القرآن، هذا الكلام المعجز الذي تلفظ الله به وأوحاه إلى نبيه محمد (ص) عن طريق أمين الوحي جبريل عليه السلام، والذي وصفه الله بأنه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. لكن تحدّي الله للإنس والجن بالإتيان بمثله لا يعدو عن كونه قفزات وكوكتيل هلامي لا يفيد بشيء. إنه إعجاز، وسيظل إعجازًا فقط في عقول "المتأسلمين".
القفزات البلاغية: مثال سورة الصافات
القرآن مليء بالقفزات – بلاغةً – والآيات التي لا يوجد أدنى صلة بينها وبين سابقاتها ولا لاحقاتها. نعم، هذا هو إعجاز القرآن. ولنأخذ هذه الآيات كمثال:
❝
"وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ * فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ * فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ * فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ * وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ * وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ * فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ * فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ * أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ" (الصافات)
❞
✦
"وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ": لا أدري، ألم يعلم الله عدد الذين أُرسل إليهم يونس بالضبط؟ ولماذا قال "أو يزيدون"؟ طالما أن الله لا يعرف أو ليس متأكدًا، فلماذا يخبرنا بذلك؟ أم أن السجع تطلب انتهاء الآية بحرف النون؟
ولا أدري ما علاقة قصة يونس بخلق الملائكة وما إذا كانت إناثًا أم ذكورًا. وهل هذا يزعج الله؟ هل نسبة الملائكة إلى الإناث يحرك مشاعر رب العزة؟ ويثير غضبه ويبادر بالنفي؟ ألهذا الحد يكره الأنثى؟ ألهذا الحد الله عنصري يفضّل الذكور؟ كما أنه في آية أخرى يقول: "وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ". هل البنات أصبحت شيئًا يجب أن يتنزه الله عنه؟ ربما، فهو ذكوري خبير.
الغموض والتكرار والتعقيد
✦
يمكنك إيجاد الكثير من الآيات أو "القفزات" في القرآن. آية من هنا وآية من هناك، وأخرى لا مبرر لها. فقط افتح مصحفك وتفضل بقراءة سورة كالإسراء مثلاً، والتي لا تحمل من اسمها شيئًا سوى أول آية.
❝
"يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ" (الروم)
❞
لماذا يُكرر الله البليغ ذو البيان كلمة "هم" مرتين في هذه الآية؟ أهذا من البلاغة؟
غموض الإسراء والمعراج
❝
"فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى * مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى * أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى * وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى * عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى" (النجم)
❞
قال ابن عباس: "معناه: أوحى جبريل إلى رسول الله". سبحان الترقيع! أعان الله هؤلاء على تكبد مشاق تفسير كلام الله. كيف أقحم المفسرون "الله" في السياق؟ إذا كان من أوحي إلى محمد هو جبريل، فلماذا يخاطبنا الله بهذا السياق الغامض؟ إنه الإعجاز البياني.
✦
ثم يقول: "مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى، أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى". كيف لا نماريه ونحن لا نرى شيئًا مما رآه؟ هل يجب علينا التصديق برؤية "الصديق الوهمي" لدى الأطفال ليدخلنا رب العزة الجنة، وإن سألنا يحرقنا في الجحيم؟
"وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى". من هو المقصود هنا؟ هناك ثلاثة احتمالات (الله، جبريل، بيت المقدس) ولا أحد يعرف ولا هم يدرون. هذا يُذكّرني بالثالوث المقدس.
"عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى". يقولون إن المقصود بالسدرة هي شجرة في السماء السابعة. ولكن ماذا يعني "المنتهى"؟ يقول القرطبي حفظه الله إن لها تسع مسائل؛ اختر ما شئت منهما، فهذا هو البيان وهذا هو الإعجاز.
"الإعجاز" في آية صلاة الخوف
❝
"وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا" (النساء: 102)
❞
✦
أين الإعجاز البلاغي في هذا؟ هل تحمل هذه الآية أدنى بلاغة، ناهيك عن أن تكون إعجازًا بلاغيًا؟ أليس هذا كلامًا يستطيع أي شخص يتحدث العربية أن يأتي بمثله وأفضل منه؟
صحيفة سياسية خاصة بحياة محمد
✦
القرآن مجرد صحيفة سياسية خاصة بحياة محمد، تهتم بحروبه وزواجه. بل بلغ به الحال أن يذكر أشخاصًا بعينهم. ففي آية: "فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا" (الأحزاب). ويسب أشخاصًا بعينهم أيضاً: "تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ" (المسد). نجد الله سبحانه وتعالى يسب شخصًا ويحدده ويعينه ويذكره بلقبه. يبدو أن الله يحترمه كثيرًا، ففضل اللقب على أن ينطق باسمه.
منطق القرآن: الغواية والعدالة
❝
"قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ * قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ" (الأعراف)
❞
✦
هنا يوافق الله بسرعة على هذا الرهان الذي ينافي العدل والرحمة، ويمنح الشيطان الخلود! ناهيك عن كونه كان مخلدًا قبل ذلك أم لا. بمعنى: هل كان إبليس -في السماء- يخضع للزمن؟
قتل الطفل "الغلام"
❝
"وَأَمَّا الْغُلامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا * فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا" (الكهف)
❞
✦
يا لهذا المنطق العجيب الغريب! يترك الله الشيطان الذي يتحداه أن يضل البشر جميعاً، بل منحه خصائص تجعله يجري فينا مجرى الدم، ولا يرى أي شيء في هذا. لكنه يسارع بقتل الطفل المسكين البائس فقط لأنه خشي أن يرهق والديه! سبحانك ربي وسبحان منطقك. وكيف بعد هذا تقول "يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا"؟ عن أي رحمة تتحدث؟!
الآيات المتشابهات وإقرار الله بالغموض
❝
"هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ" (آل عمران)
❞
✦
طالما أن الله يعلم أن كلامه يحتمل كل هذا، فلماذا يصر عليه؟ لماذا يرسل به ملك ذو ستمائة جناح إلى شخص يختبئ في غار، وهو يعلم يقينًا أنه لا يفيد، بل على العكس تمامًا يتسبب في فتنة البعض؟ هل الله مولع بالفتنة والإغواء؟ هل خلقنا ليشاهدنا ونحن نفتن ثم يحرقنا في الجحيم ويتلذذ بهذا، ويبدلنا جلودًا كلما نضجت؟ أليس هذا منطقًا ساديًّا؟
الإبادة المبرمجة
❝
"وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا" (الإسراء)
❞
✦
فما السبب يا إلهي؟ لا شيء، إنما هي كلمة سبقت منه سبحانه وتعالى (كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا) ولا يستطيع تغييرها. هكذا يكون المنطق الإلهي القرآني الذي يكرر علينا لفظ "لولا" دون أن يرى أي إشكالات.
درس الشيطان في الإغواء
❝
"وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا * قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا * قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا * وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا * إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا" (الإسراء)
❞
✦
في هذه الآية يتجلى الإعجاز الإلهي القرآني في "عدم المنطقية". ناهيك عن السماح للشيطان بفعل ما يريد، وناهيك أيضًا عن علم الشيطان المسبق بكل ما سيحدث من تناسل وتناكح حتى قبل خلق حواء، وعلمه بأن هناك يومًا يدعى يوم القيامة. لكن لننظر إلى منطق الله في الرد على الشيطان. إنه شيطان يتحدث إلى شيطان. سبحانه وتعالى يبين ويشرح له ويتفنن في إيضاح طرق الفتنة والإغواء. يا إلهي ما أبرعك! حتى الخيل التي لم تكن قد خلقت بعد أشرت إليها ليتفنن السيد إبليس في إغوائنا. ولكنه بعد هذا الدرس الشيق في كيفية الإغواء يقول: "إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا". شكرًا لك يا إلهي.
تحدي قريش: عذاب بدل الحق
❝
"وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ" (الأنفال)
❞
✦
إلى هذا الحد وصل إخلاص قريش في طلب الحق! كانوا يريدون العذاب ليثبت لهم أنه أرسل محمدًا. لكنه يمتلك أغرب منطق مر على البشرية، فيُجيب بإجابته الشافية الوافية المنطقية: "وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ" (الأنفال). حسنًا، ألم يسمع سبحانه وتعالى قوله السابق؟
❝
"وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ * وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ * ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْنَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ" (الأنبياء)
❞
فلماذا لا يوافق على طلبهم؟ أو يرسل لهم الآيات؟ أو يعذب الكافرين ويترك المؤمنين؟ يبدو أن الله لا يعرف المنطق البشري، لكنه أخطأ في استخدامه لغة بشرية لمخاطبتنا. وربما ندم في نفسه ولم يبدها.
مراسلات القراء
اترك أثرَك هنا — فالنصوص تكتمل بقرّائها
إرسال تعليق