اضغط Enter للبحث | Esc للإغلاق

فلسفة يونيو 07, 2026

الحقائق لا تأبه بثوابت الواهمين!

اِنْبَثَقَ هذا النَّصُّ مِن ™shaki

مأساة البشر تكمن في أنهم واعون – فقط – إلى الدرجة التي تحرمهم الحرية المطلقة وتمنعهم الأمانة التامة؛ والأهم والأقسى، أن وعيهم لا يكفي لإدراك الجزء الغائب من الحقيقة، إنما يكفي فقط للاختلاف حول المكشوف منها!

"لعل الحياة هي الوهم الوحيد الذي ينتهي بحقيقة. وربما كان الموت هو الحقيقة الوحيدة التي لا تحمل بذور الزيف في ثمارها."

الحياة لا تبغض ولا تخشى شيئاً كما تبغض وتخشى الموت. ليس لأنه يُميتها، فالحياة باقية رغم موت الأحياء وفناء الأجيال. لكن الحياة تبغض الموت لأنه خصمها اللدود القادر على مواجهتها وإنقاذ ضحاياها، من بين براثن آلامها ومآسيها ومغرياتها وسطوتها – قبل أن تشفي الحياة غليلها منهم باسم حبها المزعوم المسموم.

"كأنما البشر كائنات قوامها الزيف. فالبشر يخشون الموت، والموت حقيقة، ولا يخشى الحقيقة سوى الزيف. ليس الحديث هنا عن الموت كنقيض للحياة، أو عن أسباب ووسائل الموت المرعبة، إنما الحديث هو عن حتمية الموت."

ربما لو كان الخلود ممكنًا والموت ممكنًا، لكان الحكم بالخلود المُذل المُهين، أبشع العقوبات بيد البشر وأكثرها شيوعًا. فالحكم بالموت لا يعكس إدراكًا من البشر لحقيقة الموت، إنما يعكس حقيقة أن البشر إنما يعاقبون بعضهم بما يخشونه ويجهلونه.

"عجبًا، كيف يليق بنا ونحن العقلاء الواقعيين الباحثين عن الحقيقة الرافضين للزيف والتزوير، أن نخشى الموت، وهو الذي ينبغي أن نشعر بالإعجاب والامتنان تجاهه، لأنه يمثل حقيقة يعجز الكاذبون والمزورون عن تزييفها."
"معذرة، الموت لا يستحق منا الإعجاب فحسب، إنه يستحق منا الحب، لأنه الدُرة الفريدة والحقيقة الوحيدة. فلا حقيقة سواه في هذا العدم الدائري المتعاقب المسمى اصطلاحاً بالوجود."

أحياناً ينتاب الإنسان شعور بالضعف ومزيج من الخوف والطمع، فيظن أو يتصور أو يخشى أن تكون الحياة حقيقة جميلة، وأن الموت هو داؤها المؤكد. ولكن سرعان ما يعود للعاقل رشده، وتستعيد ذاكرة المنصفين نشاطها، فيتذكر فضل الموت على الأحياء. لأن عاقلاً لا يمكنه أن يتصور أو أن تسره رؤية الحياة بدون الموت، في ظل النزوع السلوكي الظاهري لكل الأحياء باتجاه رفض الموت ومحاولاتهم المستميتة واليائسة للفرار منه.

فإذا كان تكالب البشر على التملك والسيطرة والسلطة واستعباد بعضهم، هو بهذه الشراسة وتلك البشاعة في وجود الموت وخلال الحياة المؤقتة، فكيف سيكون الأمر، وكيف ستكون العلاقة بين الأحياء في حياة دائمة لا موت فيها.

"وإذا كان مجرد التهديد بالقتل (الذي هو عملياً ليس تهديداً بفعل أو صناعة الموت، بل هو تهديد بتحديد زمن الموت أو تقريب موعده – ليس إلا). أقول، إذا كان التهديد بتغيير موعد الموت، يؤدي بالإنسان إلى التنازل عن حقوقه وكرامته، والاستسلام الكامل لإنسان مثله، والرضوخ للذل والهوان، من أجل تأجيل لحظة موته المؤكد، فكيف سيكون مفعول التهديد بالقتل، وما الذي سيتنازل الإنسان عنه وما الثمن الذي سيدفعه، فيما لو كانت النجاة من القتل ستعني له حياة إلى الأبد."

أقول، إن عاقلاً منصفاً لا يمكنه أن ينكر فضل الموت، أو أن يتصور رؤية الحياة بدون الموت. وإذا وُجد من ينكر فضل الموت فإنه حتماً سيكون أحد أولئك القلة المنعمين الذين لا يكسرون القاعدة.

"أما الرهان فهو على أولئك البؤساء التعساء الفقراء الضعفاء، الذين يشكلون الأساس والقاعدة العريضة للمجتمع البشري، والذين يتجرعون لعنة الحياة في كل لحظة من لحظاتها، ويدفعون ضريبة الوجود البشري طوال حياتهم وجيلاً بعد جيل؛ والذين ما فتئ الموت ينقذهم جماعات وفرادى، كلما آلمتهم الحياة بما لا يطيقون."

إن الذين يتمنون ديمومة الحياة هم سعداء أنانيون، دون أدنى شك. تُرى، ما هي مشاعرهم وتصوراتهم تجاه المستعبدين والمشردين، الذين هم حقيقة المجتمع البشري، والذين لا يسعد أولئك السعداء إلا ببؤس وتعاسة هؤلاء! ألا يتمنون لبني جنسهم ديمومة العذاب! أليس الموت عدواً لأولئك لا لهؤلاء، أليس الموت منصفاً بقبض أرواح الفريقين.

"إنه لا قدرة لي على النظر إلى بشاعة وذل الحياة، لولا رؤية صولجان الموت من حولها – يقمع غرورها ويُهذب نشازها. وإنه لولا خشيتي من اختلاط المفاهيم على القارئ الكريم، ووصول الرسالة بغير ما أردتها، لقلت: يحيا الموت، والموت للحياة."
❖ العدم

إذا كان العدم هو نقيض الوجود، فذلك يعني أنه لا معنى للعدم ولا ينبغي أن يُذكر إلا بعد اختفاء كل ما هو موجود. وذلك بدوره يعني أنه ليس من المنطق أن يسأل أو يبحث من ثبت وجوده عن العدم، وحين يتواجد العدم لن يكون موجوداً من يسأل عنه. ولكن العدم أيضاً، هو كل حالة يتمنى كل خصمٍ أن يؤول لها وجود خصمه.

❖ المستحيل

يوجد المستحيل في حياة كل عاقل. فالمستحيل في حياة كلٍ منا، هو كل ما لا سبيل لنا لبلوغه. ولكن لا وجود ولا معنى للمستحيل المطلق في حياتنا، ذلك لأننا نجهل حقيقة كل مطلق.

❖ الحقيقة

الحقيقة هي الصدق الذي ينتظره كل ساذج من كل الكاذبين. الواقعيون والموضوعيون في كل زمان ومكان، متفقون على أن الحقيقة هي تلك النتيجة التي لا وجود لها اليوم، والتي حتى وإن وُجدت فلن تكون في متناول الموجودين.. وهم صادقون حتى هذه اللحظة.

ولكن ينبغي أن نضيف، أن الذي يدرك الحقيقة لا يمكنه البقاء بعدها ليرى ما بعدها. وذلك لأن الحقيقة متى ظهرت فإنها تملأ كل مكان وكل زمان، فلا تترك مجالاً لوجود غيرها معها لكي يراها، والحقيقة لا ترى ذاتها. وما الإحساس بالوجود سوى معنى مرادف لغياب الحقيقة، وكأن الحقيقة هي العدم. ومعنى ذلك أن الزيف هو الشعار الوحيد المتوفر، وهو الذي ينطق به الناطقون ويسعى من أجله الساعون.

"كل ما تنبأ به المصلحون عن الجحيم، وما توعدوا به خصومهم من أصناف العذاب في يوم موعود مجهول مشهود، لا يعدو أن يكون إثباتاً لبشرية أولئك الصالحين، ووصفاً دقيقاً لضعفهم الأرضي الباعث على حب الانتقام دائماً؛ ولا يعدو أن يكون رعباً آنياً مطلياً بألوان التحدي المؤجل، وفراراً أدبياً – من مواجهة لغة القوة المستعملة في كل مشاهد الحياة العملية."

إن المخلوق المقتدر، الذي يعفو عن المسيء، والذي لا يعاقب من تثبت إدانته وتتكرر إساءته عمداً، سوى بالهجر والمقاطعة.. يستحق أن يُوصف بالكريم المقتدر. فكيف يكون العقاب إذا كان الكريم المقتدر .. خالقاً، وكان المتهم بالإساءة مخلوقاً ضعيفاً ليس بمقدوره الإساءة لخالقه عمداً ولا سهواً، إلا مجازاً ووفق مشيئة خالقه.

امتلاك سيارة فارهة تُقدر بثمنِ قصرٍ مهيب. أو قصرٌ أسطوري بقيمة مساكن قرية كاملة مع دية أهلها الفقراء. وساعة يدٍ صغيرة بثمن منزلِ أسرة كبيرة بائسة. وملابس من عوالم أخرى، لا تلفت انتباه الناظرين، لأنها تفوق أذواق البشر، وتسحر أبصارهم فلا يميزون ألوانها – غير المسجلة في مراجع الذاكرة لديهم.

"يسعى الإنسان من أجل اقتناء الثمين من الأشياء، بحثاً عن قيمة له من خارجه، وفراراً من صدى الفراغ الكبير المُفزع المُدوي داخله. يحيط الإنسان نفسه بالنفائس قدر استطاعته لكي لا يراه المحيطون به إلا من خلالها، فهو يخشى أن تقع أبصارهم مباشرة على قيمته الذاتية التي يتظاهر بها ولا يريد لأحد سواه أن يدرك سرها، فيدرك أنه لا وجود لها."

يضع الإنسان المخططات ويرسم الأهداف، ثم يعمل على تحقيقها. ولئن كان تحقيق الأهداف أملاً ظاهرياً، فإن الأمل الحقيقي يقبع خلف ظاهر الأهداف. إن الأمل الدفين للإنسان هو أن يحمل أحد تلك الأهداف الظاهرية، قيمة تستحق أن يحيا الإنسان من أجلها، لتكتسب حياته معنى، وليكون لوجوده شكلاً يفهمه هو، ويراه الآخرون وينال إعجابهم.

"إن من الأوهام ما هو مؤكد الوهمية، ومع ذلك فهو يُجبر أو يُغري الإنسان بالتوقف عنده والحديث عنه. والقيمة في حياة الفرد البشري، هي من ذلك الصنف من الأوهام."
"فقيمة الإنسان الفرد ودوره في الوجود، لا يتجاوز قيمة ودور خلية في نسيج في جسم من الأجسام. أي أن وظيفة الإنسان في الوجود لا تتعدى وظيفة كرة دمٍ حمراء أو بيضاء في جسم كائن حي. خلية أو كرة دمٍ تموت ويعاد إنتاجها آلاف المرات دون أن يشعر الجسم بوجودها ولا بموتها."

وحتى لو اختفت تلك الكريات كلها دفعة واحدة، فإن أقصى ما سيحصل هو موت ذلك الجسم، الذي لن يتوقف الوجود بموته. فالجسم الذي يحوي الكريات التي اختفت، هو عبارة عن واحد من مليارات الأجزاء المتطابقة والمحصورة في حيزٍ محدود، والمهيأة جميعها لأداء ذات الوظيفة، حتى لا ينجم عن موت أحدها عجز أو قصور في أداء المهمة العامة؛ وربما كان العكس صحيحاً؛ فقد يكون وجود جزء أو جسم بعينه هو المشكلة التي لا تُحل إلا بقتله واجتثاثه.

"فوجود الإنسان الفرد الذي لا يعي دوره أو لا يؤديه كما ينبغي لسبب أو لآخر، هو كوجود الخلية المصابة التي لا تؤدي وظيفتها، فتتحول إلى خلية سرطانية، تهدم وتلتهم بنات جنسها."

لا يستقيم أن نشبه وظيفة الإنسان الفرد في الوجود بوظيفة عضلة أو غدة في جسم حي. فجسم الكائن الحي هو وجود وكون لا محدود قياساً إلى خلايا لا ترى بالعين المجردة؛ وهي التي لا يعبأ الجسم بحياة ولا بموت الآلاف منها في كل لحظة، وذلك هو دور ووزن وقيمة الإنسان الفرد في الوجود. ولكن قلما وُجد من يتوقف عند هذه الحقائق الناطقة في مجتمع الواهمين، رغم وجود العارفين.

"وخلاصة القول: الموت هو الحقيقة الوحيدة التي لا تحمل بذور الزيف. والحياة هي الوهم الذي ينتهي بحقيقة. وقيمة الإنسان الفرد لا تتجاوز قيمة خلية في جسد كوني هائل. فلماذا كل هذا الخوف؟ ولماذا كل هذا الغرور؟"
⚜️
كَاتِبُ هَذِهِ الْمَخْطُوطَةِ

™shaki

"لا قداسة فوق العقل. ولا شرف للخوف. ولا معنى ثابت، إلا ذلك الذي تخلقه بيدك."

172 مَقال
مُنذُ 2009
الملف الشخصي;
📖

مراسلات القراء

اترك أثرَك هنا — فالنصوص تكتمل بقرّائها