اضغط Enter للبحث | Esc للإغلاق

اسباب تركي للاسلام نوفمبر 29, 2012

هل يمكننا نفي وجود الإله ؟ [نعم]

اِنْبَثَقَ هذا النَّصُّ مِن ™shaki
"There is one thing even more vital to science than intelligent methods; and that is, the sincere desire to find out the truth, whatever it may be."
— Charles Sanders Peirce

"هناك شيء واحد أكثر حيويّة للعلم من الطرق الذكيّة، وهو: الرغبة الصادقة في معرفة الحقيقة، مهما كانت."

إن مشكلة وجود الإله ليست مشكلة في حد ذاتها فقط لأنها تعتبر من الميتافيزيقيا، ولكن لكونها ادعاءً عريضاً لا سقف له. ربما يذهب الدينيون إلى ما هو أبعد من ذلك، فيزعمون أن العقل قاصر، ثم يشككون في حكمنا حتى على العالم المادي حولنا، ويزعمون أننا لا يمكننا الوصول إلى أي حقيقة سواء كانت مادية أم ميتافيزيقية. وعليه، فإن قضية الإله تعتبر - وفق عقيدتهم - شيئاً لا يمكننا نفيه مهما توفرت الأدلة على ذلك؛ فالإله لا شيء ينفي وجوده.

إن هذا الزعم وتلك المصادرة هما عبارة عن كتل من الإيمان واليقين الأعمى، ليس فقط لعدم توفر إثبات لها، بل لأنها لا تقبل أي دليل ينفي صحتها.
وحجتهم أن "وجود الإله" لا يخضع للبحث العلمي، لأن العلم وطريقته التجريبية ببساطة لا يمكنها (بالطرق الطبيعية) الفصل في قضية الإله أو أي شيء ما ورائي. هناك العديد من الفلسفات التي تم إنشاؤها خصيصاً لتبرر غياب الأدلة وتشكك في قدرتنا على الحكم والفصل في أي قضية ماورائية.

الفلسفة الإسلامية: تبرير العجز لا إثبات

هذه الفلسفات — كالفلسفة الإسلامية بكل تأكيد — لا تثبت وجود الإله، بل كل ما تفعله هو تبرير العجز عن تقديم أي إثبات. ولهذا فهي مخصصة للحديث عن تلك الماورائيات، فهي مجرد عبارات إنشائية صيغت لتعبّر عن عجز هؤلاء الأشخاص، فشرعوا في اختراع أشياء غير مبرهنة أو مثبتة، كالتسليم بفرضية العلة الأولى على أنها علة لا تحتاج إلى معلول، وأن سلسلة السببية تتوقف عندها. وربما يذهبون إلى ما هو أبعد من هذا، زاعمين أن هذه العلة الأولى هي التي تسببت في هذه السببية، ولهذا لا تخضع لها، ولا يجب أن نحكم عليها من منطلق هذا، لأن القوانين (الزمان والمكان) هي بالأصل نتاج عن تلك العلة الأولى التي هي الإله عندهم.

كل هذا من أجل محاولة إثبات أن ما هو "خارق/ماورائي" غير قابل للاختبار، ولذلك يجب أن نترك منهج العلم التجريبي يعمل في مجاله، والدين في مجاله الماورائي، وأن لا تعارض بينهما وكلاهما صحيح.

قابلية الادعاء للاختبار

ما أعنيه هنا بـ"قابل للإختبار" هو أن يمتلك الادعاء/الفرضية دليلاً من أي نوع يمكن التحقق منه، سواء كان هذا الدليل لصالحه أو ضده. ولكن مجرد أننا لا نستطيع دحض ادعاء نهائياً من تلك الادعاءات الماورائية (مثل الادعاء بأن "الجن موجود")، لا يعني أنه ينبغي علينا أن نؤمن بأن الجن ربما يكون موجوداً في الواقع.

فالفرضيات في العلم، بغض النظر عمّا إذا كانت تتعلق بالظواهر "الطبيعية" أو "الخارقة للطبيعة"، لا يمكن إثباتها أو دحضها بشكل نهائي. فالهدف النهائي للعلم هو تفسير العالم من خلال النماذج التي تدعمها الأدلة المتوفرة، فربما دليل جديد يتعارض مع النماذج المقبولة لدينا حالياً، ولذا لا يمكن أن تثبت فرضية أو نظرية علمية على وجه اليقين أو تكون غير قابلة للتكذيب "Falsification".

الفرضيات والنظريات العلمية هي بلا شك "Defensible" (قابلة للدفاع). ولكن الفرضيات التي لا يمكننا الفصل فيها يمكننا التعبير عنها بمجموعة متدرجة من الاحتمالات تتراوح بين اليقين الكامل وما يقرب 50-50، وانتهاءً بالشك الكامل.

وكما يقول ريتشارد دوكينز في كتابه "وهم الإله": "لا يهم ما إذا كان الله غير قابل للدحض أو الإثبات" (هو ليس كذلك)، "ولكن ما يهم هو إذا كان وجوده ممكناً. فحتى لو لم يثبت وجود الله أو يتم دحضه على وجه اليقين، بطريقة أو بأخرى، فإن الأدلة المتاحة والتفكير يسفران عن تقدير احتمال بعيد عن 50 في المائة" (ص 54).

فحقيقة أننا لا يمكننا إثبات أو دحض وجود شيء ما لا تعني بالضرورة وضع احتمال وجوده وعدم وجوده بنفس المقدار. وهكذا، لمجرد أن شيئاً ما ممكن، لا يعني أنه محتمل. وبالمثل، لمجرد أنه لم يتم دحض شيء، لا يعني أن هناك ما يبرر الاعتقاد بأنه موجود.

مبدأ راسل: إبريق الشاي في الفضاء

لكن ما يقصده دوكينز هنا — وكما هي الأطروحة الأساسية لكتابه — هو أن الله يكاد يكون "من المؤكد" غير موجود (أي وجوده ليس وارداً). فمن الواضح أن دوكينز لا ينظر إلى الله على أنه غير قابل للدحض أو الإثبات.

بمعنى آخر: المثل الشهير لـ"برتراند راسل" بشأن ادعاء أن هناك إبريق شاي صيني في مدار ما حول الشمس. فعلى الرغم من عدم وجود أدلة مباشرة لصالح أو ضد هذا الإبريق، يمكننا أن نضع حكماً منطقياً لتقييم مسبق أن هذا الادعاء غير صحيح. وبالتالي فجميعنا ملحدون بهذا الإبريق ولسنا لاأدريين. فعلى الرغم من أن إبريق الشاي غير مفنّد، فلا أحد يعتقد في وجوده لأنه لا يوجد أدلة على ذلك، وسيكون من العبث إنشاء فلسفة تسمح بإمكانية وجود إبريق شاي وأننا عاجزون عن دحض هذا الإبريق العظيم!

ولكن درجة الشك تقل وتزيد وفقاً للادعاء. فعندما أدعي أنني أمتلك سيارة، سيكون طلب البرهان والدليل ضعيفاً، حيث أن أشخاصاً كثيرين مثلي يمتلكون سيارات. أما عندما أدعي أنني أمتلك مشروعاً نووياً، فهنا درجة الشك تزيد، والمطالبة بالدليل والبرهان تزيد، والحكم الأولي هو أنني أدعي ادعاءً كاذباً.
ومن باب أولى، لا ينبغي لأحد أن يؤمن بالإله أو الأرواح لمجرد أن وجودها لم يتم دحضه نهائياً، على الرغم من كونها تنتهك القوانين الفيزيائية المعروفة، والتي بالأصل تشكل كمية هائلة من الأدلة ضدهم. إن غياب الدليل هنا وحده يمكن أن يكون بالفعل الدليل على عدم الوجود. أي عند عدم وجود أدلة تؤيد ادعاءً ما، فهو باطل.

دحض الفصل الوهمي بين العلم والدين

وكرد على تلك الفلسفات التي تحاول أن تضع هالة مزيفة حول وجود الإله، بإعتباره ميتافيزيقيا لا يمكننا قياسه بالأدلة المادية، يلخصه دوكينز في جملة واحدة: "وجود الله هو فرضية علمية مثل أي فرضية أخرى" (ص 50، نفس الكتاب السابق).

فالحقيقة أنهم ليسوا فقط يضعون مصادراتهم عن العلم، وينفونه في حيز ضيق، ثم يفصلونه عن الادعاءات الدينية حتى يثبتوا أنه لا يمكن للعلم أن يقول كلمته فيها، ثم يجب أن يترك العلم المجال للدين، وبناءً عليه الإله موجود ضمن هذا المجال الديني. ولكن هذا خاطئ.
وكما يقول دوكينز: "الكون من قبل خالق ذكي خارق هو نوع مختلف جداً عن الكون بدونه" (ص 58). ولهذا فإن احتمال صحة فرضية ما يمكن تقييمها علمياً ليس فقط من خلال نتائجها المادية، ولكن أيضاً من خلال توافقها مع ما لدينا من نظريات علمية.

فوجود الإله ليس وارداً، وليس أيضاً غير قابل للاختبار أو أنه لا يمكن أن يحكم عليه العلم والتجريب. كلا، فعلى سبيل المثال لا الحصر: وفقاً للأديان، فإن فرضية أن الله موجود تعني أنه قد خلق الكون بما ورد بها — أي بالكتب الخاصة بالأديان — وهذا يختص به العلم. ولذا فإن كل ما يتناقض بشكل قاطع مع الملاحظات المادية بشأن كيفية الخلق، ينفي وجود هذا الإله.

نماذج من اختبار الفرضيات الدينية

فبكل تأكيد، وجود الإله هو فرضية علمية يمكن التحقق منها من خلال آثارها التي يمكن من خلالها تأكيدها أو نفيها، وذلك من الأدلة المتاحة. فالعلم يتقدم، وكلما تقدم تناقض مع أساطير الدين. بل وأصبح العلم الآن يهتم بأسئلة ويجيب عليها، رغم أنها كانت تعتبر ميتافيزيقيا في السابق.

ومثال لاختبار تجريبي للتدليل على ذلك ذكره دوكينز: التحقيق من الدعاء وفاعليته على النتائج الصحية للمرضى الذين سيخضعون لعملية جراحية. أظهرت الدراسة التي نشرت في دورية القلب الأمريكية، وبتمويل من مؤسسة جون تمبلتون التي تدعم البحوث الروحانية، أن هناك اختلافاً كبيراً في نتائج الانتعاش بين المرضى الذين كان يُدعى لهم وأولئك الذين لم يكن يُدعى لهم. في الواقع، كان أداء الأشخاص الذين يعرفون أنه يُدعى لهم أسوأ من الأشخاص الذين لم يكن لديهم أي علم بهذا الأمر.

أنا لا أعني التجربة هنا حرفياً، بل كمثال لأن هذه الفرضية "الإله موجود" يمكن للعلم أن يتحقق منها. ففي وقت سابق، كان من المفترض أن البرق هو أداة الله يعبر بها عن غضبه الإلهي، ولكن أظهر القليل من البحث الإحصائي أن البرق يضرب الجميع دون تمييز أو النظر إلى أخلاقهم.

وعليه، فإنه يمكننا أن ننفي وجود هذا الإله من خلال صفاته التي هي أساس هذا الادعاء. مثلاً، ادعاء أن هناك "كائناً/إلهاً" يهتم بالنواحي الأخلاقية، وأنه معني بالشؤون الداخلية للإنسان، ليس من الصعب إثباته أو نفيه من خلال الملاحظة كما يزعمون. كلا، الأمر خاضع للتجربة كما تم في الدراسة السابقة، أو حتى النظر إلى تلك الكوارث الطبيعية التي يتم توزيعها بشكل عشوائي، فضلاً عن وجود عيوب في التصميم ودون المستوى الأمثل في الكائنات البيولوجية، لاسيما مع تشكل الملاحظات الإضافية التي يصعب التوفيق بينها وبين وجود مصمم ذكي وخارق، كما وضّحت في موضوع "التصميم الذكي VS الانتخاب الطبيعي".

ناهيكم عن أن أكثر من 99 في المئة من جميع الأنواع التي وجدت على الأرض قد انقرضت. وعلاوة على ذلك، فإن السلسلة الغذائية بأكملها، والتي تتميز بالافتراس والتطفل، هي تعبير واضح عن وحشية غير مكترثة للطبيعة، ووضّحت ذلك في موضوع "الله بين الألوهية والسادية".

البدائل اللانهائية ومشكلة التعميم الوهمي

إن كان الأمر مجرد البحث عن بدائل لم يضعها العلم التجريبي، دون الالتزام بهذا المنهج، وقبلنا مجرد احتمال تفسير بديل (أي فرضية وجود إله) كأسباب كافية للتخلي عن أي نظرية علمية، أو زعمنا أنهما لا يتناقضان وكل في مجاله، فنحن هنا لن نلتزم بأي فرضية على الإطلاق، وذلك لأن البدائل ستكون لانهائية.

فالإله هو افتراض ناتج من تعميم، تولد لدينا من خلال وهم وخلط لم نره. فالسيارة لها صانع لأننا نرى ذلك من خلال المصانع، والباب له صانع لأننا نرى النجار. ولكن لماذا نعتقد أن الكون له صانع؟ لا يمكن أن نقول هذا إلا لو رأينا هذا الصانع يصنع هذا الكون، أو أن هذا الكون داخل مصنع ما.

وإلا فالاحتمالات لانهائية: قد نكون محاكاة حاسوبية، وقد نكون تجربة لأحد الكائنات الفضائية، وقد نكون في حلم أحدهم ولا وجود لنا حقيقة، وقد يكون الكون هو ما نقصده بالإله نفسه. كل هذا حتى يمكننا تجريبه. نعم، يمكن لكل هذه الفرضيات أن تخضع للبحث العلمي، لأنه في حالة ما إذا كنا محاكاة حاسوبية فحتماً ستوجد أخطاء وفشل في النظام، ويمكننا تعقب هذه الأخطاء والبحث عنها.

ولكن القول بأن هذه الفرضية غير خاضعة للإختبار أو الإثبات أو النفي هو مجرد هروب ومحاولة بائسة لتغطية عورتها، فقط لأن الديني هنا يجب عليه أن يعترف بأنه يريد الاعتقاد مخالفاً المنهج العلمي التجريبي، ضارباً كل ما يؤكد عدم وجود إله عرض الحائط، وهي من أساس تلك الفرضية الدينية. غير ممتلكاً لأي دليل يدعم موقفه، ويحتفظ بهذا الاعتقاد داخله كالذي يعتقد بأن سانتا كلوز يرسل له الهدايا.

المنهج العلمي في مواجهة الماورائيات

فالحقيقة، حتى سانتا كلوز يمكن أن يخضع للتجربة، مثله مثل أي شيء ماورائي، يمكننا التحقق من آثاره في هذا الواقع المادي، وإلا فهو غير موجود. ناهيكم عن أن "غير المادي" أي "الماورائي" هو عبارة عن فراغ تام خالٍ من المادة، والفراغ التام هو اللاوجود — الغير موجود — وعليه فإن الغير مادي والغير موجود شيء واحد لا فرق بينهما.

وهنا يجب أن نرى ونستطيع اختبار تأثيرات لهذا الماورائي، كحال الإله واستجابته للدعاء، أو حدوث أشياء لا تخضع لقوانيننا الفيزيائية، أو حتى هذا الواقع المادي ككل. فما الذي يمنع الإله من أن يستجيب ويقوم بإنماء طرف لعبد من عباده؟ هل هذا حدث على مر التاريخ؟ هل حدث شيء ما — حقيقة — يدل على أن هناك شيئاً ماورائياً؟ إن كان نعم، فما هو وأين الدليل؟ وإن كان لا، فلماذا الاعتقاد إذن بوجوده طالما أنه غير مادي وليس له آثار في عالمنا المادي؟
إنه فقط للهروب من مسلسل السببية، كما يقول الفيلسوف "توماس ناجل": "فمن المؤكد أن الإيمان بمسلمة العلة الأولى هو وسيلة للهروب من حلقات من سلسلة لانهائية. وإذا كان كل شيء يجب أن يكون له سبب، فلماذا لا يتطلب الإله الخاص بك واحداً؟ الجواب هو ادعاؤهم أنه لا يحتاج أي سبب، لأنه هو الذي تسبب فيه. ولكن إذا كان الله يمكن أن يكون سبباً ذاتياً، فلماذا لا يكون العالم نفسه سببه ذاتياً؟"

الخلاصة: نعم يمكننا نفي وجود الإله

ولهذا فإن الإجابة على السؤال "هل يمكننا نفي وجود الإله؟" هي: نعم، وبكل تأكيد. وأن كون علمنا محدوداً وعقلنا قاصراً ما هو إلا هروب وترقيع ليس إلا. بل ولو نظرنا إلى هذا الافتراض سنجده بالأصل قائماً على جهل سابق، فمن الذي افترض أن الإله موجود؟ إنهم الأسلاف الجهلاء. ولكن ليست هذه هي المشكلة، فالفرضية يمكننا التأكد من صحتها أو نفيها، ولهذا يمكننا قبولها أو رفضها تماماً كأي فرضية أخرى يتم إنشاؤها كمحاولة لتفسير أي ظاهرة.

الطريقة العلمية في التعامل مع أي ظاهرة

المنهج العلمي

الطرق العلمية تعمل حتى على الماورائيات، ويمكن تلخيصها بالآتي:

1. الملاحظة (Observation): لديك ملاحظات لشيء وتريد التعرف على ماهيته.
2. وضع فرضيات (Hypothesis): محاولة وضع وصف مبدئي، أو العديد من الفرضيات، التي تنسجم وتتماشى مع الملاحظة.
3. التوقعات (Predictions): استخدام تلك الفرضيات لوضع التوقعات لما سيصبح عليه ذلك الشيء الذي تشاهده.
4. الاختبار (Test): اختبار تلك التنبؤات من خلال التجارب أو ملاحظات إضافية، وتعديل الفرضيات في ضوء النتائج لاستبعاد أو وضع فرضية جديدة.
5. التكرار (Repeat): يتم تكرار الخطوات 3 و 4 حتى الحصول على موافقة تامة للفرضية والتجربة مع الواقع الذي تلاحظه، مع عدم وجود أي تباينات بين الفرضية والتجربة و/أو المراقبة.
عندما يتم الحصول على تلك الفرضية التي تتوافق بشكل كامل مع الملاحظة ويمكن أن تتنبأ بما يحدث، تصبح نظرية وتقدم مجموعة مترابطة من المقترحات التي تشرح فئة من الظواهر التي سبق وتم ملاحظتها.

ولهذا فإن القوانين الفيزيائية وتطبيقاتها تعمل في أي عصر يمكن أن نعود إليه، بخلاف الادعاءات الدينية. فالجانب الديني لا يمنحنا إجابة غامضة وتصوراً غامضاً فحسب، بل إجابته خطأ: الأرض مسطحة، الإنسان من نسب امرأة ورجل وجدا بطريقة "جلا جلا". فهي إجابات ليست صحيحة، ولا تمر بالمراحل العلمية، ولا تمنحنا طرقاً بعينها للتأكد من الإجابة، ولا تقبل الطرق العلمية، ولا تتراجع حين لا تصلح إجابته للتطبيق، بل يتمادى في الادعاءات والسخافات حين نثبت خطأ إجابته.

مثال توضيحي: العفريت والهواء

لنضرب مثالاً يوضح كيف يمكننا أن ننفي ادعاء وجود شيء ماورائي، وفقاً للطريقة العلمية السابقة. أنت في منزل ما، جاهل بكل القوانين الفيزيائية، ثم وجدت أوراقاً تتطاير في أنحاء منزلك. إذن لديك [الملاحظة]. وهنا يمكنك وضع فرضياتك، لتكن "عفريت" يعبث معك.

الآن جاء دور [التوقعات]: تتوقع أن هذه الأوراق قد تتطاير في أي وقت باختلاف الظروف البيئية، أو تغيير هيئة المنزل كإغلاق النوافذ والأبواب. ثم تقوم بـ[الاختبار]. حسناً، حتماً ستخالف نتائج هذا الاختبار فرضيتك، حيث أننا نعلم أن الأوراق تتطاير بسبب الهواء وليس العفريت.
هنا الجانب الديني تماماً كهذا المثال. فعلى الرغم من أنه بالطرق العلمية ستتوصل إلى أن الهواء هو السبب، إلا أنه لا يتخلى عن وجود العفريت. سواء اختبرت الأمر وأغلقت النوافذ ولم تتطاير، فسيقول لك قول "الغزالي" الذي ينكر ويرفض ضرورة الترابط، والعلم التجريبي ككل، ويدعي عدم وجود ضرورة التلازم بين الظواهر وأسبابها، لأن [العفريت] يفعل ما يشاء: إن شاء حدث، وإن لم يشأ لم يحدث.

أي أنه في حالة ما إذا قمت بتصنيع هواء ووضعت الأوراق لتتطاير، فلن ينفي هذا وجود عفريت الغزالي. ولكن هذا لا يعني أن العلم قد نفى وجود العفريت واستبعد احتمال وجوده، بل بيّن وفسّر الظاهرة. ولكن كما ذكرت، هذا الادعاء لا سقف له، فتجده يقول لك: "ولماذا يفعل الهواء هذا؟ أنا أعلم أن العفريت يعبث معي، لكن لماذا يفعل الهواء ذلك؟"

نقول له: لا يهم العلم الإجابة على سؤالك المسبوق بـ"لماذا". العلم يهتم فقط بالأسئلة المسبوقة بـ"كيف"، وأجاب ونفى وجود عفريتك. فلماذا تظل تتمسك به؟ ولهذا فإن الإجابة العلمية تصلح للتطبيق والاختبار، ويمكنها الفصل في قضية وجود هذا الإله وأشياءه الماورائية، وإجابتها — حتى الآن — هي بكل تأكيد أنه غير موجود.
⚜️
كَاتِبُ هَذِهِ الْمَخْطُوطَةِ

™shaki

"لا قداسة فوق العقل. ولا شرف للخوف. ولا معنى ثابت، إلا ذلك الذي تخلقه بيدك."

172 مَقال
مُنذُ 2009
الملف الشخصي;
📖

مراسلات القراء

اترك أثرَك هنا — فالنصوص تكتمل بقرّائها