الكون الازلي والوجود و حقيقة فرضيّة واجب الوجود !
هل الصياغة الصحيحة للسؤال حول مفهوم الكون والوجود، هي: 1- كيف ظهر الكون إلى الوجود؟ أم 2- كيف ظهر الوجود في الكون؟
التمييز بين المكونات والحدث
نقول: ظهرت أمريكا إلى الوجود كأمة وكقوة عظمى — على الرغم من أن كل مكوناتها كانت موجودة أصلاً قبل ظهورها، لكنها لم تكن كافية لوجود أمريكا كحدث. وهنا: الحدث = الوجود = التقاء عوامل بمكونات. فالوجود لا يعني نشوء المكونات ولا يسبقها، إنما يأتي في مرحلة تالية لها، ليعكس كيفية وطبيعة وصورة اتحادها وتشكلها. نقول: اختفى الاتحاد السوفيتي من الوجود — على الرغم من أن كل مكوناته ما تزال موجودة. ونقول: لا يوجد سلام في العالم، على الرُغم من أن كل مكوناته ودوافعه موجودة.
تحليل الصيغة الأولى: كيف ظهر الكون إلى الوجود؟
الفرضية الأولى: أن الكون لم يكن معدومًا، إنما كان غير موجود، أي أن مكوناته كانت موجودة لكنها لم تكن متحدة مع عوامل وجوده، ثم "اتحدت"، فبرز وتشكل وظهر الكون إلى حيز الوجود. وفي هذه الحال، يكون القصد من السؤال، هو كيفية اتحاد عوامل ومكونات الكون. والسؤال بهذا المعنى، يُعتبر ما تطرحه نظرية الانفجار الكبير جوابًا له.
نقد فرضية الانبثاق من العدم
ولكي يتم البناء على فرضية العدم هذه، ينبغي أولاً القبول باحتمال الانبثاق عن العدم المطلق، والحال أن هذا الاحتمال غير وارد وغير مقبول منطقيًا ولا واقعيًا، ولا يمكن تصوره، والأهم أنه لا معنى لافتراضه بعد أن ظهر الكون إلى الوجود. فالقول بأن ما قبل ظهور الكون كان عَدَمًا، يعني بالضرورة استحالة نشوء الكون؛ وظهور وتواجد الكون يعني بُطلان فرضية العدمية المسبقة.
وحتى لو قال أحدهم لعل الإله قد خلق الكون بأمر باطني (نِيَّة أو إرادة) بدون كلام ولا صوت مسموع، فالأمر سيان، إذ لا يصح اعتبار نِيَّة أو أمر أو إرادة الإله عدمًا. والمؤمنون بالإله لا يعرفون مواصفاته، لذلك هم يقولون بأن الإله ليس كمثله شيء، وهذا يعني أنه لا يحق لهم منطقيًا أن يعتبروا كلامه أو صوته أو أمره أو نيته أو إرادته، كمثيلاتها عند البشر، ليقولوا بأنه خلق الكون من عدم. فلا أحد من البشر يعرف ماهية وطبيعة ومادة الكلام أو الصوت أو الأمر أو النية أو الإرادة لدى الإله، والتي خُلِق منها أو بواسطتها الكون. وبالتالي لا يحق لأحد القول بأن الكون قد خُلِق من عدم — استنادًا إلى معتقد ديني.
خلل بنية السؤال الأول
مفهوم الوجود — بحسب الفرضيتين "أ، ب" — يُشير إلى صفة التمظهر التي صار عليها الكون كله. وهذا الفهم لمعنى الوجود (أن الوجود = الكون كله) يتطلب الإلمام بشكل وحدود الكون — لكي يكون السؤال واقعيًا —، وهذا الإلمام غير متحقق لنا، مما يعني وجود خلل في بُنية السؤال من الأساس. فلا معنى لسؤالنا عن كيفية تشكل شيء نحن لا نرى شكله ولا نحيط بحدوده.
الصيغة الثانية: كيف ظهر الوجود في الكون؟
وهنا نقول إن الفلسفة التي تعتبر مفهوم الكون مرادفًا لمفهوم الوجود، أو التي تعتبر الوجود صِفة للكون، قد اضطرت إلى استحداث مفهوم الفضاء الكوني، للتعبير عن حيِّز يحتوي الكون. والمنطق يقول، إنه لا حاجة لاختلاق مفهوم الفضاء الكوني المفصول عن مفهوم الكون، فالكون هو كل شيء وكل لاشيء وحسب. إنه لا يستقيم أن نقول: نحن موجودون في الوجود، ذلك لأننا جزء من الوجود. لكن يستقيم أن نقول: نحن موجودون في الكون، فالوجود هو كل ما هو موجود ومرصود في الكون.
إعادة صياغة السؤال
وحينها تكون الإجابة — من وجهة نظري: أن الكون هو ما يتراءى للوعي، بعين المنطق، فيما بعد أُفق الخيال. وأن الوجود هو مجموع ما يتبدى للوعي والإحساس، فيما دون أُفق الخيال. وبالمقارنة يمكننا القول: إن الوجود بالنسبة للكون، هو كالواقع بالنسبة للوجود. وإن الكون بالنسبة للوجود، هو كالمكان بالنسبة للواقع.
الكون والوجود: المطلق والنسبي
كل موجود هو حدث بالنسبة للوجود، والوجود بجملته حدث بالنسبة للكون. عندما نقول الكون فنحن نتحدث عن المطلق واقعيًا، المحدود منطقيًا. وعندما نقول الوجود فنحن نتحدث عن النسبي منطقيًا، اللا محدود واقعيًا. الوجود هو شيء قابل للرصد، لكنه مرصود جزئيًا، بسبب محدودية قدرة الإنسان على الرصد. رصد الوجود، يعني الإدراك والإلمام الواعي بكل ما هو موجود.
الذات والآخر: شروط الإدراك
إن الذات لذاتها كون، ولغيرها وجود. لا تُدرِك الذات وجودها إلا بوجود غيرها — ماديًا وقيميًا. عندما تتصور الذات الواعية، وجودها بمعزل عما حولها، فهي إنما تتصور ذاتها كجزء من الكون لا من الوجود، وهذا أمر ممكن نظريًا وفلسفيًا، لكنه غير واقعي بالنسبة لمفهوم الوجود. تحتاج الذات إلى وجود غيرها، لتنتزع منه الإقرار بوجودها، فتقييم الوجود والإقرار بوجود الموجود، يكون من خارجه لا من داخله، إذ لا يكون وجود الشيء قائمًا إلا وهو منسوب لوجود شيء آخر مُدرِك له، ولا شيء موجود لذاته إلا الكون — كوحدة واحدة أزلية أبدية لا محدودة.
الهوية وطرق التعبير عن الوجود
مفهوم الوجود بشكل عام، يُشير إلى الأشياء الموجودة خارج الذوات، والممكن إدراكها ماديًا أو إدراك تأثيرها. ليس فقط الكائنات الحية، بل كل الموجودات، لا بد لها من امتلاك هوية تُمكِّنها من التعبير عن وجودها، وتُثبت إدراكها لوجود غيرها — لكي تكون موجودة. الشكل الظاهر والأثر المحسوس للمادة والطاقة، هي عناصر الهوية العامة للموجودات. ردة الفعل الطبيعية المختلفة من معدن لآخر ومن مادة لأخرى، تجاه الحرارة والكهرباء والتصادم، هي بعض وسائل التعبير عن الهوية وإثبات الوجود لدى تلك الموجودات.
الوجود المرحلي والعودة إلى الكون
تحت سقف الكون كل شيء محتمل، وتحت سقف الوجود لا شيء إلا المُدرَك المرصود. الوجود بالنسبة للإنسان، هو الجزء المعلوم له من الكون. والكون بالنسبة للإنسان ولغير الإنسان، هو الوجود مضافًا إليه المجهول. كل شيء باقٍ على حاله الآن، لا يتغير، فهو جزء من الكون وليس جزءًا من هذا الوجود الآني المرحلي. فالتغيُّر والتحول والحضور والغياب، صفات أساسية في الوجود. كل شيء حادث، وخاضع لقوانين الطبيعة، هو جزء من الوجود. والتفاعل مع المحيط، تأثيرًا أو تأثرًا، هي من أهم معالم الوجود وصفات الموجود. ولذلك يمكن نزع صفة الوجود عن الموجود — نظريًا، لكن لا يمكن نزع صفة الكينونة عن أي شيء — موجود أو غير موجود.
تشبيه الأرض والمزرعة
يمكن تشبيه الكون بالمكان بالنسبة للوجود، لكن طبيعة الكون ووظيفته وعلاقته بالوجود، تجعله أكبر من أن يكون مجرد مكان. أعشاب طبيعية، تنمو على أرض مزرعة، هي جزء من الوجود طيلة بقائها قائمة، وهنا يمكن اعتبار أرض المزرعة بمثابة الكون والمكان بالنسبة للأعشاب. لكن أرض المزرعة ليست كون، بل هي مجرد مكان بالنسبة لمبنى يقام عليها. يمكن للكون أن يقوم دون وجود، لكن لا يمكن للوجود أن يقوم إلا على الكون.
الموت كعودة إلى الكون
لكن الطبيعة الأزلية للدقائق البنائية — أي طبيعة البقاء والديمومة لدى الوحدات البنائية للتكوين، تستوجب بقاءها حُرة، واتحادها الذي به تبلور الوجود يُفقدها تلك الحرية، أي أنه يُفقدها القدرة على الكينونة الدائمة. ولذلك هي تعمل باستمرار وبشكل تلقائي على استعادة تحررها، أي أنها تعمل باستمرار على العودة إلى حالتها الأولية، أي إلى صيغتها الكونية؛ ويتحقق ذلك بانفصالها عن بعضها، وذلك يعني بالضرورة الغياب الظاهري للشيء الذي وُجِد باتحادها.
الحد الأقصى للوجود
إن كل موجود، لا بد له من أن يحتوي على قارئ طبيعي (حاسب آلي)، يحسب له الحد الأقصى الممكن لوجوده، أي الحد الأقصى لقدرة مكوناته على البقاء متحدة — أي البقاء على غير صيغتها الكونية. الحد الأقصى لوجود الأشياء نسبي، يعتمد على العلاقة بين مكوناتها، والعلاقة تعتمد على طبيعة المكونات وظروف الوجود، ومدى قدرتها على البقاء في حالة استثنائية، وهي حالة الوجود.
مراسلات القراء
اترك أثرَك هنا — فالنصوص تكتمل بقرّائها
إرسال تعليق