"Gods are reasonable enough to avoid interference with human life and stay out of the way"
— أنا
"الآلهة كائنات عقلانية كفاية لتتجنب التدخل في الحياة البشرية ولتبقي نفسها بعيدًا"
عندما تتجه قواك العقلية نحو الإلحاد، وتصبح ملحدًا، فإنك تمتلك آنذاك مبررات تلقائية لتجد أن كل شيء، في نهاية الأمر، يخلص إلى نتيجة مفادها: لا يوجد إله. أغلب اللادينيين والملحدين — مثلي — يتكبدون عناء إثبات عدم وجود الإله، ويرددون بعض الأقوال المأثورة التي عفا عليها الزمن، ظنًا منهم أنهم أحد هؤلاء الذين لم تنجب البشرية سواهم. وعندما يسألهم أحدهم: "لماذا أنت ملحد؟" يأتي ردهم قائلين: "حسنًا، إنها سلسلة أحداث تسببت في رفضي المطلق والكامل للإيمان؛ أسباب عقلية وأخرى علمية، وربما نفسية."
ناهيكم عن الأسباب التي يرددها كل ملحد ويدور في دوائر مفرغة، وحين ينضب جيبه يعود ليثبت إلحاده — فقط — بنظرية التطور. لكن الذي لا يراه الملحد — كما هو الحال معي — وغيره، هو أن لا فرق بين هذا الإلحاد وبين الدين. على العكس، إنه مجرد نوع آخر تمخض عن إيمان سابق ليس إلا.
فإلحاده قائم بشكل أساسي على حجة مصاغة من قبل، بخلاف ما يندرج تحت هذه الحجة. أي أن الملحد يقول: "ليس هناك دليل على وجود الإله". لكن مهلاً، هو لا يمتلك دليلاً على أنه ليس هناك إله! وهو في الحقيقة لا يجب عليه امتلاك واحد. على أي حال، هو يقبل جانبًا آخر مضادًا للدين، لكنه في النهاية فضّل أن يكون الإله غير موجود على أساس الإيمان!
ماذا يعني هذا؟ إن كنت تظن أن هناك إجابة مباشرة في نهاية هذا المقال، فتوقف عن القراءة الآن.
كل ما أريده هو وضع خط أحمر أسفل شيء ما. المشكلة هنا تكمن في أن الملحد — كما هي حال الغالبية العظمى — يعتقد أن عدم الاعتقاد في وجود الإله هو نقطة انطلاق منطقية ومبررة، وأن هذا العدم (الإيمان) قد نتج عن أن الإله لم يثبت وجوده. وبقول آخر: إن المؤمن والملحد يبدأ في اعتقاده على صحة موقف ما (دون دليل)، فيتخذ قرارًا ما. هذا القرار يستند على الإيمان بخلاف أي اتجاه يتّبع.
فكل حجة تُستخلص من الدين ضد وجود الإله لإثبات الإلحاد، أو تلك التي تُستخلص من الإلحاد لإثبات صحة الدين، هي في الحقيقة — منهجيًا — ليست دقيقة. لأن المعتقدات | الأفكار الصحيحة هي تلك التي لا تعتمد على تبرير | خطأ المعتقدات الأخرى.
فحجة دينية إيمانية مثل: "الإلحاد ليس لديه منهج أخلاقي" — إذًا: الإلحاد لا يمكن أن يكون معتقدًا إنسانيًا. أو: "الإلحاد هو اعتقاد أن الحياة عبثية" — إذًا: الدين هو الأفضل كي يستمر الجنس البشري. أو: "الإله قادر على فعل أي شيء، ولو كان هناك إله ما ترك البشر يعانون" — إذًا: ليس هناك إله.
إن هذه الحجج ليست غير منطقية فقط لأنها تعتبر مغالطات منطقية كالتي يستخدمها الدين كما في المثال السابق (Appeal to Morality — التماس الأخلاق)، أو تلك التي يستخدمها الإلحاد أيضًا (Affirming the Consequent — تأكيد النتيجة)، بل لأنها تعتمد بالضرورة على تبرير رفض المعتقدات الأخرى، وليس على مبررات خارج نطاق المعتقد الآخر أو مستقلة بذاتها.
إنهما وجهان لعملة واحدة. كلاهما يفترض أسباب صحة ما يعتقده ويستخدمها كنقطة أولية لموقفه ثم ينطلق منها. الإله لا يجب عليه أن يسلم نفسه ويغلق عينيه ويجيب لكل صلاة تتلوها، وإن لم يفعل فهو غير موجود! الإله لا يجب عليه أن يخلق البشر كآلات مبرمجة على فعل شيء ما كي يختفي الشر، ووجود الشر لا يعني أنه ليس هناك إله. على الجانب الآخر، لا يجب علينا الذهاب إلى السماء السابعة على متن سفينة فضاء للتأكد من أنه ليس هناك إله في الأعلى.
إن الدين والإلحاد (كمنهج معين) يعتمدان على الإيمان لإثبات صحتهما. فالدين لا يقدم أدلة منطقية، بل إنه لا يوضح أبسط الأساسيات التي يجب أن تتوفر كي يعتقد المرء في أنه يمكن أن يكون صحيحًا. فعندما يتم وضع تعريف كافٍ وواضح للإله، حينها يمكننا — وبناءً على الاختبارات التجريبية والمنطقية — التأكد مما إذا كان موجودًا أم لا! لا علاقة للإيمان بوجود الإله أو عدم وجوده!
فالدين ليس ذلك المنهج الذي يوضح نفسه، بل هو يجعلك تؤمن بوجود الإله بناءً على الإيمان السابق، أي أنه يستخدم إيمانك ليزيد الإيمان لديك، لتجد نفسك في النهاية مؤمنًا بوجود كائن ما لا تعرف كيف يبدو!
على الجانب الآخر، فإن الإلحاد اتخذ من تلك الصفات التي يصف الدين الإله بها، أي أنه يفترض ويسلم بذلك التعريف الذي وضعه الدين للإله بطريقة معينة. فالإله يتميز بأنه كذا، ولكن هذا ليس له وجود مادي في واقعنا المادي — إذًا الإله غير موجود. كل ما يفعله الإلحاد هو مسايرة الدين في افتراض وجود إله بصفات ما، ثم يدحض وجود إله بتلك الصفات. ربما لا يمكننا أن نطلب من الإلحاد أكثر من ذلك، لكن في نهاية الأمر هو لا يستقل بذاته ولا يثبت صحته بغير ما يوجد في معتقدات أخرى — كالدين.
ولكن: لماذا يجب علينا أن نصنف ضمن هذين الصنفين؟ لماذا يجب أن يختار المرء بين الدين بفروعه وباختلاف أنواعه، والإلحاد وكل ما يندرج تحته؟ لماذا وإلى متى يجب علينا أن نتبع ذلك النمط من الحياة الذي سبق ورسموه لنا الأسلاف؟ هل سبق وسألت نفسك لماذا يجب أن يكون هناك إله أو ألا يكون؟ وما عساي أفعل كي يحالفني الحظ في الاختيار الصحيح؟
إن كنت مؤمنًا وتظن نفسك أكثر البشر إنسانية، فكيف بك تتعبّد كل يوم، وتربط حياتك بماضيها وحاضرها ومستقبلها، بل وتتخيل أن هناك حياة أخرى لا نهاية لها، كل ذلك من أجل وجود كائن ما لا تعرف كيف يبدو؟ كيف استطعت أن توهم نفسك بأن ما تفعله هو شيء منطقي وخير في نهاية الأمر؟ كيف تأقلمت وتكيفت على عبادة إله يَعِد كل من يخالفه بالحرق الأبدي في الجحيم؟ سواء كان هناك دليل على وجود الإله أم لا، كيف يمكن لشخص أن يعتقد في وجود مثل هذا الكائن ويعبده؟ أم أن الغالبية العظمى من الناس يتأقلمون مع التفاهات ثم ينتهي بهم الحال كعبيد؟
لم لا تسأل نفسك لماذا يحتاج الإله إلى مثل هذه الأديان المختلفة، التي تحتاج كل واحدة منها إلى مجموعة من الحجج التي لا تثبت وجوده بل تبرر عدم قدرته على إثبات وجوده؟ لماذا لا يكشف الإله عن نفسه فقط؟ في الحقيقة الأمر غريب جدًا، ولا يجب أن يكون هناك شيء اسمه الإلحاد الذي هو بحاجة إلى إثبات عدم وجود الإله. إنه أمر يجب أن يترك لمن يؤمن بوجوده. وعلى الرغم من أن جميع الكتب الدينية لا يمكن الإيمان بما كُتب فيها إلا إذا تظاهرت بأنها تقول شيئًا مختلفًا.
الإلحاد الآن ليس بعيدًا أيضًا عن ذلك الأمر. في النهاية يكون الإلحاد بمثابة دين من نوع ما. تخيل معي ماذا لو سألت أحدهم: "هل أنت مسلم؟" سيقول: "لا، أنا ملحد!" كونك ملحدًا يعتبر أمرًا مماثلًا لكونك مسلمًا أو مسيحيًا أو يهوديًا أو بوذيًا! إنه نوع سلبي من الأديان.
يجب عليك في الحقيقة أن تؤمن بعدة أشياء، من بينها:
• الكون لم تخلقه أية آلهة أو قوة روحية.
• الكون مادي، ويمكن تفسيره واستنتاج قوانين فيزيائية رياضية لكل شيء.
• لا وجود لحياة بعد الموت.
كيف يمكن للمرء أن ينفي وجود الآلهة؟ بنفي صفاتهم الدينية. لكن ماذا لو كان هناك إله غير مطابق لتلك الصفات الدينية؟ ستقول: "لكن ليس هناك آلهة سوى ما تتحدث عنه الأديان!" أجل، لكن أتريد أن تقول إن الإلحاد "شيء" متعلق فقط بالأديان وما تقوله؟
هل يمكن أن يكون هناك خيار آخر بخلاف الدين والإلحاد؟ لماذا لا يمكننا ببساطة إخراج أنفسنا من تلك المعادلات الإيمانية؟ لماذا نحن بحاجة إلى من يرشدنا ويرسم لنا الطريق لنسير على خطاه؟ لماذا أصبح كل شيء إما مع أو ضد؟ أنا لا أتحدث عن اللاأدرية هنا، أنا أتحدث عن شيء آخر مختلف. دعني أقرّب لك الصورة بالمثال التالي:
تخيل أنك تمر بأحد الشوارع، وإذ بمجموعة من السماسرة يعرضون عليك شقة ما، وإذ بكل فرد منهم يصف لك تلك الشقة بصفات مختلفة، على الرغم من أنهم جميعًا يدّعون أنها نفس الشقة! ثم يأتي شخص ما ويقول لك: "إنهم يكذبون، لا يوجد شقة بهذه الصفات!" أنت لا ترغب في شراء أي شيء ولا يهمك إن كانوا يمتلكون تلك الشقة أم لا. إذاً: شكرًا لكم جميعًا، أنا لا أرغب في الشراء ولست مهتمًا بما إذا كان هناك شقة أم لا.
هذا بالضبط ما يحدث. فالأديان لا يتفقون فيما بينهم حول الإله: كيف يبدو، كيف يتصرف، هل هناك إله واحد أم أكثر من إله، هل هو شخص أم شيء، هل هو مادي أم ميتافيزيقي، لماذا يجب أن نعبده؟ ثم يأتي الإلحاد ليقول إنه ليس هناك إله. جيد.
ناهيك عن ما الذي يمكن أن تقدّمه لنا تلك الأديان. فنحن نرى كيف انتهينا، على عكس ما ادعت أنه هدفها. الوئام الاجتماعي والسلام والتنوير والأمل والتقدّم — كانت حقًا النوايا الظاهرة لوجه أي دين، لكن الآن أصبح الدين مجموعة من القواعد العمياء، الخطايا، العنف، التملك والاحتكار والفساد. إنها عقائد لا فائدة منها على أي حال.
أصبحت الأديان مجرد مؤسسة هدفها السيطرة والتمييز بين البشر على حسب الجنس والانتماء العرقي. إن جميع الأديان تقلل من شأن المرأة على أنها أدنى من الرجل. مؤسسة يمكنها أن تقرر متى تعيش وكيف تموت، وما الذي يمكنك أو لا يمكنك فعله حتى بأعضاء جسدك! مؤسسة تنتهك الحقوق، تقتل، وتنشر الأكاذيب والغش، تسرق، ليس لديها أي تعاطف تجاه من يخالفها. هذه هي حقيقة الأديان.
وحقيقتنا التي ليست بحاجة إلى إلحاد أو أديان لنكون ما نحن عليه. منذ آلاف السنين يتم غسل أدمغة الناس من قِبل قادة الدين ليعتقدوا أنهم بحاجة إلى الإله وأديانه ليكونوا خيرين، وأنهم بدون الآلهة لن يكونوا سوى حيوانات أنانية عدوانية ليس إلا. وما زال البعض يعتقد هذا حتى اليوم، على الرغم من إثبات خطأ هذا الاعتقاد علميًا، حتى مع اكتشاف "الخلايا العصبية المرآتية"، تلك الخلايا التي تبيّن لنا كيف ولماذا نمتلك تلك الدوافع تجاه الخير.
كل ما تقوم به هذه الخلايا هو انعكاس للعالم الخارجي داخل أدمغتنا، الأمر الذي يوضح سبب تسميتها بالمرآتية. وهي السبب في شعورنا بالتعاطف والألم تجاه بعضنا البعض، وهي السبب في أنك تشعر بالخجل نتيجة مشاهدة شخص ما يتعرض للإذلال ولا تستطيع فعل شيء من أجله. بل هي أيضًا السبب في أنك لا تستطيع مقاومة الرغبة في الضحك عند رؤية مجموعة من الأشخاص يضحكون، حتى ولو لم تكن تعرف السبب الذي يضحكهم. إن التعاطف بسبب هذه الخلايا يمكن أن ينتقل حتى في أبسط الأشياء كالتثاؤب مثلًا.
هذه المرايا الصغيرة هي المفتاح لمعظم الأشياء النبيلة والجيدة داخلنا. من خلال هذه الخلايا وطريقة عملها يمكننا أن نخلّص أنفسنا من الشر وكل الفساد الذي نعيش فيه. لسنا بحاجة إلى دين أو عدم دين (إلحاد). لسنا في حاجة إلى كل هذه الأشياء. عندما نشهد سلوكًا نبيلًا وفاضلًا من الآخرين، تتولد داخلنا رغبة قوية في أن نكون أفضل من أنفسنا ونكون مثلهم.
لكن في النهاية، كل شيء في هذه الحياة هو مجرد "وجهة نظر". وجهة نظرك هي التي تحدد كل شيء داخل — وربما خارج — الكون: الحقيقة، الدين، الإلحاد.
إذا كانت وجهة نظرك ليست عقلانية كفاية لتمكّنك من رؤية المنطق في الأشياء (كهدف من اعتقادك في شيء ما)، فأنت لست بحاجة إلى قطيع لتنضم إليه. إنما أنت بحاجة إلى الاصطدام بالواقع. كائنًا من تكون وأينما تكون، فكل ما كنت تعتقده — في الحقيقة — يستحق أن تضع له أساسًا قويًا بما يكفي لتتحمل النتائج المترتبة عليه. ربما أنت بحاجة الآن إلى إعادة التفكير في كل شيء. ليس لمرة واحدة في العمر، بل لتعيد التفكير كل يوم ألف مرة.
مراسلات القراء
اترك أثرَك هنا — فالنصوص تكتمل بقرّائها
إرسال تعليق