الحقيقة البشرية بين الفطرة والمنظومة الأخلاقية!
الفطرة باختصار هي الغريزة المعنوية..، أي هي التلقائيّة الطبيعيّة التي تبني القناعات والسلوك لدى الكائنات الحية؛ وليست التلقائية الناجمة عن التلقين والتوجيه والإكراه والتدريب أو غيرها من أساليب صناعة القناعات!
فإذا كانت الغريزة هي المَلَكة التي تُحدِّد احتياجاتنا وطريقة تلبيتها دون تجربة سابقة، فإن الفطرة هي الملكة التي تُحدد قناعاتنا وميولنا دون تجربة سابقة! الفطرة هي تلك المَلَكَة الطبيعية التي تُحدِّد فعل وردَّات فعل كل الموجودات الحية – القادرة على الفعل والمضطرة للفعل – ابتداءً؛ أقول ابتداءً، أي قبل أن يُدرِك الكائن الحي ضعفه وحاجته للآخرين، وقبل أن يضطر لممارسة الخداع والامتثال للخوف والجُبن، وقبل أن يقع تحت تأثير البيئة وتعدد الخيارات وضرورات الاختلاف وإملاءات القوة وغيرها!
والحقيقة البشرية المقصودة هنا، يمكن أن يُمثلها مفهوم الوعي، أو ما يُعرف اصطلاحاً بالعقل..، تلك القوة أو المَلَكَة الطبيعية التي بفقدانها تختفي القواسم المشتركة التي تربط البشر التقليديين ببعضهم! - المقصود بالمنظومة الأخلاقية هي صناعة القناعات..، أي تلك الضوابط السلوكية الإلزامية التي تضعها النُخب وقيادات الجماعات البشرية باسم دين أو باسم قِيَم إنسانية افتراضية أو غيرها..، لتحديد حقوق وواجبات الأفراد، وليس لتحقيق أخلاق حميدة لديهم، فالأخلاق لا تُفرض من الخارج، إنها إما أن تكون جزءًا من كيان وشخصية الفرد إراديًا أو لا تكون!
ومن ذلك الصِدق، فكل البشر يمتدحون الصِدق كما يمتدحون المالَ، لكنهم يسعون لامتلاك المال ولا يسعون لامتلاك الصِدق، ولا يُمكن جعلهم صادقين إن لم يكونوا كذلك! فما هو هذا العقل الذي باسمه وبسببه تُحدَّدُ السلوك وتُفتَرَضُ الأخلاق، وما هي الفطرة البشرية، وما المنظومة الأخلاقية، وما العلاقة بين أطراف هذه الثلاثية!
ما هو العقل؟
تُسنُّ القوانين وتوضع العقوبات وتُنفَّذ في المجتمع البشري، بسبب الاعتقاد بامتلاك الإنسان آلية لضبط السلوك- اسمها العقل، يُفترض أنه مُهيمنٌ ومسئولٌ عن السلوك والممارسات والغرائز، وهو بذلك مسئولٌ عن قرارات الإنسان- فعلاً وامتناعاً! بينما في واقع الحال ليست هذه المعادلة دقيقة، فالعاقل وغير العاقل كلاهما يقول ويفعل، وكلاهما يمتنع عن القول والفعل.. أي أنه لا علاقة للعقل بقرارات الفعل وعدم الفعل ابتداءً! كما أن وجود العقل ليس شرطاً لفعل الصواب، وليس غيابه سبباً لفعل الخطأ-، خاصة في ضوء حقيقة انعدام وجود معايير قياسية كونية أو وجودية أو بشرية، تُحدِّد الصواب من الخطأ، والحق من الباطل!
ما هي الفطرة البشرية؟
هل يوجد شيء اسمه الفطرة! وهل توجد فطرة سليمة وأخرى غير سليمة! وما الذي يمكن أن يؤدي إلى تلوث الفطرة- أو انحراف الإنسان عن الفطرة السوية! هل سلامة الفطرة، تعني عدم اختلاف البشر؟ أم أنه يمكن أن تكون الفطرة سليمة، وفي ذات الوقت مختلفة من إنسان لآخر، وأنه بسبب ذلك تنتج الاختلافات والخلافات بين البشر! أم إن سبب الاختلافات هو سلامة الفطرة لدى بعض الناس واعوجاجها لدى البعض الآخر..، وأن الخلافات تنجم وتنشب الصراعات، بسبب اعتقاد كل طرف بسلامة فطرته، وجزمه باعوجاج فطرة الآخر! ثم ما هي المعايير القياسية للحكم على الفطرة وتحديد انحرافها من عدمه! وهل توجد مرجعيات وآليات لضبط الفطرة وإعادتها إلى رُشدها!
ما هي المنظومة الأخلاقية (الأخلاق الحميدة)؟
هل المنظومة الأخلاقية حدث أم أزل – بالنسبة لوجود الإنسان-، وما علاقتها بالفطرة البشرية! إذا كانت المنظومة الأخلاقية لا تتعارض مع العقل والفطرة السليمة، فلماذا يتم فرضها على البشر، ولماذا هذا الإجماع البشري – منقطع النظير -على خرق المنظومة الأخلاقية والعبث بها عند أول فرصة..، حيث تنتشر الفوضى منذ اللحظة الأولى لتعطيل القانون أو العجز عن تطبيقه.. في أي مجتمع بشري!
العقل..
إننا نتحدث عن العقل، مع إدراكنا أنه لا يوجد شيء مُحدد بذاته، يمكن وصفه، يحمل اسم العقل..، إن كل ما هنالك هو افتراض حدٍّ أدنى من السلوك البشري المشترك، اصطُلِح ثقافياً وتاريخياً على استعماله لوصف الإنسان بالعاقل أو غير العاقل..، والحقيقة أن العقل في هذه الحال، يكون هو ذات الإنسان ووعيه..، أي هو إدراك الإنسان لما يقول ويفعل، وقدرته الطبيعية على استحضار تجاربه، وتصوره لنتائج أفعاله قبل حصولها..، وهو ما ينبغي أن يكون لإبراز هوية الفرد وتأكيد وتحقيق خصوصية الذات – لا لإرضاء الآخرين والتكيُّف مع المختلفين..، فاختلاف السلوك أمرٌ طبيعي بين إنسان وآخر – كما هو بين أي كائن وكائن آخر، وهذا الاختلاف هو مُحدِّد الهويات ومحقق الذوات..، وبذلك يُصبح من العبث القول بمساواة البشر، وتكون محاولة مساواة سلوكهم مساساً بكرامتهم الطبيعية المفترضة..، ويُصبح تشريع تصويب سلوك الإنسان إقراراً بتشوهه عقلياً، وإذا صحَّ ذلك فلا حرج على المشوَهين، ولا معنى لإصلاحٍ تعددت واختلفت وتعارضت واختُلِقت معاييره، فالإصلاح حينها يُصبح تحويلاً للإنسان من حالة مشوَّهة إلى أخرى مُختلفٌ عليها ومطعون فيها!
بالنتيجة.. العقل ليس عضواً أو جزءاً من الإنسان، يَفسدُ ويمكن إصلاحه دون المساس بالذات- كما يتم إصلاح أعضاء الجسد وحواسه..، بل العقل هو جوهر الذات، والطعنُ فيه طعنٌ في خصوصية الذات وهوية الإنسان، والتأثير عليه تلويث لها..، وإذا جاز لنا التشبيه، نقول إن تغيير عقل أو وعي الإنسان بواسطة الأيديولوجيات، هو كتغيير جنسه بواسطة الهرمونات..، فكلاهما تغيير لجوهر وصورة الذات!
بينما تغيير العقل- المتمثل في زرع المعتقدات وتغيير المبادئ والقناعات- فهو خارجي المصدر، عشوائي النتائج، ضبابي الأهداف والخيارات – حيث لا معيار للعقل والرُشدِ في ظل اختلافات كل البشر- أفراداً وجماعات! وفي كل الأحوال، فإنه إذا جاز تشريع الطعن في مصداقية عقل إنسان- قياساً إلى عقل آخر، فإن ذلك تشريعٌ بجواز نفي خصوصية الذات، ورفعٌ للمسئولية عنها، وتكذيبٌ صريحٌ لمبدأ تكليفها! إذ إن القول بوجوب طاعة- أو حتى بجواز إتِّباع- إنسان لإنسان بحجَّة فارق المعرفة، هو تشريعٌ لكل سلوكٍ يمكن أن ينجم عن فارق المعرفة..، فليس التابع مؤهلاً لتقييم واختيار المتبوع!
هل يمكن تعطيل الوعي (العقل)، أو إقناع العاقل بفعل ما لا يَعقِلُه؟
الإجابة المختصرة: نعم! فحيث إنه لا علاقة للعقل أو الوعي باتخاذ قرار الفعل وعدم الفعل- كما قلنا سلفاً وكما نعلم جميعاً- فالعاقل وغير العاقل كلاهما يفعل وكلاهما يمتنع عن الفعل؛ وحيث إن وظيفة العقل أو الوعي، هي استعمال رصيد التجارب في حساب النتائج، وانعكاس ذلك أو تأثيره على اتخاذ القرار، لذلك فإنه من الممكن جداً- حين يحصل التواصل ويختلف حجم ومجال التجارب-، أن تتأثر حسابات البعض بتجارب غيرهم..، أو أن يستعمل البعض تجاربه للتأثير على حسابات غيره، فيُقنعه بنتائج محتملة يتخذ على أساسها قراراته..، ويُسمَّى حينها المؤثر مُلهِماً، ويُسمَّى المتأثر تابعاً أو مُريدا!
الفطرة..
بقدر ما يختلف البشر حول تحديد ماهية الفطرة وتعريفها..، بقدر ما يحتكمون لها، ويُجمعون على أصالتها، ويتفقون على أنها المرجعية الطبيعية لتحديد الحقوق والواجبات، وفرز الصواب من الخطأ..، بمعنى أنه لا خلاف على صواب الفطرة، ولا اتفاق حول تعريفها! وهذه المفارقة التي تُظلل مفهوم الفطرة، أوجدت منطقة فكرية مضطربة حولها، اختلط فيها الخطأ المبرر بالصواب غير المبرهن..، مما جعل الفطرة بمثابة المرجعية المجهولة للنظريات المرفوضة!
المنظومة الأخلاقية..
على النقيض من الفطرة..، فبقدر ما يتفق البشر حول تعريف ووصف المنظومة الأخلاقية..، بقدر ما يُشككون في أصالتها ويرفضون الالتزام بها عملياً- وإن تظاهروا بغير ذلك تحقيقاً لمصالح أو درءًا لعواقب. وجدير بالذكر هنا، أن سلوكيات أساسية في حياة البشر كالصِدق والأمانة والشفافية…، تقع خارج المنظومة الأخلاقية، وذلك لافتقاد الأخيرة للآلية التي تُحقق أو تراقب هذه السلوكيات الحميدة..، ولذلك نجد أن الكاذبين والمراوغين مقبولون في المجتمعات التي تعتمد المنظومة الأخلاقية كأساس للحياة الجَمَاعية..، ويكاد يتم اختزالها في تقنين ممارسة الجنس، وتحديد ما ينبغي وما لا ينبغي للفرد ارتداؤه من ملابس!
كيف يمكن استعادة الفطرة البشرية؟
حيث إنه لا يوجد شيء محدد بذاته اسمه الفطرة البشرية! وحيث إن الفطرة ليست سوى البدايات الطبيعية للأشياء- ومنها السلوك والميول والأفكار البشرية! لذلك فإن محاولات استعادة الفطرة التي كُتب لها النجاح بدرجاتٍ عالية، واقتربت بإنسان اليوم من إنسان الفطرة، هي تلك المحاولات التي لم توجه إلى الإنسان- مكمن أسرار الفطرة، وإنما تم توجيهها لضرب وإيقاف المؤثرات الخارجية التي تحول دون ظهور الفطرة على سلوك الإنسان..، ففضحت التقديس الزائف الذي كان يحظى به رجال المؤسسات الدينية، وحظرت ممارسة الوصاية الفكرية تحت أي مُسمّى وأي غاية، وأوقفت دروس التلقين والأدلجة الممنهجة التي كانت تُمارس على الإنسان تحت شعار الدين والرب والثقافة والعِرق والمصلحة العليا، وطرحت كل الخيارات أمام الإنسان لتحديد اختياراته بحرية تامة..، فأوجدت بذلك المناخ المناسب لظهور ونمو السلوكيات والأفكار الفطرية!
مراسلات القراء
اترك أثرَك هنا — فالنصوص تكتمل بقرّائها
إرسال تعليق