هل ما تدعيه الأديان يمكن اعتباره صحيحاً ؟ [لا]
من بين جميع الأكاذيب التي اخترعها الإنسان، لم تنجح كذبة بقدر ما نجحت كذبة التفرّد. فالبشر لم يكتفوا يومًا بالوجود؛ بل أرادوا أن يكونوا مركز الوجود. لم يكن يكفيهم أن يعيشوا فوق هذه الصخرة الصغيرة المعلقة في الفراغ، بل كان لا بد أن تصبح الصخرة نفسها مركز الكون. ولم يكن يكفيهم أن يكونوا نوعًا بيولوجيًا بين ملايين الأنواع، بل كان لا بد أن يصبحوا تاج الخليقة وسرّها الأعظم وغايتها الأخيرة. ولم يكن يكفيهم أن يولدوا ويموتوا ككل الكائنات، بل كان لا بد أن تتوقف قوانين الكون كلها عند أقدامهم، وأن تُخلق النجوم لأجلهم، وأن تتحرك المجرات من أجل قصتهم الصغيرة التي لا تكاد تُرى في عمر الكون.
وهكذا وُلدت الأديان. لم تولد من المعرفة، بل من الجهل. ولم تولد من الحقائق، بل من الحاجة النفسية إلى الشعور بالأهمية. فالإنسان القديم وجد نفسه فجأة داخل عالم لا يفهمه. فتح عينيه على الشمس والقمر والعواصف والزلازل والموت والمرض، ولم يكن يملك أدنى فكرة عن ماهية أي شيء من ذلك. لم يكن يعرف كيف نشأت الحياة، ولا كيف تشكلت الأرض، ولا لماذا تشرق الشمس، ولا ما الذي يوجد خلف السماء.
وحين يعجز العقل عن الفهم، يبدأ الخيال بالعمل. فكما أن البيت له بانٍ، والسفينة لها صانع، والرمح له حداد، افترض الإنسان أن الكون أيضًا لا بد أن يكون له صانع. وكما أن القبيلة لها شيخ يحكمها، افترض أن السماء أيضًا لها شيخ أكبر يديرها. ثم أخذ هذا الشيخ يتضخم مع الزمن حتى تحول إلى إله مطلق القدرة والمعرفة.
ثم جاء العلم
وكانت مهمته القاسية أن ينتزع تلك الأوهام واحدًا تلو الآخر. كانت الضربة الأولى موجهة إلى قلب الكذبة نفسها. فالأرض لم تكن مركز الكون. ذلك الكوكب الذي تخيلته الأديان منصة العرض الرئيسية للوجود، لم يكن سوى جرم صغير يدور حول نجم عادي. وحين رفع غاليليو منظاره نحو السماء، لم يكن يكتشف مجرد حقائق فلكية، بل كان يهدم بناءً نفسيًا عمره آلاف السنين.
قاومت الكنيسة هذه الحقيقة بعناد يكاد يكون أسطوريًا. لم يكن الخلاف حول الحسابات أو الرصد أو الرياضيات؛ بل كان حول الكرامة البشرية المتخيلة. فقبول دوران الأرض حول الشمس لم يكن مجرد تعديل فلكي، بل اعتراف بأننا لسنا مميزين كما ظننا. ولهذا كان الرفض عنيفًا. فالإنسان يستطيع أن يتخلى عن كثير من الأشياء، لكنه نادرًا ما يتخلى عن غروره.
ومع ذلك، انتصرت الحقيقة في النهاية. واكتشفنا أن الأرض ليست سوى كوكب واحد بين كواكب كثيرة. ثم اكتشفنا أن الشمس ليست سوى نجم واحد بين مئات المليارات من النجوم. ثم اكتشفنا أن مجرتنا ليست سوى مجرة واحدة بين مئات المليارات من المجرات. ثم بدأ السؤال الأكثر قسوة يفرض نفسه: إذا لم تكن الأرض مركز الكون… فلماذا يكون الإنسان مركز الوجود؟
حين سقط الإنسان من فوق العرش
لقد خسر الإنسان معركته الأولى. لم تعد الأرض مركز الكون. ولم تعد السماء تدور حوله كما تخيل آلاف السنين. لكن الإنسان لم يستسلم. فحين فقد امتياز المكان، احتفظ بامتياز الذات. وحين سقطت الأرض من مركز الكون، وضع نفسه في مركز الحياة. ظل يردد الحكاية ذاتها ولكن بصياغة مختلفة: حسنًا، ربما لسنا مركز الكون، لكننا بالتأكيد مركز الخلق. ربما ليست الأرض جوهرة الوجود، لكن الإنسان هو جوهرها. ربما لا تدور النجوم حولنا، لكن الحياة كلها خُلقت من أجلنا.
كان لا بد أن يبقى شيء من الغرور القديم. وكان لا بد أن يظل هناك استثناء ما.
ثم جاء داروين. ولم يكن ما قدمه مجرد نظرية بيولوجية. بل كان ضربة جديدة في صميم النرجسية البشرية. فالمشكلة الحقيقية في التطور ليست أنه يقول إن الإنسان تطور. وإنما أنه يقول إن الإنسان لم يكن استثناءً أصلًا.
فجأة لم يعد الإنسان سيد المملكة الحيوانية. بل أحد أفرادها. لم يعد شيئًا مستقلًا عن بقية الحياة. بل نتيجة لمسار طويل من التحولات والتغيرات والتكيفات والانتقاءات التي صنعت كل أشكال الحياة الأخرى أيضًا.
ولهذا لم تواجه أي نظرية علمية ذلك الكم من الكراهية الذي واجهته نظرية التطور. لم يحدث هذا مع قوانين نيوتن. ولا مع النسبية. ولا مع ميكانيكا الكم. ولا حتى مع الانفجار العظيم. أما التطور فقد أثار غضبًا يكاد يكون مرضيًا. والسبب واضح: فالانفجار العظيم لا ينتزع من الإنسان امتيازه الأخلاقي. والنسبية لا تسلبه مكانته الخاصة. أما التطور فيفعل ذلك مباشرة. إنه يضع الإنسان أمام المرآة ويقول له: أنت لست ما كنت تتخيل. لست مشروعًا منفصلًا عن الحياة. ولست غاية الوجود. ولست مركز الخلق. أنت جزء من السلسلة نفسها التي أنجبت النسر والحوت والنملة والفأر والخفاش.
البعرة والبُعَير — حين حوّل الإنسان جهله إلى برهان
بعد أن فقد الإنسان مركزية الأرض، وبعد أن بدأت البيولوجيا تسحب منه امتياز التفرد الذي تشبث به آلاف السنين، لم يبق أمامه إلا الملاذ الأخير: الإله. فإذا لم يكن مركز الكون، فربما يكون على الأقل الكائن المفضل لدى خالق الكون. وإذا لم يكن غاية الطبيعة، فربما يكون غاية الخالق. وإذا لم تكن النجوم تدور حوله، فربما كان خالق النجوم يراقبه شخصيًا.
وعندما سُئل المؤمن عن دليله، لم يكن يملك سوى المثال نفسه الذي يتكرر منذ قرون: "البعرة تدل على البعير، والأثر يدل على المسير". عبارة بسيطة. مطمئنة. سهلة التداول. حتى أنها تبدو لأول وهلة منطقية. لكن معظم الأفكار الخاطئة تبدو منطقية قبل فحصها.
هنا يختفي البرهان. ولا يبقى سوى التعميم. إن الإنسان أخذ خبرة محلية ضيقة جدًا — خبرة الحرفي الذي يصنع أدواته — ثم مدّها على الوجود كله. وكأن الكون مجرد إناء كبير. أو بيت عملاق. أو آلة هائلة الحجم. إنها ليست معرفة. إنها استعارة تم تقديمها على أنها حقيقة.
العلّة الأولى وأحلام الطفل بالأرقام
ثم تأتي الحجة الأشهر: العلة الأولى. السبب الأول. المحرّك الأول. الحلقة الأخيرة التي يتوقف عندها التسلسل. وهي من أكثر الأفكار الفلسفية تأثيرًا في التاريخ. وربما من أكثرها هشاشة أيضًا. فالفكرة في صورتها المبسطة تقول: لكل شيء سبب. ولكل سبب سبب قبله. ولا يمكن أن يستمر هذا إلى ما لا نهاية. إذن لا بد من سبب أول. وذلك السبب هو الله.
إن الأمر يذكّرني بطفل يعدّ الأرقام: 1… 2… 3… 4… 5… ثم يفترض أن العد لا بد أن يبدأ بالواحد. لأنه لم يتعلم بعد وجود الأعداد السالبة. وهكذا كان حال كثير من الفلاسفة القدماء. لقد تخيلوا السببية كما يتخيل الطفل الأعداد الطبيعية. بداية واضحة. ونهاية واضحة. ونقطة انطلاق محددة. لكن الواقع لا يهتم بما يبدو بديهيًا لعقولنا.
الأخلاق، القطيع، والخوف من الحرية
بعد أن تتصدع فكرة التفرّد، وبعد أن يتهاوى يقين الخلق الخاص، وبعد أن تبدأ براهين الصانع والعلة الأولى في فقدان بريقها القديم، لا يبقى أمام المدافع عن الدين سوى الملاذ الأخير: الأخلاق. إنها الورقة التي تُرفع دائمًا حين تخسر الأوراق الأخرى. فإذا لم يعد الإنسان مركز الكون، وإذا لم يعد كائنًا منفصلًا عن بقية الحياة، وإذا لم تعد قصص الخلق القديمة قادرة على الصمود أمام المعرفة الحديثة، يأتي السؤال الأخير: "حسنًا… ولكن ماذا عن الأخلاق؟"
لكن الواقع لا يبدو مهتمًا بهذه الرواية. فالتاريخ لا يخبرنا أن المجتمعات الأكثر تدينًا كانت بالضرورة الأكثر رحمة. ولا أن الحروب توقفت حين ظهرت الأديان. ولا أن الدماء جفت عندما امتلأت الأرض بالأنبياء. بل إن جزءًا كبيرًا من تاريخ البشرية كُتب بالدماء التي سالت تحت رايات مقدسة. لقد قتل البشر باسم الله أكثر مما قتلوا باسم الشيطان. وأحرقوا المدن باسم الحقيقة المطلقة أكثر مما أحرقوها باسم الشك.
إن السؤال نفسه مضلل منذ البداية. فالأخلاق ليست هبة نزلت من السماء. بل تطور طويل داخل حياة اجتماعية طويلة. لقد احتاج البشر إلى التعاون قبل أن يحتاجوا إلى العقائد. واحتاجوا إلى الثقة قبل أن يحتاجوا إلى المعابد. واحتاجوا إلى قواعد تنظم حياتهم قبل أن يكتبوا أي كتاب مقدس. فالكائن الذي لا يتعاون مع جماعته يفنى. والجماعة التي لا تضع ضوابط للسلوك تنهار. ومن هنا نشأت البذور الأولى لما نسميه اليوم أخلاقًا. ليس لأنها أوامر إلهية. بل لأنها ضرورات للحياة نفسها. لقد وُجدت الأخلاق لأن البشر عاشوا معًا. لا لأنهم صلّوا معًا.
الطريق العقلاني ليس طريقًا مريحًا
إن أكثر ما تخشاه العقائد المغلقة ليس الكفر. بل التفكير. فالكافر قد يتحول إلى مؤمن. أما المفكر فلا يمكن التنبؤ به. ولهذا ظل التاريخ مليئًا بالمحارق والمشانق والرقابات والفتاوى والاتهامات. ليس لأن الأفكار خطيرة بذاتها. بل لأن الإنسان الذي يتعلم كيف يفكر يصبح أقل استعدادًا لتسليم عقله لغيره.
إن أعظم تضحية يطلبها التفكير الحر ليست التخلي عن إله. بل التخلي عن الحاجة النفسية إلى اليقين. التخلي عن الرغبة المستمرة في وجود إجابة نهائية. وفي وجود كتاب أخير. وحقيقة أخيرة. وسلطة أخيرة. فالعقل لا يعيش في النهايات. بل في الأسئلة. ولا يتقدم باليقين. بل بالشك. ولا يكتشف العالم لأنه يعرف. بل لأنه يعترف بأنه لا يعرف.
الخلاصة الأخيرة
في ذلك الشيء الصغير والمزعج والخطير الذي تخشاه جميع السلطات:
العقل
مراسلات القراء
اترك أثرَك هنا — فالنصوص تكتمل بقرّائها
هل يا ترى كل هؤلاء المجرمون متدينون و ملتزمون بأحكام دينهم و يؤمنون انهم سيحاسبون يوم القيامة على ما فعلوا؟؟؟
طبعا اغلبهم دينهم بالإسم فقط
وان المحاسبة ستكون مكافأتهم بالجنة
واصلوا ختى يتم ايداعكم في المصحات النفسية
عدد الملاحدة قليل في السجون لأنهم نسبة قليلة في المجتمع أصلا فكيف سيكون عددهم كبير داخل السجن
المقارنة العلمية هي بين نسبة الملاخدة في السجن بالنسبة لعدد الملاخدة الاجمالي ثم تقارن بين عدد المسلمين في السجن بالنسبة لعدد المسلمين الاجمالي
يمكن بطريقتك هذه أن أقول أن نسبة البذيين في السجون الجزائرية صفر مثلا
اقرأوا وتعلموا فان أول آية نزلت علينا "اقرأ"
فعلًا لسنا سوى بعر وليس الله سوى بعير ..
البعير ليس فقط لم يخلق نفسه بنفسه ، بل هو لم يخلق حتى البعرة ، فالبعرة تخرج من البعير رغمًا عنه لا بإرادته ولا بهندسته ولا لغاية، ولا يعرف مصيرها بعد ذلك، .. وهذا تشبيه جميل وتصوير قوي جدًا لعلاقتنا بالإله ..
البعير لا يعرف حتى مصير نفسه، فهو مجرد شاشة تعرض نتائج عمليات حيوية باطنية تجري داخله إلى أن تنتهي الطاقة الكامنة في خلاياه، ثم يُصبح هو ذاته عبارة عن بعرة كبيرة مُلقاة في أي مكان - كيفما اتفق - جنب بعره الذي ألقاه وإلى ذات المصير ..
الإله إذن - بحسب هذا التشبيه وهذا الاستنتاج الإيماني الديني - وكذلك بحسب العِلم والمنطق - هو القوة العمياء الكامنة في كواركات وذرات وخلايا الوجود ..، قوة تعمل ذاتيًا بلا غاية ولا إرادة، ولا بد أن ينتج شيء ما عن كل عملية ..
كل إنسان إذن كما كل شيء آخر ، يوجد إلهه داخله، وهو الذي يُحدد له سلوكه ومصيره ، ولا يوجد إله مستقل (مدير عام) لهذا العبث الحياتي والوجودي الذي قد يستمتع ويتلذذ به صرصور حقير من أول يوم إلى آخر يوم من حياته بلا عمل صالح يفعله، بينما يتألم فيه إنسان صالح من أول يوم إلى آخر في حياته بلا ذنب .. مع التذكير بأنه لا متعة تعادل ولا تغني عن متعة الجنس ، ولذلك لم تجد الأديان شيئًا تحفِّز به أتباعها سوى الوعود بالمزيد من التعري والجنس يوم القيامة "المفترضة" ، وهي المتعة التي لا يختلف فيها الإنسان عن الصرصور إلا قليلًا ولصالح الصرصور ..
نلاحظ أن الأديان وخاصة الإسلام، قد وعد الرجال بمتعة جنسية يوم القيامة لا حدود لها، ومنحهم حق سبي النساء وامتلاكهن في الدنيا من أجل المزيد من المتعة الجنسية ترغيبًا لهم في الإسلام ..، ولم يذكر حق النساء المسلمات في المتعة في الدنيا ولم يذكر نصيبهن أو مصيرهن في الآخرة .. لماذا؟
لأن الرسول يريد جنود يقاتلون معه لكي يكسب ويسيطر ويسود ويستمتع ويتلذذ بالنساء، والقتال سوق رجال لا سوق نساء ..، ولا وجود لإله ولا دين ولا أمانة ولا خلافة في الأرض، إنما هو الضحك على ذقون مضحكة!
هذا التعليق مجرد مساهمة لإثبات تأييدي لصاحب المدونة وتحية مني له على جهوده الصالحة الهادفة الناجحة ..
إرسال تعليق