الحقائق لا تأبه بثوابت الواهمين!
مأساة البشر تكمن في أنهم واعون – فقط – إلى الدرجة التي تحرمهم الحرية المطلقة وتمنعهم الأمانة التامة؛ والأهم والأقسى، أن وعيهم لا يكفي لإدراك الجزء الغائب من الحقيقة، إنما يكفي فقط للاختلاف حول المكشوف منها!
الحياة لا تبغض ولا تخشى شيئاً كما تبغض وتخشى الموت. ليس لأنه يُميتها، فالحياة باقية رغم موت الأحياء وفناء الأجيال. لكن الحياة تبغض الموت لأنه خصمها اللدود القادر على مواجهتها وإنقاذ ضحاياها، من بين براثن آلامها ومآسيها ومغرياتها وسطوتها – قبل أن تشفي الحياة غليلها منهم باسم حبها المزعوم المسموم.
ربما لو كان الخلود ممكنًا والموت ممكنًا، لكان الحكم بالخلود المُذل المُهين، أبشع العقوبات بيد البشر وأكثرها شيوعًا. فالحكم بالموت لا يعكس إدراكًا من البشر لحقيقة الموت، إنما يعكس حقيقة أن البشر إنما يعاقبون بعضهم بما يخشونه ويجهلونه.
أحياناً ينتاب الإنسان شعور بالضعف ومزيج من الخوف والطمع، فيظن أو يتصور أو يخشى أن تكون الحياة حقيقة جميلة، وأن الموت هو داؤها المؤكد. ولكن سرعان ما يعود للعاقل رشده، وتستعيد ذاكرة المنصفين نشاطها، فيتذكر فضل الموت على الأحياء. لأن عاقلاً لا يمكنه أن يتصور أو أن تسره رؤية الحياة بدون الموت، في ظل النزوع السلوكي الظاهري لكل الأحياء باتجاه رفض الموت ومحاولاتهم المستميتة واليائسة للفرار منه.
فإذا كان تكالب البشر على التملك والسيطرة والسلطة واستعباد بعضهم، هو بهذه الشراسة وتلك البشاعة في وجود الموت وخلال الحياة المؤقتة، فكيف سيكون الأمر، وكيف ستكون العلاقة بين الأحياء في حياة دائمة لا موت فيها.
أقول، إن عاقلاً منصفاً لا يمكنه أن ينكر فضل الموت، أو أن يتصور رؤية الحياة بدون الموت. وإذا وُجد من ينكر فضل الموت فإنه حتماً سيكون أحد أولئك القلة المنعمين الذين لا يكسرون القاعدة.
إن الذين يتمنون ديمومة الحياة هم سعداء أنانيون، دون أدنى شك. تُرى، ما هي مشاعرهم وتصوراتهم تجاه المستعبدين والمشردين، الذين هم حقيقة المجتمع البشري، والذين لا يسعد أولئك السعداء إلا ببؤس وتعاسة هؤلاء! ألا يتمنون لبني جنسهم ديمومة العذاب! أليس الموت عدواً لأولئك لا لهؤلاء، أليس الموت منصفاً بقبض أرواح الفريقين.
إذا كان العدم هو نقيض الوجود، فذلك يعني أنه لا معنى للعدم ولا ينبغي أن يُذكر إلا بعد اختفاء كل ما هو موجود. وذلك بدوره يعني أنه ليس من المنطق أن يسأل أو يبحث من ثبت وجوده عن العدم، وحين يتواجد العدم لن يكون موجوداً من يسأل عنه. ولكن العدم أيضاً، هو كل حالة يتمنى كل خصمٍ أن يؤول لها وجود خصمه.
يوجد المستحيل في حياة كل عاقل. فالمستحيل في حياة كلٍ منا، هو كل ما لا سبيل لنا لبلوغه. ولكن لا وجود ولا معنى للمستحيل المطلق في حياتنا، ذلك لأننا نجهل حقيقة كل مطلق.
الحقيقة هي الصدق الذي ينتظره كل ساذج من كل الكاذبين. الواقعيون والموضوعيون في كل زمان ومكان، متفقون على أن الحقيقة هي تلك النتيجة التي لا وجود لها اليوم، والتي حتى وإن وُجدت فلن تكون في متناول الموجودين.. وهم صادقون حتى هذه اللحظة.
ولكن ينبغي أن نضيف، أن الذي يدرك الحقيقة لا يمكنه البقاء بعدها ليرى ما بعدها. وذلك لأن الحقيقة متى ظهرت فإنها تملأ كل مكان وكل زمان، فلا تترك مجالاً لوجود غيرها معها لكي يراها، والحقيقة لا ترى ذاتها. وما الإحساس بالوجود سوى معنى مرادف لغياب الحقيقة، وكأن الحقيقة هي العدم. ومعنى ذلك أن الزيف هو الشعار الوحيد المتوفر، وهو الذي ينطق به الناطقون ويسعى من أجله الساعون.
إن المخلوق المقتدر، الذي يعفو عن المسيء، والذي لا يعاقب من تثبت إدانته وتتكرر إساءته عمداً، سوى بالهجر والمقاطعة.. يستحق أن يُوصف بالكريم المقتدر. فكيف يكون العقاب إذا كان الكريم المقتدر .. خالقاً، وكان المتهم بالإساءة مخلوقاً ضعيفاً ليس بمقدوره الإساءة لخالقه عمداً ولا سهواً، إلا مجازاً ووفق مشيئة خالقه.
امتلاك سيارة فارهة تُقدر بثمنِ قصرٍ مهيب. أو قصرٌ أسطوري بقيمة مساكن قرية كاملة مع دية أهلها الفقراء. وساعة يدٍ صغيرة بثمن منزلِ أسرة كبيرة بائسة. وملابس من عوالم أخرى، لا تلفت انتباه الناظرين، لأنها تفوق أذواق البشر، وتسحر أبصارهم فلا يميزون ألوانها – غير المسجلة في مراجع الذاكرة لديهم.
يضع الإنسان المخططات ويرسم الأهداف، ثم يعمل على تحقيقها. ولئن كان تحقيق الأهداف أملاً ظاهرياً، فإن الأمل الحقيقي يقبع خلف ظاهر الأهداف. إن الأمل الدفين للإنسان هو أن يحمل أحد تلك الأهداف الظاهرية، قيمة تستحق أن يحيا الإنسان من أجلها، لتكتسب حياته معنى، وليكون لوجوده شكلاً يفهمه هو، ويراه الآخرون وينال إعجابهم.
وحتى لو اختفت تلك الكريات كلها دفعة واحدة، فإن أقصى ما سيحصل هو موت ذلك الجسم، الذي لن يتوقف الوجود بموته. فالجسم الذي يحوي الكريات التي اختفت، هو عبارة عن واحد من مليارات الأجزاء المتطابقة والمحصورة في حيزٍ محدود، والمهيأة جميعها لأداء ذات الوظيفة، حتى لا ينجم عن موت أحدها عجز أو قصور في أداء المهمة العامة؛ وربما كان العكس صحيحاً؛ فقد يكون وجود جزء أو جسم بعينه هو المشكلة التي لا تُحل إلا بقتله واجتثاثه.
لا يستقيم أن نشبه وظيفة الإنسان الفرد في الوجود بوظيفة عضلة أو غدة في جسم حي. فجسم الكائن الحي هو وجود وكون لا محدود قياساً إلى خلايا لا ترى بالعين المجردة؛ وهي التي لا يعبأ الجسم بحياة ولا بموت الآلاف منها في كل لحظة، وذلك هو دور ووزن وقيمة الإنسان الفرد في الوجود. ولكن قلما وُجد من يتوقف عند هذه الحقائق الناطقة في مجتمع الواهمين، رغم وجود العارفين.
مراسلات القراء
اترك أثرَك هنا — فالنصوص تكتمل بقرّائها
إرسال تعليق