تشكّ أن الحياة لا تحتاج إلهًا بل عقلًا، فمرحبًا بك في مقعدك الجديد:
العاقل في زمن الخرافة.

العاقل يرى الحقيقة ولا يُغمض عينيه.
العاقل لا يؤمن بالأبدية، لأنه يعرف هشاشة اللحظة.
العاقل لا يعبد، بل يتأمل.
لا يخاف الموت، لأنه لا يحتاج إلى الجنة كرشوة.
ولا يهاب العذاب، لأنه يعرف أن الجحيم يبدأ حين تصير الكذبة ديانة.

أنتَ آلة تطورت، لا لأنك مختار، بل لأن الانفجار العظيم لم يكن يملك خطة بديلة.
وهذا مؤلم؟ نعم.
وهذا عبثي؟ ربما.
لكنّه حقيقي.
وما من شيء أكثر نبلًا من الحقيقة في زمنٍ يُباع فيه الوهم على عتبات المساجد والمعابد ومراكز التنمية البشرية.

وأما أولئك الذين يتحدثون عن المعنى،
عن الغاية،
عن "الإنسانية"،
فقل لهم:
هناك خنافس تتكاثر منذ ملايين السنين بلا كتب مقدسة ولا أهداف سامية.
هناك نيزك سيقضي علينا كما قضى على الديناصورات، دون أن ينتظر اكتمال دورة الحجّ أو إصدار ديوان "أناشيد للروح".

هل يجب أن ننتحر؟
ربما ليس الآن.
ربما فقط لنضحك أكثر على هذه الكوميديا.
فنحن نعيش على كوكبٍ يتصارع فيه البشر حول من خلقه، بينما النيازك تكتب النهاية.

فكر، ولو مرة، وأنت تخرج فضلاتك:
هل كل هذا يستحق أن يؤخذ على محمل الجد؟

وإن ضاقت بك الأرض، فتذكّر:
الكون نفسه بدأ بانفجار.

فابدأ أنت أيضًا بانفجارك الصغير:
انفجار العقل.

هل كانت الحياة جادة في نواياها حين تشكلت؟
هل كان الهيدروجين يعلم أنه سيصير ضوء شمس، أو ذراعًا بشرية تحمل كتابًا مقدّسًا وتظن أنها تحمل الحقيقة؟

كل ما نعرفه نحنُ اليوم أنّ الإنسان — هذا القرد الذي قرر أن يصير واعيًا — وجد نفسه وسط فراغ لا يرحم، وسط كوكب يعجّ بالصمت والصراخ في آنٍ معًا.
فلم يكن أمامه سوى أن يخلق المعنى. أن يختلقه.
أن يحفر على جدران الكهوف، ثم على صفحات الكتب، ثم في جمجمة طفلٍ يولد، فيُلقّن من اللحظة الأولى أن لهذا العبث إلهًا، وأن عليه أن يركع ويطيع ويخاف.

لكن الحقيقة التي لا يريد أحد أن يراها، هي أن الآلهة خُلقت كعكّازٍ لضعفنا.
خرافاتنا ليست منبع شرّ، بل منبع خوف.
خوفنا من الموت، من الوحدة، من غياب العدالة، من أن نكون نكتةً كونيةً سيئة لم يفهمها أحد.

الخرافة ليست قيدًا فحسب، بل مسكّن.
دواء موضعي لجرحٍ غائر اسمه: "لا أحد يعرف لماذا نحن هنا".
لكن أن تأخذ المسكّن كعلاج دائم، فتلك هي السذاجة المقدسة.

أيها العاقل،
أن تكون عاقلًا اليوم، معناه أن تصحو وحدك، وسط نومٍ جماعي عميق.
أن تسأل السؤال المحرّم دون أن تنتظر إجابة ملفّقة.
أن تحتمل خواء السماء دون أن تمتلئ كذبًا.
أن ترى وجهك في مرآة الطبيعة، لا في مرآة الشريعة.

العاقل ليس بالضرورة ملحدًا أو مؤمنًا، بل هو من يتجرّأ على المجهول دون أن يلبسه قناعًا.
هو من يقول: "لا أعلم" حين يجهل، ولا يستعيض الجهل بكلمة "الله أعلم" فقط ليهرب من الفوضى.

العاقل لا يبني قيمه على وعدٍ بجنّة، ولا على وعيدٍ بجحيم، بل على وعيٍ بأن الحياة لا تحتاج تبريرًا لتُحترم، ولا تحتاج مُراقبًا لتكون أخلاقيّة.

في زمن الخرافة، العاقل ساخرٌ بالفطرة.
لأنه يرى ما لا يُقال، ويضحك حين يبكي الآخرون خشيةً من النار.
هو يعلم أنّ المأساة ليست في أن نموت، بل في أن نحيا عبيدًا لأوهامنا.

ومع هذا كلّه، فإن العاقل لا يحتقر الحالمين، ولا يبصق في وجه المؤمنين، لأنّه يدرك:
أنّ الكذب، حين يُقال بخوف، أصدق من الحقيقة حين تُقال بتكبّر.
وأنّ الهارب إلى الخرافة ليس عدوًّا، بل شقيقٌ ضلّ طريقه في نفس الغابة.

العاقل يضحك، لا لأنه يستهزئ، بل لأنه نجا.
نجا من العبودية الفكرية، من القوالب الجاهزة، من العزاءات المجانية.
نجا من محاولة فهم الكون عبر الأساطير، وبدأ يفهم نفسه كما هي: مادةٌ واعية، تتأمل، وتحب، وتتألم، ثم تفنى.

أجل، العاقل يفنى.
ولا يعود، ولا يُبعث، ولا يُحاسب.
لكنّه حين يموت، يموت واقفًا.
يموت وهو يهمس في أذن الوجود:
"لقد فهمتك، أيها اللعين، ولم أكن بحاجة لنبيّ كي أصل."

فإن كنت من هؤلاء، فدع هذه الكلمات تكون دليلك في العتمة:
لا قداسة فوق العقل.
ولا شرف للخوف.
ولا معنى ثابت، إلا ذلك الذي تخلقه بيدك، كما يخلق الطفل من الطين وجه إلهه، ثم يضحك.

اضحك، إذًا.
فالوجود لا يحتاج تراجيديا أخرى.
بل عاقلًا يبتسم وسط الجنون، ويقول: لقد فهمت النكتة.


الأربعاء، 30 أبريل 2025

الحقيقة البشرية بين الفطرة والمنظومة الأخلاقية!

0 تعليق




الفطرة باختصار هي الغريزة المعنوية..، أي هي التلقائيّة الطبيعيّة التي تبني القناعات والسلوك لدى الكائنات الحية؛ وليست التلقائية الناجمة عن التلقين والتوجيه والإكراه والتدريب أو غيرها من أساليب صناعة القناعات!
فإذا كانت الغريزة هي المَلَكة التي تُحدِّد احتياجاتنا وطريقة تلبيتها دون تجربة سابقة ، فإن الفطرة هي الملكة التي تُحدد قناعاتنا وميولنا دون تجربة سابقة!
الفطرة هي تلك المَلَكَة الطبيعية التي تُحدِّد فعل وردَّات فعل كل الموجودات الحية – القادرة على الفعل والمضطرة للفعل – ابتداءً؛
أقول ابتداءً، أي قبل أن يُدرِك الكائن الحي ضعفه وحاجته للآخرين، وقبل أن يضطر لممارسة الخداع والامتثال للخوف والجُبن، وقبل أن يقع تحت تأثير البيئة وتعدد الخيارات وضرورات الاختلاف وإملاءات القوة وغيرها!

والحقيقة البشرية المقصودة هنا، يمكن أن يُمثلها مفهوم الوعي، أو ما يُعرف اصطلاحاً بالعقل..، تلك القوة أو المَلَكَة الطبيعية التي بفقدانها تختفي القواسم المشتركة التي تربط البشر التقليديين ببعضهم!
- المقصود بالمنظومة الأخلاقية هي صناعة القناعات..، أي تلك الضوابط السلوكية الإلزامية التي تضعها النُخب وقيادات الجماعات البشرية باسم دين أو باسم قِيَم إنسانية افتراضية أو غيرها..، لتحديد حقوق وواجبات الأفراد، وليس لتحقيق أخلاق حميدة لديهم، فالأخلاق لا تُفرض من الخارج، إنها إما أن تكون جزءًا من كيان وشخصية الفرد إراديًا أو لا تكون!
- المنظومة الأخلاقية هي شيء آخر غير الأخلاق الطبيعية؛ فالأخلاق الطبيعية هي الإرادة الذاتية التي تجعل الإنسان يفعل أو يمتنع عن الفعل بما يرى أنه يُحققُ ذاته ويُبرزُ هويته، وليس احتساباً لنتيجة متوقعة أو موعودة؛
ومن ذلك الصِدق، فكل البشر يمتدحون الصِدق كما يمتدحون المالَ، لكنهم يسعون لامتلاك المال ولا يسعون لامتلاك الصِدق، ولا يُمكن جعلهم صادقين إن لم يكونوا كذلك!
فما هو هذا العقل الذي باسمه وبسببه تُحدَّدُ السلوك وتُفتَرَضُ الأخلاق، وما هي الفطرة البشرية، وما المنظومة الأخلاقية، وما العلاقة بين أطراف هذه الثلاثية!

ما هو العقل؟

تُسنُّ القوانين وتوضع العقوبات وتُنفَّذ في المجتمع البشري، بسبب الاعتقاد بامتلاك الإنسان آلية لضبط السلوك- اسمها العقل، يُفترض أنه مُهيمنٌ ومسئولٌ عن السلوك والممارسات والغرائز، وهو بذلك مسئولٌ عن قرارات الإنسان- فعلاً وامتناعاً!
بينما في واقع الحال ليست هذه المعادلة دقيقة، فالعاقل وغير العاقل كلاهما يقول ويفعل، وكلاهما يمتنع عن القول والفعل.. أي أنه لا علاقة للعقل بقرارات الفعل وعدم الفعل ابتداءً!
كما أن وجود العقل ليس شرطاً لفعل الصواب، وليس غيابه سبباً لفعل الخطأ-، خاصة في ضوء حقيقة انعدام وجود معايير قياسية كونية أو وجودية أو بشرية، تُحدِّد الصواب من الخطأ، والحق من الباطل!


ما هي الفطرة البشرية؟

هل يوجد شيء اسمه الفطرة!
وهل توجد فطرة سليمة وأخرى غير سليمة!
وما الذي يمكن أن يؤدي إلى تلوث الفطرة- أو انحراف الإنسان عن الفطرة السوية!
هل سلامة الفطرة، تعني عدم اختلاف البشر؟
أم أنه يمكن أن تكون الفطرة سليمة، وفي ذات الوقت مختلفة من إنسان لآخر، وأنه بسبب ذلك تنتج الاختلافات والخلافات بين البشر!
أم إن سبب الاختلافات هو سلامة الفطرة لدى بعض الناس واعوجاجها لدى البعض الآخر..، وأن الخلافات تنجم وتنشب الصراعات، بسبب اعتقاد كل طرف بسلامة فطرته، وجزمه باعوجاج فطرة الآخر!
ثم ما هي المعايير القياسية للحكم على الفطرة وتحديد انحرافها من عدمه!
وهل توجد مرجعيات وآليات لضبط الفطرة وإعادتها إلى رُشدها!


ما هي المنظومة الأخلاقية (الأخلاق الحميدة)؟

هل المنظومة الأخلاقية حدث أم أزل – بالنسبة لوجود الإنسان-، وما علاقتها بالفطرة البشرية!
إذا كانت المنظومة الأخلاقية لا تتعارض مع العقل والفطرة السليمة، فلماذا يتم فرضها على البشر، ولماذا هذا الإجماع البشري – منقطع النظير -على خرق المنظومة الأخلاقية والعبث بها عند أول فرصة..، حيث تنتشر الفوضى منذ اللحظة الأولى لتعطيل القانون أو العجز عن تطبيقه.. في أي مجتمع بشري!

العقل..

كل مفاضلات البشر إنما هي بين باطلٍ وباطل..، حيث لا وجود للحق المطلق في حياتهم، وليس الحق النسبي سوى باطلٍ نسبي.
إننا نتحدث عن العقل، مع إدراكنا أنه لا يوجد شيء مُحدد بذاته، يمكن وصفه، يحمل اسم العقل..، إن كل ما هنالك هو افتراض حدٍّ أدنى من السلوك البشري المشترك، اصطُلِح ثقافياً وتاريخياً على استعماله لوصف الإنسان بالعاقل أو غير العاقل..، والحقيقة أن العقل في هذه الحال، يكون هو ذات الإنسان ووعيه..، أي هو إدراك الإنسان لما يقول ويفعل، وقدرته الطبيعية على استحضار تجاربه، وتصوره لنتائج أفعاله قبل حصولها..، وهو ما ينبغي أن يكون لإبراز هوية الفرد وتأكيد وتحقيق خصوصية الذات – لا لإرضاء الآخرين والتكيُّف مع المختلفين..، فاختلاف السلوك أمرٌ طبيعي بين إنسان وآخر – كما هو بين أي كائن وكائن آخر، وهذا الاختلاف هو مُحدِّد الهويات ومحقق الذوات..، وبذلك يُصبح من العبث القول بمساواة البشر، وتكون محاولة مساواة سلوكهم مساساً بكرامتهم الطبيعية المفترضة..، ويُصبح تشريع تصويب سلوك الإنسان إقراراً بتشوهه عقلياً، وإذا صحَّ ذلك فلا حرج على المشوَهين، ولا معنى لإصلاحٍ تعددت واختلفت وتعارضت واختُلِقت معاييره، فالإصلاح حينها يُصبح تحويلاً للإنسان من حالة مشوَّهة إلى أخرى مُختلفٌ عليها ومطعون فيها!
بالنتيجة.. العقل ليس عضواً أو جزءاً من الإنسان، يَفسدُ ويمكن إصلاحه دون المساس بالذات- كما يتم إصلاح أعضاء الجسد وحواسه..،
بل العقل هو جوهر الذات، والطعنُ فيه طعنٌ في خصوصية الذات وهوية الإنسان، والتأثير عليه تلويث لها..،
وإذا جاز لنا التشبيه، نقول إن تغيير عقل أو وعي الإنسان بواسطة الأيديولوجيات، هو كتغيير جنسه بواسطة الهرمونات..، فكلاهما تغيير لجوهر وصورة الذات!
والفرق بينهما يذهب لصالح التحول الجنسي، فهو محسوب النتائج، معدوم الخيارات، والأهم من ذلك أنه أمرٌ طبيعي نابعٌ من إحساس داخلي وشعورٍ فطري صادقٍ، مصدره الذات، ولا علاقة للآخرين به، ولا مسئولية لصاحبه عنه، ولا ضرر له على سواه!
بينما تغيير العقل- المتمثل في زرع المعتقدات وتغيير المبادئ والقناعات- فهو خارجي المصدر، عشوائي النتائج، ضبابي الأهداف والخيارات – حيث لا معيار للعقل والرُشدِ في ظل اختلافات كل البشر- أفراداً وجماعات!
وفي كل الأحوال، فإنه إذا جاز تشريع الطعن في مصداقية عقل إنسان- قياساً إلى عقل آخر، فإن ذلك تشريعٌ بجواز نفي خصوصية الذات، ورفعٌ للمسئولية عنها، وتكذيبٌ صريحٌ لمبدأ تكليفها!
إذ إن القول بوجوب طاعة- أو حتى بجواز إتِّباع- إنسان لإنسان بحجَّة فارق المعرفة، هو تشريعٌ لكل سلوكٍ يمكن أن ينجم عن فارق المعرفة..، فليس التابع مؤهلاً لتقييم واختيار المتبوع!

هل يمكن تعطيل الوعي (العقل)، أو إقناع العاقل بفعل ما لا يَعقِلُه؟
الإجابة المختصرة: نعم!
فحيث إنه لا علاقة للعقل أو الوعي باتخاذ قرار الفعل وعدم الفعل- كما قلنا سلفاً وكما نعلم جميعاً- فالعاقل وغير العاقل كلاهما يفعل وكلاهما يمتنع عن الفعل؛ وحيث إن وظيفة العقل أو الوعي، هي استعمال رصيد التجارب في حساب النتائج، وانعكاس ذلك أو تأثيره على اتخاذ القرار، لذلك فإنه من الممكن جداً- حين يحصل التواصل ويختلف حجم ومجال التجارب-، أن تتأثر حسابات البعض بتجارب غيرهم..، أو أن يستعمل البعض تجاربه للتأثير على حسابات غيره، فيُقنعه بنتائج محتملة يتخذ على أساسها قراراته..، ويُسمَّى حينها المؤثر مُلهِماً، ويُسمَّى المتأثر تابعاً أو مُريدا!
وقد قلنا سابقاً، إن الإنسان هو كائن قابل للإصابة بالوهم!
حيث يعتقد التابع -بسبب ذهوله الناجم عن بساطته وسذاجته وقلة معلوماته وضعف خبرته- قياساً إلى فصاحة وخبرة مُلهمه أو معلمه-، بأن الأخير يستمد قوته من قوة الكون، وأنه لا حرج من طاعته وامتثال أوامره؛ فتتوقف بذلك ذاكرة التابع عن تسجيل تجاربه الخاصة- التي كان ينبغي أن يستعملها وعيه لتحديد معاييره ومعالم هويته-، فيُكمل حياته تابعاً يتنقل بين المتبوعين، لا هوية أو لا ذات له، ولا يُدرِك حقيقة مَـنْ هو..، جسدٌ يعمل بعقلٍ خارجه، أو إنسانٌ مكلفٌ بعقل غيره!


الفطرة..

بقدر ما يختلف البشر حول تحديد ماهية الفطرة وتعريفها..، بقدر ما يحتكمون لها، ويُجمعون على أصالتها، ويتفقون على أنها المرجعية الطبيعية لتحديد الحقوق والواجبات، وفرز الصواب من الخطأ..، بمعنى أنه لا خلاف على صواب الفطرة، ولا اتفاق حول تعريفها!
وهذه المفارقة التي تُظلل مفهوم الفطرة، أوجدت منطقة فكرية مضطربة حولها، اختلط فيها الخطأ المبرر بالصواب غير المبرهن..، مما جعل الفطرة بمثابة المرجعية المجهولة للنظريات المرفوضة!
وتحت تأثير منطقة الاضطراب الفكري التي تحيط بمفهوم الفطرة، وصل الأمر ببعض أتباع الأديان إلى الادعاء بأن دينهم هو الفطرة ذاتها، أو أن دينهم هو دين الفطرة، أي أن اعتناق دينهم يُحقق الحياة وفق الفطرة؛ حتى إن الأمر ليبدو وكأن إخفاق البشر في الاتفاق حول مفهوم وماهية الفطرة، هو فقط ما يحول دون اتفاقهم الشامل!
فأصبحت لفظة الفطرة تُستعمل ويُفهم منها، ذلك القانون الطبيعي، ذاتي المرجعية، الموحد للبشر، مجهول النص، والذي لا يُعرف عنه سوى أن عيوبه مشروعة وصوابه مُطلق!


المنظومة الأخلاقية..

على النقيض من الفطرة..، فبقدر ما يتفق البشر حول تعريف ووصف المنظومة الأخلاقية..، بقدر ما يُشككون في أصالتها ويرفضون الالتزام بها عملياً- وإن تظاهروا بغير ذلك تحقيقاً لمصالح أو درءًا لعواقب.
وجدير بالذكر هنا، أن سلوكيات أساسية في حياة البشر كالصِدق والأمانة والشفافية…، تقع خارج المنظومة الأخلاقية، وذلك لافتقاد الأخيرة للآلية التي تُحقق أو تراقب هذه السلوكيات الحميدة..، ولذلك نجد أن الكاذبين والمراوغين مقبولون في المجتمعات التي تعتمد المنظومة الأخلاقية كأساس للحياة الجَمَاعية..، ويكاد يتم اختزالها في تقنين ممارسة الجنس، وتحديد ما ينبغي وما لا ينبغي للفرد ارتداؤه من ملابس!
والمنظومة الأخلاقية في ظاهرها، هي جملة من الضوابط والممنوعات، تعمل على توجيه الإنسان قسراً، وتقنين سلوكياته وتحديد حقوقه وواجباته، بهدف بناء مجتمع بشري يختلف عن المجتمع الحيواني- مع تجاهل حقيقة أن كل سلوكيات المجتمع الحيواني هي مباحة أو متاحة في المجتمع البشري، وأنَّ رَفضُها علناً لا يلغي وجودها وممارستها عمليًا..، فالمنظومة الأخلاقية بالمحصلة هي محاولة بشرية نخبوية تخيلية تصورية، ونظرية طوباوية، لإنشاء مجتمع فطري..،
وهذا ما يجعل المنظومة الأخلاقية عبارة عن فطرة مزيفة!
إذ مهما تكن سلامة النوايا ونُبل الأهداف، فإن افتقاد المنظومة الأخلاقية للسلاسة، واعتمادها على العقوبات، وتدخلها السافر في الخصوصيات الشخصية والحريات الفردية..، جعل منها حاجزاً جديداً وملوثاً إضافياً، يُساهم في تأخير ظهور مجتمع الفطرة المنشود!


ماهية الفطرة؟
هل يوجد شيء مُدرك ومُتفق عليه بين البشر، اسمه " الفطرة "، يؤثر على حياة الإنسان أو ينعكس على سلوكه وممارساته – كما هو الحال مع العقل والروح والحواس؟
وهل الفطرة شيء مذموم أم محمود- إن وُجِدت؟
وما مدى مسئولية الإنسان عن فطرته، أو خضوعه لها؟
هل تم تحريف دلالة لفظة "الفطرة"، لإنتاج مفهوم افتراضي، يُشير أو يرمز إلى الصواب المطلق، فأصبحت الفطرة كالحقيقة المطلقة.. شعار صادق يمكن أن يرفعه الكاذبون، وسلاح مشروع يرفعه الجاهل القوي في وجه الجاهل الضعيف؟

الفطرة لغوياً -مختار الصحاح ( قاموس إلكتروني)..
ف ط ر: أفْطرَ الصائم، والاسم الفِطْرُ ..الخ.
والفِطْرةُ بالكسر الخلقة، والفَطْرُ الشق، يُقال فَطَرَهُ فانْفُطُر وتُفُطُّر الشيء تشقق، والفَطْرُ أيضا الابتداء والاختراع ..الخ.
والفَطيرُ هو كل شيء عجلته أو تعجَّلت في أمره، ويُقال: إياك والرأي الفطير!

- الفطرة لغويًا: المعجم الوجيز..
الفطرة السليمة (في اصطلاح الفلاسفة): هي استعدادٌ لإصابة الحكم والتمييز بين الحق والباطل!
والفِطرِية، هي القول بأن الأفكار والمبادئ جِبِلِيِّةٌ.. أي موجودة في النفس قبل التجربة والتلقين!الفَطِيرُ: كل ما أُعجِلَ به قبل نُضجه. والفطيرة: خبزٌ من عجين لم يختمر…، الخ.
ويُقال: رأيٌ فَطيرٌ .. إذا خطر بالبال وأُبْدِيَ بلا تثبُّت..

الفطرة في نظر بعض المفكرين..
يعتقد البعض بأن الفطرة هي مجموع الصفات الإنسانية التي تُميِّز البشر عن سواهم، فيُعرِّفونها:
الفطرة هي الصفات الإنسانية الأساسية والخالصة، أي إنها كل ما هو أصيلٌ في الإنسان وليس مكتسب، وتشمل كل صفات الكائن الحي الطبيعي العاقل المُدرك، التي تُميِّزه عن سواه!
فما يُدركه أو يعرفه الإنسان بسبب إنسانيته، ويعجز الحيوان عن إدراكه بسبب حيوانيته .. هي الأمور الفطرية!
وبهذا تكون الفطرة هي جملة من معارف وغرائز وميول ابتدائية، خُلقت مع الإنسان، لتستمر معه طيلة حياته- فلا يندثر أثرها إلا بموت حاملها!

الفطرة في الثقافة العامة..
هي سلوكيات الإنسان الطبيعي الحر..، والتي تشمل ردود أفعاله تجاه البيئة وأحداثها، وميوله واختياراته، وأخلاقه ومعارفه وأفكاره الابتدائية..، والتي يُعبِّر عنها ويُمارسها ببساطة، ويشعر بمسئوليته عنها ويتقبل نتائجها..، وذلك عندما تتوفر له البيئة المناسبة الخالية من التلقين والتوجيه والتحذير والتهديد والإغراء!

نتيجة…
مما سبق يمكننا القول بأنه لا يوجد شيء بذاته اسمه الفطرة، ولكن توجد سلوكيات وممارسات وأفكار فطرية!
فليست الفطـرة سوى بدايات الأشياء وأصولها النقية!

كيف تكون الأفكار فطرية؟
وهل يمتلك الإنسان معارف أولية- قبل التجربة؟
لو لم تكن هناك أفكار فطرية تُميِّز البشر عن بعضهم، لتساوت معارف أبناء الأسرة الواحدة وأفراد المجتمع والثقافة الواحدة..، باعتبارهم نِتاج تجربة واحدة!
الأفكار الفطرية لا تعني وجود نصوص وآراء محددة مُخزنة في ذاكرة الإنسان!
وإنما يُقصد بالأفكار الفطرية، التعاطي الطبيعي وردود الأفعال التلقائية تجاه البيئة والمستجدات..، أي تعبير الإنسان عن خصوصية الذات بواسطة ميوله الطبيعية!

ما علاقة الصِدق بالفطرة، وما رأي المنظومة الأخلاقية في الكذب؟
من البديهي القول إن كل سلوك يرفضه الإنسان من الآخرين، فهو أمر مرفوض فطرياً، ونقيضه مقبول فطرياً!
وبذلك يكون الصدق سلوكاً فطرياً، والكذب دخيلاً على الفطرة!

لماذا يكذب الإنسان، ويعيب على الآخرين كذبهم؟
يمكننا القول إن قدرة البشر على التكهّن- أو إصابتهم بداء التكهّن-، أثناء سعيهم وتنافسهم المستمر لامتلاك موارد الحياة-، قد حرَّك لديهم إحساساً بتعارض مصالحهم- وأن ذلك قد ولَّد لديهم شعوراً مخيفاً بعدم الأمان!
وإن عجزهم عن ابتكار آلية للتوفيق بين مصالحهم قد أدى إلى انحرافهم المتعمد عن الفطرة!
وقد كان الكذب نتيجة طبيعية لذلك..، هذا على مستوى عموم البشر!
أما على مستوى الأفراد والجماعات الصغيرة، فإن الكذب هو نتيجة حتمية للثقافات المحلية- خاصة في المجتمعات التي تلجأ لفرض المنظومات الأخلاقية لضبط سلوك البشر..، حيث إن الثقافات في تلك المجتمعات، تفترض أن قيمة الإنسان تتحدد بنوع وحجم صورته لدى الآخرين..، مما أدى إلى انفصال الإنسان عن ذاته وهجره لمعاييره الذاتية، واعتماده للمعايير الجَمَاعية، حيث بات سعيه وجُهده منصباً على تحسين صورته عند الآخرين- بغض النظر عن حقيقته التي لا يُدركها سواه..، فأصبحت تغطية عيوبه عن عيون الآخرين هدفاً أهم من إصلاحها، أو مُقدَّمٌ على الإصلاح..، ولأن الكذب هو السبيل الأقصر والأقل تكلفة لتحقيق هذا الهدف..، لذلك ينتشر الكذب في هذه المجتمعات، حيث يرفضه الجميع ويُمارسه الكل..، ولذلك تقبل المجتمعات الأخلاقية الكاذب عملياً- رغم رفضها للكذب مبدئياً!

معضلة الدين مع الفطرة..

كل الأديان- تقريباً- تدَّعي صفة الفطرية في تعاليمها وتشريعاتها..، ولا يمكنها إلا أن تكون كذلك، لكي تكسب مكاناً وزماناً للمناورة..، بالرغم من التعارض الكبير والصارخ بين شرائعها والسلوك الفطرية للبشر!
فالحقيقة أنه لا مجال للتقريب بين الأديان والفطرة البشرية ..، فعجز الأديان عن استقطاب البشر بالبساطة والسلاسة، ورفضها لخيارات الإنسان الفطرية، وإفراطها في الوعود والإغراءات المستقبلية، واعتمادها على العقوبات الصارمة والتهديد بالمجهول وتهويل المصير لبقائها قائمة، وافتقادها لآلية إثبات التزام أتباعها بتعاليمها، واكتفاؤها بالمظاهر- حيث تتبنى المجتمعات الدينية السلوك الظاهري للبشر كمقياس لالتزامهم-، مع إدراك القائمين على الأديان لحقيقة أن الممارسات الظاهرية الشكلية، التي تكون نتيجة للخوف أو الطمع، لا تعكس حقيقة ولا تُعبِّر عن سلوك فطري!
ولذلك تعتمد المجتمعات الدينية مبدأ الضخ المستمر والتذكير الممل بتعاليمها وعقوباتها وإغراءاتها..، كما أنها تلجأ مباشرة لمبدأ التحريم والتحليل في مستجدات الأمور- صغيرها وكبيرها، دون أي اعتبار لفطرة البشر التي تدعيها- والتي تفترض إجراء استفتاء أو استبيان للوقوف على آراء البشر وإشراكهم في تحديد مسارات حياتهم وعلاقاتهم وإحساسهم بالقيمة والمسئولية..، وربما يعكس ذلك إدراك القائمين على الأديان والمجتمعات الدينية، بأن الإنسان مستعدٌ ومتأهبٌ على الدوام للتعبير عن ذاته بفطرية، وأن نتيجة تعبيره الصادق والمتحرر ستكون دائماً مخالفة لما يُفرض عليه باسم الدين والفطرة المزيفة!

هل تُحارب الأديان فطرة موجودة، أم تستعيد فطرة مفقودة، أم تسعى لاستحداث وفرض فطرة جديدة؟
إذا كان إيمانهم صادقاً واعتقادهم كاملاً، فكيف للمؤمنين أتباع الأديان أن يرتكبوا الأخطاء عمدًا – كالكذب مثلاً؟
هل يمكن لإنسان يؤمن جازماً بالبعث والحساب والثواب والعقاب، أن يفعل ما يوجب العقاب؟
أم إنه لدى المؤمنين نسبة من الشك في مصداقية الأديان، ولذلك يُخالفون تعاليمها ويخترقون محظوراتها كلما اقتضت مصالحهم ذلك!
هل تقبل الأديان إيماناً ينهار أمام الغرائز؟
أم إن الأديان قد فرضت على الناس ما لا يمكنهم فعله..، ولذلك سمحت أو اضطرت للسماح بانتهاك تعاليمها، واكتفت بالممكن والمتاح..، ولجأت إلى التحايل على المنطق، باعتماد مبادئ فضفاضة، من قبيل الضرورات تبيح المحظورات..، وأخضعت التفسيرات لمزاج بشرٍ دون غيرهم ودون مرجعية محددة!
ما حصل هو أن القائمين على الأديان، أدركوا استحالة تطبيقها وتحقيقها، واستحالة التثبت من ذلك..، فاكتفوا بالمظاهر والشكليات وبالحد الأدنى من التزام أتباعها..، ولتدارك التضارب والتعارض بين بقاء الأديان قائمة وانحراف المؤمنين الصارخ، لجئوا إلى ابتداع مفاهيم ونظريات غيبية لا يمكن إثبات صحتها ونتائجها في الحاضر..، من قبيل الشفاعة والقضاء والقدر وحُسن الخاتمة، والدعاء المؤخر الاستجابة …الخ!
وحيث إن الأمر كذلك..، فإنه لا توجد قداسة مفهومة ولا أفضلية معلومة لتعاليم الأديان على قوانين وأعراف الإنسان..، فكلاهما لا يخلو من ثغرات، وكلاهما خاضع بالنتيجة لمزاج وقدرات وتفسيرات وتكهنات قلة من البشر على حساب الأكثرية!

كيف يمكن استعادة الفطرة البشرية؟
حيث إنه لا يوجد شيء محدد بذاته اسمه الفطرة البشرية!
وحيث إن الفطرة ليست سوى البدايات الطبيعية للأشياء- ومنها السلوك والميول والأفكار البشرية!
لذلك فإن محاولات استعادة الفطرة التي كُتب لها النجاح بدرجاتٍ عالية، واقتربت بإنسان اليوم من إنسان الفطرة، هي تلك المحاولات التي لم توجه إلى الإنسان- مكمن أسرار الفطرة، وإنما تم توجيهها لضرب وإيقاف المؤثرات الخارجية التي تحول دون ظهور الفطرة على سلوك الإنسان..، ففضحت التقديس الزائف الذي كان يحظى به رجال المؤسسات الدينية، وحظرت ممارسة الوصاية الفكرية تحت أي مُسمّى وأي غاية، وأوقفت دروس التلقين والأدلجة الممنهجة التي كانت تُمارس على الإنسان تحت شعار الدين والرب والثقافة والعِرق والمصلحة العليا، وطرحت كل الخيارات أمام الإنسان لتحديد اختياراته بحرية تامة..، فأوجدت بذلك المناخ المناسب لظهور ونمو السلوكيات والأفكار الفطرية!
وتبرز نتائج تلك المحاولات جلية في المجتمعات الحرة المتقدمة اليوم، والتي قامت على دساتير تحفظ حرية وكرامة الفرد..، فلا تتدخل مؤسسات المجتمع في سلوك الإنسان وممارساته إلا لحماية الآخرين وصون حريات الجميع!
لا يخفى على عاقل منصف صادق مع نفسه باحث عن الحقيقة، متحرر من الاعتقادات المسبقة والتفسيرات المبهمة والنتائج الافتراضية..، أن المجتمعات الغربية – لاسيما المجتمع الأمريكي – هي أفضل ما توصَّل له البشر على طريق توفير المناخ المناسب لاستعادة الفطرة البشرية الطبيعية، الخالية من التخمّر الثقافي!
كما لا يخفى على أحدٍ، أن المجتمعات الدينية والعِرقية – كيفما وحيثما كانت، جميعها تعتمد المنظومة الأخلاقية الطوباوية، وتستعمل الشعوب كمواد خام لخلق إنسان حسب الرغبات والتكهنات النخبوية..، والتي تُشاهد نتائجها في بقاع كثيرة من العالم، هي أبعد ما يكون عن الفطرة التي تتغنى بها، وجُلها تستمد جذورها من الشرق الأوسط -لاسيما المشرق العربي!


كيف يتم الالتفاف على الفطرة في فقه الفطرة؟

يقول المسلمون- السُنّة، في معرض تفسيرهم أو تبريرهم لعملية توريث الحكم، التي بدأها أو ابتدعها معاوية، وسار عليها العرب والمسلمون من بعده إلى يومنا هذا، حيث أخذ معاوية- في حياته- البيعة لابنه يزيد ..،
يقولون إن معاوية قد نظر إلى حال الأمَّة، وأدرك المخاطر التي تُحيك بها، وخشي عليها من التفكك..، ولعلمه بالتفاف الجيش حول ابنه يزيد، وإدراكه لحب الناس له- خاصة أهل الشام..، لذلك أخذ له البيعة ونصَّبه خليفة على المسلمين بغض النظر عن رأي المخالفين والمعارضين..، وكأن معاوية يُدرك الغيب أو يحق له التكهّن، أو أنه أحرص على المسلمين وأدرى بأمورهم من رسولهم الذي غادر الأمة والحياة ولم يأخذ البيعة لأحدٍ ولم يوصِ بأحد، ولم يضع آلية محددة لاختيار الحاكم!
ما يلفت الانتباه ويثير التساؤل الفطري، هو أن الحُجَّة التي استعملها معاوية، والسُنة التي سنَّها، هي ذاتها التي يستعملها حُكَّام العرب والمسلمين اليوم، من أجل توريث الحُكم لأبنائهم (أزيادهم)..، لكنها تُعاب عليهم وتُبرر لمعاوية، وكأنه لا يحق لهم النظر إلى حال الأمة كما نظر لها معاوية..، وكأن معاوية لم يغتصب السلطة أصلاً!
بينما يقول المسلمون الشيعة، بأنهم يتبعون أولياء معصومين، وهذا يكفيهم شر الاحتكام للعقل أو للوعي الإنساني، وهم بذلك يقفزون على حقائق يُدركونها، فيتجاهلون- عمداً- بأن ما بين أيديهم لم يكتبه ولم ينقله أولياؤهم المعصومون (على افتراض صحة العصمة)..، بل قد كتبه ونقله لهم بشر عاديون لا عِصمة لهم- لدى الشيعة وغير الشيعة..، فأين الحقيقة وأين الفطرة وأين الأخلاق لدى كل مَنْ يَفترض الصواب فيما كتبه ونقله 
وفعله غير المعصومين!

الاثنين، 3 مارس 2025

مقومات الذات البشرية وعقدة القيمة الممتنعة!

0 تعليق



معظم البشر يحملون عُقدة القيمة الممتنعة، وهي اعتقادهم بقيمة طبيعية استثنائية لأنفسهم، لا صدى لها في الواقع!

وانعكست هذه العُقدة على سلوك البشر، حيث أصبح همهم تحقيق تلك القيمة المفترضة، بدل التحقق منها!

المعرفة والفكر، والجهالة والجهل، من الصفات التي لا يُمتدح ولا يُذمُّ بها إلا العاقل!
ومن المفارقة أن يكون الجهل نقيضاً للعقل، وألا يوصف بالجهل إلا كل ذي عقل!
ذلك أن الجهل هو تجاهل العاقل لبديهيات العقل، حيث يُلام العاقل حين يأتي من الأخطاء ما يخالف أعراف العقل!
أما نقص المعرفة فهو جهالة وليس جهلاً، وليست الجهالة كالجهل!
ففي حين أن الجهالة هي داء كل موجود، فإن الجهل هو اعتقاد أو ممارسة ما لا يبرر من القول والفعل!
ولما كان الجهل هو خطأ العاقل اللا مبرر، فقد كانت الجهالة هي نقص المعرفة – مبررة كانت أو غير مبررة!
ولو عُدَّ نقص المعرفة جهلاً، لعُدَّ علماء البشر وعوامهم جهلاء – سواء بسواء!
إنما الواقع أن اتصاف البشر بالمعرفة يختلف كماً وكيفاً، وبذلك يتكاملون؛ فلكلٍ منهم نصيب من المعرفة هو بالغه؛ فلا تنعدم المعرفة ما وُجِدَ العقل، ولا تجتمع المعارف كلها يوماً لذي عقل!

الإنسان..

الإنسان كائن يرى نفسه ذاتاً واعيةً، وسيداً عاقلاً لا منازع له على سيادة الأرض!
الإنسان هو نفسه ذلك الكائن الذي ما انفك يبحث لذاته عن رسالة تبرر وجوده قبل أن تثبت سيادته وتؤكد زعامته المفترضة للكائنات.
فهو يرفض الوقوف عند حدود قيمته النسبية – عملياً، في الوقت الذي يقر بأن قيمته تنعدم تماماً أمام القيمة المطلقة لسيده المُوجِد!
ويدرك بأنه نسبي القيمة قياساً إلى غيره من الكائنات!
فهو متساوٍ مع غيره من حيث العيوب باطناً وظاهراً!
وفي مقابل كل الموجودات- كبيرها وصغيرها حيها وجمادها- هو كائن منتصر ومهزوم، وعابث ومعبوث به..، أي إنه ليس بوسع العاقل سوى الإقرار بأن قيمته الحقيقية لا تؤهله لهذا الإفراط في تحقير غيره، وتكريم ذاته!
ولا يوجد مرجع ثالث مستقل تقاس به قيمة الإنسان التي يظنها من حقه..، فهو نسبي القيمة، أو عديمها! وهذا ما يتجاهله العاقل، وذاك ما يجعله يتفرد بصفة الجهل إلى جانب العقل..، حتى إن الإنسان في غمرة بحثه عن ذاته، ودفاعه عن قيمته المفترضة، لا يتردد في تجاوز مقتضيات الإيمان الديني الذي يأمره صراحة بالوقوف عند حاجز المساواة بين البشر أمام الإله؛ حيث يدعى أتباع كل دين بأن رسولهم مقرب عند الإله، وأن أتباعه يستمدون من ذلك قيمة رفيعة ومكانة خاصة، تجيز لهم أو تستوجب منهم ممارسة الوصاية الفكرية والتشريعية على غيرهم – بما في ذلك قتلهم واحتقارهم باسم الإله!
وهم بذلك إنما يحاولون تبرير السلوك البشري الواهم المسيطر عليهم، والطامح عادة إلى الخصوصية، والساعي دائماً لنفي وإنكار حقيقة تزعجهم، وهي أن قيمة البشر الثمينة التي يتظاهرون بها، ما هي إلا قيمة افتراضية أسطورية من نسج الخيال، لا أساس لها، إنما ابتدعها الإنسان ليجعل لوجوده معنى آخر، بعد أن عجز عن فهم أو أداء رسالته وحمل أمانته، وليبرر إخفاقاته وأنانيته أمام المنطق والعقل، وليصرف النظر عن عيوبه التي لو توقف عندها وتمعَن بها لعاد إلى رشده وحجمه الحقيقي المتواضع، ولحد من أوهامه وغروره!
فأتباع كل دين يتجاهلون إيمانهم بأن الناس سواسية أمام الله، وأن طاعة كل الناس أو عصيانهم له لا يزيد في ملكه ولا ينقص منه شيئاً!
ويتجاهلون أن الحقيقة التي يثبتها إيمانهم، هي عدم حاجة الخالق إلى علاقات خاصة مع بعض مخلوقاته، ونفي كل أساس ونسف كل حجة أو سبب لوجود مكانة وقيمة وعلاقة خاصة لمخلوق دون غيره مع الخالق!
ولكن ليس بين المخلوقات من يهتم أو يدرك هذه الحقيقة– حقيقة ضآلة قيمة الإنسان- سوى الإنسان!
ولذلك كان وما يزال هم الإنسان وجهده منصباً على انتزاع الاعتراف بقيمته الافتراضية من أخيه الإنسان، وتحقيقها على حسابه!
وذلك هو مبعث الخصومات الفردية والصراعات الجماعية؛ وهو مكمن الإشكالية الفكرية الأزلية لدى البشر!
إن قيمة الإنسان لا تكون إلا على حساب إنسان مثله، وذلك ما يرفضه الطرفان، فيحتكمان إلى القوة المادية، وتنشأ العداوات والحروب!
فتسليم الطرفين بتعادلهما من حيث القيمة، يبدو لهما بمثابة انتفاء لقيمة الاثنين معاً، لأن كلاً منهما يقاس بالنسبة إلى الآخر!
أما حالة التعادل القيمي، التي تلغي الأثر السلبي لقيمة الآخر على الأنا، فإنها لا تنشأ إلا بين الأصدقاء الحقيقيين الذين يفتخر كل منهم بقيمة الآخر، وهم الذين قلّما وُجدوا!
فحالة التوازن الممتنعة تلك، لا تتأتى إلا باتفاق كل البشر على الاعتراف لبعضهم بالقيمة التي تلبي حاجة الذات البشرية التي يدركونها جميعاً، وهو الأمر الذي يحاربه دعاة العقائد الدينية بالدرجة الأولى – مع الأسف، فهو الأمر الذي لو تحقق لتحقق السلام والاستقرار الذي تنعم به أمم الحيوان والنبات والجماد، والذي يدعي العقلاء أنه هدفهم وحلمهم، بينما هم ألد أعدائه بمحاربتهم العملية لمبدأ المساواة!
إذاً .. لا وجود لقيمة معتبرةٍ للذات البشرية، إلا بقياسها إلى ذاتها، وذلك ينفيها في واقع الحال!
وإذا كانت للإنسان الفرد قيمة ذاتية، فهي تكمن في العقل أو تنبع من الكرامة..، باعتبارهما مصدر فخر الإنسان وشعار تميزه..؛
غير أن وجود استفهام كبير حول قيمة العقل وحقيقة الكرامة، يصيب هذا المصدر بالشلل..، إذ ما القيمة التي يوفرها العقل للإنسان، إذا كان العقل عاجزاً عن قراءة الذات وتحديد مصيرها وتوفير السعادة لها!
وما مظاهر كرامة الإنسان، وهو العاجز المهزوم فقراً ومرضاً وضعفاً وخوفاً وموتاً! فهو الذي يقضي حياته استعباداً واستلطافاً واستعطافاً واستجداءً وبكاءً…
لعل الإنسان – وبسبب خمول ما حوله – قد افترض لنفسه قيمة خيالية وهمية، وصدق نفسه، فأخذ يسعى لتحقيق ما افترض وجوده، بينما قيمته الحقيقية لا تزيد عن قيمة أيٍ من مخلوقات الأرض الأخرى!
ولعل التفسير هو أننا مؤقتاً، نشهد عصر سيادة الإنسان على الأرض، وأنه كان أو سيأتي زمن تكون فيه السيادة لغير الإنسان، ويأخذ الإنسان آنذاك دوراً ثانوياً لا قيمة له على الأرض كما غيره اليوم!
بهذا المعنى تكون قيمة الإنسان ضئيلة ومؤقتة ونسبية، تقاس نسبة إلى غيره من المخلوقات الضعيفة المسيرة التي يسودها الإنسان اليوم، بحكم تبادل طبيعي للأدوار بين المخلوقات في السيادة على الأرض؛ وأن سيطرته المؤقتة ربما تكون قد أوجدت لديه وهماً بأن له قيمة مطلقة لا حدود لها، والحقيقة أنه لا وجود لها؛ وما بحثه عن ذاته، وصراعه مع نفسه ومع الطبيعة طوال أجله، إلا ليجعل من وهمه حقيقة، حتى بات يتظاهر بقيمة لا يحملها، ويدافع عن كرامة لا يمتلكها!


بصمات في الذاكرة …

1- الإله.. هو قدرة مطلقة عادلة، يطمئن لها البريء، ويستجيرها الضعيف، ويخشاها الظالم!
الإله.. هو أمل يسع كل شيء رحمة وعلما!
الخالق أكمل من أن يتخذ من مخلوقاته خصوماً له وأنصارا !
الحق أعدل من أن يؤاخذ مذنباً بمقتضيات حقيقة لا يدركها!
إن لله آياته التي تدل عليه، وهي حجته على خلقه.
فالله أغنى من أن يجعل حجته بأيدي البشر الذين وصفهم بالضعف والجهل والظلم والبخل والطمع والهوى…؛ والمخلوق أقل من أن يغضب خالقه أو يرضيه!
ولا أحد من البشر يحمل آية من الله تلزم الآخرين باتباعه!
وما أمر الله للعقلاء المخيّرين من خلقه بالأمانة في سلوكهم وممارساتهم كمؤتمنين، إلا منعاً للعبث بمملكته التي استخلفهم بها، ولعل ذلك ما يحقق للإنسان قيمة فيما لو تحقق!
إن العقل البديهي الذي يتساوى فيه العقلاء من الناس مهما اختلفت وتنوعت مستويات معارفهم..، ذلك العقل هو شاهد الإله وحجته عليهم!
فمن تجاهل عقله الذي وهبه الله له، واتبع معارف وقناعات غيره من البشر.. فليس له حجة أمام الله إن أخطأ وانحرف بسبب تجاهله لعقله!
إن قابلية جل البشر لاتباع واعتناق عقائد خاطئة دون قصد ودون مقدرة منهم على التمييز..، هي حقيقة واقعية لا تفسير لها سوى أن كل العقائد خاطئة ومخالفة للعقل!
أو أن البشر ليسوا مؤهلين للتكليف والحساب!
وكل فلسفة تصف علاقة المخلوق بخالقه والإنسان بالأمانة خلافاً لهذه الثوابت الفطرية البديهية، لا تعدو أن تكون أيديولوجية أرضية قاصرة بالضرورة، وتصورات بشرية حسية تنال من نزاهة الحقيقة المرسومة في ذاكرة العقول!
فهي ليست سوى محاولات يائسة لإضفاء موضوعية غير مستحقة على أوهامِ الأناني العابث الحقود الحسود.. الذي يجهل ذاته ويدعي معرفة خالقه!
2- الإنسانية.. هي صورة مثالية مشرقة مفترضة، لواقع بشري تعيس.
هي صورة غاية في الجمال كما هي في الخيال!
صورة تظهر وتبدو أكثر جمالاً وأبلغ أثراً في النفوس كلما تراءت في سماء الأحزان وآهات المآسي!
الإنسانية.. الأنس والعاطفة التي تجعل من ذوات البشر ذاتاً واحدة وإن تعددت واختلفت صورهم؛ تلك الإنسانية هي لوحة حب صادق، أنبل من أن يجسّدها البشر بثقافة الأنا الصائب المأجور والآخر المذنب المعاقَب!
فالإنسان هو بشر خال من عيوب البشر، ليس للخبث والطمع والنفاق في خلقه نصيب!
يحمل الإنسان عاطفة البشر بعفويته لا بتكلفهم وريائهم.
ذلك هو الإنسان، الذي يفتقده واقع البشر، فيستبشرون أملاً بكل قادمٍ لدنياهم عله يكون الإنسان الذي يجعل أحلامهم حقيقة!
ومع فراق كل راحلٍ أحسن لهم يوماً، أو أساءوا له، يفيضون حزناً غائراً .. فزعاً من مواجهة حقيقة قادمة، وخشية أن يكون الراحل هو من كان بالأمس مُنتظَراً!
الحقيقة التي يعيشها البشر ويأبون قراءتها، هي أن كل الموجودين بشر، وحيواتهم ملآ بالعيوب تؤكد بشريتهم وتحول دون إنسانيتهم!
وأن الإنسان محبوب الجميع، هو وهم من نسج خيالهم، مصدره عظمة زائفة استوطنت أنفسهم، فصدّقوها وشرعوا في إثباتها لأنفسهم!
لكن عيوبهم الأكيدة التي لا استثناء منها لأحد، قد أحرجٍتهم وخدشت كبرياء عظمتهم الزائفة!
فلجأ المكابرون منهم إلى مصحات الخيال أملاً في علاج نقائصهم، وهرباً من الاعتراف بحقيقة يراها كل منهم في الآخر وينفيها عن نفسه، وبحثاً عن كمال هلكت دونه أجيال وانقضت آجال.. وهيهات أن يبلغه من كان النقص جزءاً من حياته!
فالإنسان كمال جريح وجمال تعيس!
الإنسان رحلة حزن في غمرة شوق!
الإنسان مأساة تتبدى في علاقة حبٍ صادق بين مخادع ومجهول!
الإنسان جواب لا يريد السائل سماعه!
وتظل الإنسانية عاطفة غامرة عابرة تظهر عند كل لحظة فراق ومأساة لتثبت عجز البشر!
وتبقى البشرية واقعاً مرفوضاً، وممثلاً زائفاً لإنسانية غائبة، عابثاً بجمال الحقيقة وصدق الجمال!
3- الجهل هو خروج العاقل – طوعاً – عن بديهيات العقل والمعرفة!
فالجاهل هو ذلك العاقل الذي تتعارض قناعاته مع بديهيات عقله، فيبرر لنفسه من السلوك والممارسات ما لا يقبله عقله من سواه!
فالجاهل يتجاهل اختلاف واقعه العملي مع قناعاته النظرية وما يدعو له!
للجهل سبيلين أساسيين يدخل ويسيطر من خلالهما على فطرة العاقل، هما.. وَهْمُ الخصوصية والعَظَمَـة الزائفة التي لا يُقرّها الواقع والعقل، ثم الطمع في تملّك ما يفوق الخيال – حُباً في الاستعلاء على الآخرين، وملئاً لنقص يجده في نفسه!
ومن السخرية والعبث بالفطرة أن يُعرّف البعض الجاهل الذي تتوعده الأديان بسوء العاقبة.. بأنه ذلك الإنسان الذي لا يُدرك معنى الكفر، ولا معنى ومقتضيات الإيمان بوجود الله!
أو أنه ذلك الأمّي، أو المسكين الذي لا دراية ولا طاقة له بما يدور حوله..، ولو كان الجهل كذلك، لكان الجهل حُجَّةَ للإنسان لا عليه – شأنه شأن المرض والفقر!
بل الجاهل هو كل عاقل تجاهل عقله وواقعه وفطرته، واتبع خياله، سعياً وراء أوهامٍ ترفضها فطرته ومنطق البديهة الذي لا يختلف حوله عاقلان!
4- الآدمية ليست صفة للبشر، بقدر ما هي رواية وردت في كتب بعض الأديان، تُرْجِعُ أصل الجنس البشري إلى نقطة بداية واحدة، بدءاً بفرد واحد خُلِقَ من طين، هو آدم!
وتُعتبر صحة الرواية من المسلمات لدى أتباع تلك الأديان.. كمُعطى عقائدي وتاريخي. ولكن ذلك المُعطى ليس من مسلمات كل البشر!
5- البشرية هي الوصف الطبيعي الذي يُجسّد صورنا وسلوكنا مقارنة بغيرنا من الكائنات الحية من حولنا!
فنحن نشترك مع الحيوانات في كل عيوبها، ولأننا بشر نفتقر إلى بعض المزايا في حياة الحيوانات، ولأننا بشر كذلك، فإننا نمتلك ما لا تمتلكه الحيوانات.. من العقل والقدرة على التطور المعرفي والاستفادة من أخطاء الماضي!
6- البراءة هي نقيض الخبث.
لكن اعتاد البشر استخدام كلمة براءة نقيضاً للعقل!
حيث لا يذكرون البراءة إلا قرين الأطفال والحيوانات.
بهذا المعنى أضحت البراءة حيث لا يكون العقل!
براءة أبناء البشر مؤقتة – تزول ببلوغهم سن العقل -؛ وبراءة الحيوانات دائمة!
وفي ذلك قدح وذمٌ للعقل، وربط له بالخبث، واعتراف من البشر بتقدم الحيوانات عليهم في ساحة البراءة .. طالما أن البراءة صفة حميدة وهي مطلقة ودائمة لدى غير العقلاء، بينما لا تذكر البراءة قرين العاقل إلا مع الجريمة والإدانة!
7- الأمّة هي مجموع الأفراد من أي صنفٍ من أصناف الكائنات الحيّة، المختلفين عن غيرهم سلوكاً وممارسة، والمتفقين بينهم فطرياً.. من حيث مبادئ الحياة وطريقة العيش والنظر إلى الآخر؛ والمتكاملين طبيعياً وطواعية لتحقيق مصالحهم.. بغض النظر عن تأثير سلوكهم وممارساتهم على مصالح الآخرين!
وفي حال الإنسان فإن أفراد أمته الحقيقيين هم أولئك البشر الذين يتفق معهم طواعية فكراً وسلوكاً وممارسة، وليس أولئك الذين أجبرته الحياة على العيش معهم ومسايرتهم من أجل تحقيق مصالحه والبقاء حياً!
8- في عالمنا العربي الإسلامي، يقول البعض إن كل دولة أصبحت مزرعة للحاكم وأولاده وأتباعه!
وهذه عبارة صِيغت بصورةٍ مُغرضةٍ، وإن حملت شيئاً من الحقيقة في إيحائها!
موضع الطعن فيها تحمل لواءه كلمة "أصبحت"!
فالحقيقة هي أن الدولة العربية الإسلامية "ما تزال" على حالها منذ قيامها – مزرعة للحُكام وأبنائهم وأعوانهم.
فالحَجْر على الفكر، وتوريث الحكم، ومنع الحريات، وتهميش ومحاربة دور الفرد، وممارسة الوصاية الفكرية والعقائدية، والحكم العشائري القبلي،…الخ،
هذه هي سمات الدولة العربية الإسلامية منذ قيامها!
فحكام العرب المسلمين اليوم وإن أخطأوا، إلا أنه لا ينبغي تحميلهم المسئولية كاملة وكأنهم قد ابتدعوا نظام التوريث أو التمسّك بالسلطة مدى الحياة، فهم لم يأتوا ببدعة سياسية ولا بخطأ ثقافي أو فكري جديد!
وخطورة مثل هذا الطرح تكمن في خداع عقول البسطاء بإيهامهم أن العرب المسلمين قد ورثوا الحرية والديمقراطية والرفاهية عن أسلافهم، وأن حكامهم اليوم هم من حرمهم من ذلك النعيم، مما يجعل الشعوب العربية الإسلامية تحن إلى الماضي وتقدس رموزه، وتحقد على الحاضر وأهله.. مع أنهما نسخة وأصل.
فالحقيقة هي أن العقلية القبلية والعشائرية والعرقية، وثقافة تقديس الماضي وعبادة رموزه، والتستر على أخطائه الفادحة وما صاحب مكاسبه المادية من جرائم فكرية وإنسانية لا نزال ندفع أثمانها… هذه المعطيات هي أسباب مأساتنا وواقعنا المرير، وليست الحكومات والحكام!
فلو أن حاكماً تنازل عن منصبه، فإن حزباً دينياً أو فرداً من طائفة أو من قبيلة أخرى سيحل محله ويُعظّم عشيرته أو يقدس مذهبه وطائفته، وهي بدورها تخلده وتجد لأخطائه الأعذار، ولن يتغير حال المجتمع والفرد، وستذهب أوهامهم أدراج الرياح!
إن المجتمعات التي حظيت بالحرية والتقدم، كانت قد أصبحت أهلاً لذلك فنالت ما تستحقه، ولم تُهد لها مصالحها وهي تعمل ضدها!
9- أتباع الأديان – الموحدة – إلهاً ورسولاً وكتاباً – – جميعهم اختلفوا وتفرقوا واقتتلوا بعد إيمانهم، لأن إيمان جلهم كان من وراء العقل ودون موافقة المنطق!
كان إيمانهم شعاراً خادعاً لهم قبل غيرهم ..؛ إذ أظهروا الإيمان خوفاً وطمعاً، وظلت عقولهم وقلوبهم تتساءل، تطلب حجـةً وبرهاناً تطمئن به؛ ولكن لم يعبئوا بالتساؤلات داخلهم حتى اصطدموا بها من خارجهم تحاكي ما بداخلهم؛ فاختلف ظاهرهم عن باطنهم، فاختلت آلية المنطق لديهم واهتزت معاييره!
فمعتنقي النظريات الدينية، المتمثلة في الطوائف المختلفة والمذاهب المتعددة جلهم يخدعون أنفسهم قبل غيرهم، بتبنيهم الظاهر لمبدأ حرية الفكر والعقيدة، ثم اشتراطهم ضرورة الخروج بنتائج محسوبة لديهم مسبقاً على من أراد ممارسة حقه في التفكير!
قد رحل الرسل، واختلف وتشتت وتنوع الأتباع، وواجه الجميع سؤال العقل والمنطق والفطرة الذي يوحد كل البشر!
فما كان من أتباع الطوائف إلا ترهيب المتسائل، وترغيب المجامل، وتكفير المخالف لهم وإعلان العداء أو إضماره له، وتحريم السؤال عن تفاصيل وجذور المذاهب!
10- لا حرج على المؤمن أن يقرّ ولا مناص للعاقل من أن يدرك بأن الله ينبغي أن يكون أعظم وأعلم وأعدل وأرحم وأرحب وأكبر .. من معرفة مَنْ عرفه وجهلِ من جهله، ومن طاعة من أطاعه ومعصية من عصاه!
وأنّ المخلوق الذي يمثل البشر صنفاً منه، هو أقل وأصغر وأدنى وأضعف وأظلم مما يقول عن نفسه وما يراه وما يظنه وما يعرفه عنه الآخرون!
الله أعظـم من أن يعاقب ضعيفاً!
والإنسان أقل من يغضب الله أو يرضيه!
الخالق أكبر من أن يتحدى مخلوقه الجهول الضعيف المهزوم طمعاً وعجزاً وحاجةً ومرضـاً وخوفاً وموتاً!
11- الشيطان في التفاصيل، والعبرة بالنتائج..، فلاسفة فقهاء مفكرون مثقفون رؤساء وزراء مُدراء إعلاميون …الخ.
منهم من يمتطي صهوة الإنسانية، ومنهم من يرفع شعار الإيمان..، يسعون لتحقيق نظرياتهم وتصوراتهم لما ينبغي أن تكون عليه حياة الإنسان وعلاقته بخالقه!
كلٌّ منهم يرى من زاويته خللاً يحول دون سعادة الإنسان وإدراك الحقيقة!
كلهم يقدمون أنفسهم بوصفهم منقذين حكماء رحماء يتحاورون نيابة عن جاهلٍ أبكم!
كلهم حاضرون يمثلون عدماً غائباً!
كلهم شرفاء أبرياء أقوياء يهاجمون مذنباً مجهولاً!
الهـدف المعلن للكل هو تحقيق مصلحة الإنسان وسعادته!
ولم يسألوا أنفسهم من هو الإنسان المستهدف، وما موقعه في المعادلة!
كيف يحظى بكل هذا الاهتمام وهو الذي لم ولن يستشار في أمر يخصه دون سواه!
ومن المسئول عن غياب الحقيقة والسعادة.. طالما كان الإنسان هو الفاعل والمتضرر وهو العالم والجاهل!
كان عليهم أن يقولوا إنهم يسعون لتطبيق نظرياتهم على المجتمع البشري لتحقيق أحلامهم وتصوراتهم، وأنهم اتخذوا من الأديان والإنسانية شعاراً ومن البشر مادة لتجاربهم!
لا أن يقولوا إنهم يسعون لإسعاد الإنسان!
فمن خولهم بالتفكير نيابة عنه!
ولماذا لا يؤخذ رأي التعيس في مواصفات سعادته الموعودة!
هل يمكن تشخيص المرض دون محاورة المريض!
أم أنه ينبغي على الإنسان أن يكون سعيداً حسب أفكار سادته من البشر، وأنه على الأمّي المأموم أن يكون سعيداً وفق رؤية إمامه الفقيه.. ولا حاجة للعاقل بعقله!
إنهم افترضوا أن غيرهم الجاهل وأنهم الحكماء!
إن الإنسان هو الأنا والآخر، وهو الهدف والعائق!
والكل يعتقد جازماً – مخدوعاً أو خادعاً – بأنه الأكثر دراية وأمانة وحرصاً ومقدرة على تحقيق الهدف!
والهدف – المعلن- هو مصلحة الإنسان؛ وكل عناصر المعادلة وأطراف المعركة .. هو الإنسان!
تجارب أولئك الخبراء المصلحين لم تُثبت سوى أن الجنس البشري هو أنسب المواد لإجراء تجاربهم اللانهائية!
النتائج أثبتت أن الإنسان هو الخاسر الوحيد من تجارب البشـر، وربما كان الساقط الأكيد من حساباتهم.
الواقع أثبت أن نظرياتهم لا تنطبق على الإنسان المتوفر!
وتفسيرهم للأمر هو أن العيب في الإنسان وليس في نظرياتهم.. وكأن النظريات قد سبقت الإنسان!
وحلولهم المطروحة تنظّر إلى ضرورة إصلاح الإنسان لتتحقق التنبؤات والنظريات .. بدلاً من تصحيح النظريات لتتوافق مع طبيعة وفطرة الإنسان المتوفر!
فكان البحث ولا يزال عن إنسان يحمل مواصفاتٍ تحقق نظريات السادة البشر .. كأن الهدف هو تكوين مجتمع آلي!
الطعن في مواصفات الإنسان أمر ممكن جداً، لكن الطعن في نظريات المفكرين وتنبؤات المنظّرين هو أمر غير ممكن!
بعض النظريات .. كالنظريات الدينية مثلاً – تبيح التصفية الجسدية للإنسان الذي لا يحمل مواصفاتها، ولا ترى حق الحياة مكفولاً إلا لمن تتحقق بهم النظرية!
فكل من امتلك وسيلة ووجد سبيلاً فإنه سيحاول تغيير مواصفات الإنسان لتحقيق نظريته!
الكل يغض بصره تجاهلاً أو جهلاً عن حقيقة ثابتة، وهي أنه لا وجود للإنسان بالمعنى المادي الحسي!
فمفهوم الإنسان هو فكرة سامية وليس مادة محسوسة!
المادة الآدمية الموجودة هي بشر وليست إنساناً.
الإنسانية هي حلم البشرية وليست معنى من معانيها!
ولو أن نظريات البشرِ استهدفت بشراً لكان لها أثـراً!
لكنها استهدفت الإنسان الخيال الذي لا وجود له في واقع الحال!
ولذلك ستبقى نظريات البشر حول الإنسانية أموراً نظرية، وسيبقى البشر واقعاً عملياً يخالف التنبؤات النظرية.. ذلك لأن البشر كائن متغير القيمة، ذاتي القرار والأفكار، أبعد ما يكون عن الإنسان المثال السابح في الخيال!
12- من المفارقات أن يكون الناطقون باسم الإله هم أكثر الناس استعداداً نفسياً لاحتقار غيرهم، وسوء الظن بهم؛ وهم الأكثر قبولاً وممارسة للكراهية والعداء؛ وهم الأكثر جرأة على إزهاق الأرواح البشرية!
ورغم أنه لا يوجد على الأرض بشرٌ إلا الذين أراد الله وجودهم!
إلا أن جُلّ أتباع الأديان يكرهون ويقتلون البشر تقرّباً بدمائهم لخالقهم، أو تنفيذاً لأمرٍ صريحٍ منه كما يزعمون!
فكأنهم يقولون إن الله قد سمح بوجود بشرٍ من درجةٍ دنيا، ثم هيأ بشراً من درجة أعلى، وجعل سنام عبادته في قتل البشر من الدرجة الدنيا!
لا ينبغي للعاقل أن يتجاهل تساؤلات عقله!
الإنسان مكلفٌ ومسئول لأنه عاقل؛
إذن، العقل هو شاهد الله على الإنسان.
والجاهل من تجاهل عقله وتعصب لهوى النفس ورغبات الذات.
الله لا يعاقب الجاهل لأنه لم يطعه ولم يعبده.. فالعبادة وسيلة للمخلوق لا غاية للخالق، .. العبادة أساسها الخوف من العقاب والطمع في الثواب!
فلو شاء الله لتساوى خلقه في عبادته!
الله يعاقب الجاهل لإفساده في الأرض بخروجه عن الفطرة التي يتساوى فيها البشر وتسير وفقها الحياة.
13- المؤمن لا يختلف عن غير المؤمن إلا ظاهراً!
المؤمن لا يمتلك دليلاً على صحة إيمانه، ولا يمكنه الجزم بقبول عمله عند الله؛ ولا ضامن لنجاته وهلاك من سواه.. ومع ذلك فهو يدعو غيره ويعاديهم ويحاربهم من أجل أن يقتدوا به ويؤمنوا مثله!
المؤمنون بشر صدّقوا بشـراً مثلهم، وآمنوا بما قيل لهم؛ ولم ير ولم يطلب كل واحدٍ منهم برهاناً بمفرده !
وما دعوتهم لغيرهم إلا ليطمئنوا هم لصحة إيمانهم، وما معاداتهم لسواهم إلا لأنهم جاهروا بتكذيبهم وليس لأنهم لم يؤمنوا حقيقةً.
الإيمان مقره القلب، واللسان ناطق به، وهو قادر على التزوير فيدعي أن بالقلب ما ليس فيه.. وهذا أقصى ما يمكن أن يحصل عليه دعاة الإيمان من غيرهم عند إجبارهم على الإيمان!
14- لم يخلق الله البشر ليقتتلوا من أجله! تلك أفعال البشر وأوهامهم.
لو شاء الله لجعل الناس أمة واحدة مؤمنة!
الله أمر الناس أن يتدبروا آياته في الكون، ولم يجعل بعضهم وصيّاً على آخر!
غضب المؤمنين وعداؤهم لغيرهم هو بسبب البرهان الذي يطلبه غير المؤمنين ولا يمتلكه المؤمنون!
مأساة غير المؤمن هي أنه إنسان منبوذ محتقر في نظر المؤمنين دون أن يعرف ذنبه!
ربما كان ذنبه أنه إنسان واقعي، احترم عقله وتمسك بقناعاته وحريته في الاعتقاد، وطلب حجة يفهمها عقله ويطمئن لها قلبه!
القول بأن الملحدين أو الكافرين يعرفون وجود الله، ويدركون حقيقة البعث والحساب، ويعلمون بأن المؤمنين على حق، ولكنهم يكابرون ويتجاهلون الحقيقة عمداً، فيعادون الله ولا يخافونه.. هو عبث فكري وسخف ثقافي وتفاهة لغوية، وقول لا عقلاني لا أرضية له.. تعوزه أبسط مقومات الموضوعية والحكمة والمنطق والواقعية!
لأن وصفَ الإنسان بأنه يدرك ما ينبغي عليه فعله لينال السعادة وينجو من العقاب.. ولا يفعله؛ هو وصف لذلك الإنسان بأنه مجنون.. غير عاقل .
ومن كان كذلك فلا تجب دعوته ولا تجوز معاقبته ولا تصح معاداته فضلاً عن محاربته!
15- المؤسسات الدينية أساءت إلى الدين وإلى العقل دفعة واحدة، عندما ظن رجالاتها بأن التفكير في الإيمان مفسدة!
فمنهم من منع ومنهم من كفر وحرم كل سؤال لا يمتلك هو جوابه، كأن عقولهم ومعارفهم هي نهاية المطاف!
المؤسسات الدينية هي أفكار ونظريات بشرية وليست أشخاصاً بعينهم وليست هي رسالات الله لخلقه.
هي نظريات قامت على افتراض أن الناس ينقسمون إلى أربعة أصناف.. حكام، وحكماء، وكفار، وجهلاء؛ ومن ليس من أولئك فهـو من هؤلاء!
لم تترك تلك النظريات مجالاً لصنفٍ خامسٍ من البشر!
ومن أجل تحقيق النظرية وتطبيق أفكارها، اضطر صِنفا الحكام والحكماء – المفترضين – إلى تحالف غير معلن، لمحاربة الكفار وقيادة الجهلاء .. المفترضين!
الكفار هم الأحرار من البشر الذين لم يعترفوا بأنهم جهلاء، فلم يقدّسوا الحكماء ولم يقدّموا للحكام مقتضيات الطاعة وواجبات الولاء.
والجهلاء هم أولئك الأغلبية الغافلون الذين يشكلون خطراً على أسرار النظرية.. إذا امتلكوا الحرية!
نظرية المؤسسة الدينية تقوم على أساس كسر إرادة الإنسان وإخضاعه ظاهرياً!
فهي لا تشترط قناعة الإنسان بما يفعل وما يقول، بل تكتفي بأن ينطق الإنسان بما يملى عليه!
فالمؤسسة الدينية لا تمتلك الآلية ولا القدرة للتحقق من سلوك وممارسات الإنسان المحسوب عليها.. شأنها في ذلك شأن المؤسسات العسكرية في العالم الثالث!
فكلتاهما تهتم بأعداد الأتباع وخضوعهم الظاهري لها.. لا بحقيقة ولائهم.
كلتاهما تستعمل ذات المدخل وذات نقطة الضعف لدى جل البشر.. حب الحياة ووهم السعادة!
فتهديده بالموت أو ترهيبه بالتعذيب كفيل بمنع الإنسان من التفكير بصـوتٍ مسموع!
الممارسون للوصاية الفكرية باسم المؤسسات الدينية يزعمون الاعتقاد بأن الله قد كرم كل بني آدم دون استثناء، وفضلهم على كثير من خلقه.
ويشاهدون ذل الفقر والضعف يفتك بالناس.. ولا يحركون ساكناً، ولا يجدون لذل المكرمين تفسيراً!
بل هم أول من يحتقر المخالفين لهم في الرأي.. دون اعتبارٍ لكرامة الإنسان التي يزعمون الإيمان بها!
16- لو أن المؤسسات الدينية قامت من أجل توعية الناس إكمالاً لرسالات الرسل، إذاً لاقتدت بالرسل ولاكتفت بإنذار الناس بعذاب الله وتركت عقاب المخلوق للخالق كما فعل الرسل، وكما أمر الله في كتبه!
لكن المؤسسات الدينية نشأت واعتمدت في بقائها على واقع جهل افتراضي لدى الناس، وعلى افتراض أن رجالاتها حكماء وموكلون بقيادة الجهلاء.
فخلقت بذلك في نفوس الناس هوة مرعبة بينهم وبين خالقهم وأمور دينهم!
ففي حين تتضارب الفتاوى وروايات الأحاديث والتراث بما يطرح تساؤلات لا يخطئها إلا جاهل أو متجاهل، .. نجد المؤسسات الدينية تتوعد الناس بالويل والثبور وعظائم الأمور إن هم صدّقوا هذه الرواية البشرية أو كذّبوا تلك الرواية البشرية!
فأضحوا يمارسون الوصاية الفكرية على غيرهم كما لو كانوا كباراً بالغين وغيرهم صغاراً قاصرين!
ويتجاهلون أن الرسل قبل أن يصبحوا رسلاً كانوا قد عاشوا حيناً من الزمن بين أقوامهم .. لا يتبعهم ولا يقتدي بهم ولا يقلدهم الناس، ولم يطلبوا هم ذلك حينها!
رغم علمهم وحسن سلوكهم وحكمتهم ودرايتهم بما سبق من الرسالات!
لقد انتظروا حتى تم تكليفه مباشرة وبشكل شخصي، بنقل رسالة كما هي!
فهم نفذوا أمرًا ونقلوا خبرًا، ولم يتطوعوا من تلقاء أنفسهم لدعوة الناس إلى ما يظنون أنه الحق!
إن الخالق أكبر من أن يعاقب ضعيفاً . والمخلوق أقل من أن يغضب خالقه أو يرضيه !
فإذا كان أتباع كل رسول يعتقدون بأن رسولهم يمتلك حق الشفاعة، وأنه سيشفع لهم عند ربهم، وينقذهم من عذاب مستحق!
فإنّ كل الناس هم عبيد الله وخلقه الضعفاء وإن ضلوا وإن أساءوا، ولهم أن يطمعوا في رحمته التي وسعت كل شيء.