هل يمكننا نفي وجود الإله ؟ [نعم]
— Charles Sanders Peirce
"هناك شيء واحد أكثر حيويّة للعلم من الطرق الذكيّة، وهو: الرغبة الصادقة في معرفة الحقيقة، مهما كانت."
إن مشكلة وجود الإله ليست مشكلة في حد ذاتها فقط لأنها تعتبر من الميتافيزيقيا، ولكن لكونها ادعاءً عريضاً لا سقف له. ربما يذهب الدينيون إلى ما هو أبعد من ذلك، فيزعمون أن العقل قاصر، ثم يشككون في حكمنا حتى على العالم المادي حولنا، ويزعمون أننا لا يمكننا الوصول إلى أي حقيقة سواء كانت مادية أم ميتافيزيقية. وعليه، فإن قضية الإله تعتبر - وفق عقيدتهم - شيئاً لا يمكننا نفيه مهما توفرت الأدلة على ذلك؛ فالإله لا شيء ينفي وجوده.
الفلسفة الإسلامية: تبرير العجز لا إثبات
هذه الفلسفات — كالفلسفة الإسلامية بكل تأكيد — لا تثبت وجود الإله، بل كل ما تفعله هو تبرير العجز عن تقديم أي إثبات. ولهذا فهي مخصصة للحديث عن تلك الماورائيات، فهي مجرد عبارات إنشائية صيغت لتعبّر عن عجز هؤلاء الأشخاص، فشرعوا في اختراع أشياء غير مبرهنة أو مثبتة، كالتسليم بفرضية العلة الأولى على أنها علة لا تحتاج إلى معلول، وأن سلسلة السببية تتوقف عندها. وربما يذهبون إلى ما هو أبعد من هذا، زاعمين أن هذه العلة الأولى هي التي تسببت في هذه السببية، ولهذا لا تخضع لها، ولا يجب أن نحكم عليها من منطلق هذا، لأن القوانين (الزمان والمكان) هي بالأصل نتاج عن تلك العلة الأولى التي هي الإله عندهم.
قابلية الادعاء للاختبار
ما أعنيه هنا بـ"قابل للإختبار" هو أن يمتلك الادعاء/الفرضية دليلاً من أي نوع يمكن التحقق منه، سواء كان هذا الدليل لصالحه أو ضده. ولكن مجرد أننا لا نستطيع دحض ادعاء نهائياً من تلك الادعاءات الماورائية (مثل الادعاء بأن "الجن موجود")، لا يعني أنه ينبغي علينا أن نؤمن بأن الجن ربما يكون موجوداً في الواقع.
الفرضيات والنظريات العلمية هي بلا شك "Defensible" (قابلة للدفاع). ولكن الفرضيات التي لا يمكننا الفصل فيها يمكننا التعبير عنها بمجموعة متدرجة من الاحتمالات تتراوح بين اليقين الكامل وما يقرب 50-50، وانتهاءً بالشك الكامل.
فحقيقة أننا لا يمكننا إثبات أو دحض وجود شيء ما لا تعني بالضرورة وضع احتمال وجوده وعدم وجوده بنفس المقدار. وهكذا، لمجرد أن شيئاً ما ممكن، لا يعني أنه محتمل. وبالمثل، لمجرد أنه لم يتم دحض شيء، لا يعني أن هناك ما يبرر الاعتقاد بأنه موجود.
مبدأ راسل: إبريق الشاي في الفضاء
بمعنى آخر: المثل الشهير لـ"برتراند راسل" بشأن ادعاء أن هناك إبريق شاي صيني في مدار ما حول الشمس. فعلى الرغم من عدم وجود أدلة مباشرة لصالح أو ضد هذا الإبريق، يمكننا أن نضع حكماً منطقياً لتقييم مسبق أن هذا الادعاء غير صحيح. وبالتالي فجميعنا ملحدون بهذا الإبريق ولسنا لاأدريين. فعلى الرغم من أن إبريق الشاي غير مفنّد، فلا أحد يعتقد في وجوده لأنه لا يوجد أدلة على ذلك، وسيكون من العبث إنشاء فلسفة تسمح بإمكانية وجود إبريق شاي وأننا عاجزون عن دحض هذا الإبريق العظيم!
دحض الفصل الوهمي بين العلم والدين
وكرد على تلك الفلسفات التي تحاول أن تضع هالة مزيفة حول وجود الإله، بإعتباره ميتافيزيقيا لا يمكننا قياسه بالأدلة المادية، يلخصه دوكينز في جملة واحدة: "وجود الله هو فرضية علمية مثل أي فرضية أخرى" (ص 50، نفس الكتاب السابق).
فوجود الإله ليس وارداً، وليس أيضاً غير قابل للاختبار أو أنه لا يمكن أن يحكم عليه العلم والتجريب. كلا، فعلى سبيل المثال لا الحصر: وفقاً للأديان، فإن فرضية أن الله موجود تعني أنه قد خلق الكون بما ورد بها — أي بالكتب الخاصة بالأديان — وهذا يختص به العلم. ولذا فإن كل ما يتناقض بشكل قاطع مع الملاحظات المادية بشأن كيفية الخلق، ينفي وجود هذا الإله.
نماذج من اختبار الفرضيات الدينية
ومثال لاختبار تجريبي للتدليل على ذلك ذكره دوكينز: التحقيق من الدعاء وفاعليته على النتائج الصحية للمرضى الذين سيخضعون لعملية جراحية. أظهرت الدراسة التي نشرت في دورية القلب الأمريكية، وبتمويل من مؤسسة جون تمبلتون التي تدعم البحوث الروحانية، أن هناك اختلافاً كبيراً في نتائج الانتعاش بين المرضى الذين كان يُدعى لهم وأولئك الذين لم يكن يُدعى لهم. في الواقع، كان أداء الأشخاص الذين يعرفون أنه يُدعى لهم أسوأ من الأشخاص الذين لم يكن لديهم أي علم بهذا الأمر.
وعليه، فإنه يمكننا أن ننفي وجود هذا الإله من خلال صفاته التي هي أساس هذا الادعاء. مثلاً، ادعاء أن هناك "كائناً/إلهاً" يهتم بالنواحي الأخلاقية، وأنه معني بالشؤون الداخلية للإنسان، ليس من الصعب إثباته أو نفيه من خلال الملاحظة كما يزعمون. كلا، الأمر خاضع للتجربة كما تم في الدراسة السابقة، أو حتى النظر إلى تلك الكوارث الطبيعية التي يتم توزيعها بشكل عشوائي، فضلاً عن وجود عيوب في التصميم ودون المستوى الأمثل في الكائنات البيولوجية، لاسيما مع تشكل الملاحظات الإضافية التي يصعب التوفيق بينها وبين وجود مصمم ذكي وخارق، كما وضّحت في موضوع "التصميم الذكي VS الانتخاب الطبيعي".
البدائل اللانهائية ومشكلة التعميم الوهمي
إن كان الأمر مجرد البحث عن بدائل لم يضعها العلم التجريبي، دون الالتزام بهذا المنهج، وقبلنا مجرد احتمال تفسير بديل (أي فرضية وجود إله) كأسباب كافية للتخلي عن أي نظرية علمية، أو زعمنا أنهما لا يتناقضان وكل في مجاله، فنحن هنا لن نلتزم بأي فرضية على الإطلاق، وذلك لأن البدائل ستكون لانهائية.
وإلا فالاحتمالات لانهائية: قد نكون محاكاة حاسوبية، وقد نكون تجربة لأحد الكائنات الفضائية، وقد نكون في حلم أحدهم ولا وجود لنا حقيقة، وقد يكون الكون هو ما نقصده بالإله نفسه. كل هذا حتى يمكننا تجريبه. نعم، يمكن لكل هذه الفرضيات أن تخضع للبحث العلمي، لأنه في حالة ما إذا كنا محاكاة حاسوبية فحتماً ستوجد أخطاء وفشل في النظام، ويمكننا تعقب هذه الأخطاء والبحث عنها.
المنهج العلمي في مواجهة الماورائيات
فالحقيقة، حتى سانتا كلوز يمكن أن يخضع للتجربة، مثله مثل أي شيء ماورائي، يمكننا التحقق من آثاره في هذا الواقع المادي، وإلا فهو غير موجود. ناهيكم عن أن "غير المادي" أي "الماورائي" هو عبارة عن فراغ تام خالٍ من المادة، والفراغ التام هو اللاوجود — الغير موجود — وعليه فإن الغير مادي والغير موجود شيء واحد لا فرق بينهما.
الخلاصة: نعم يمكننا نفي وجود الإله
الطريقة العلمية في التعامل مع أي ظاهرة
الطرق العلمية تعمل حتى على الماورائيات، ويمكن تلخيصها بالآتي:
2. وضع فرضيات (Hypothesis): محاولة وضع وصف مبدئي، أو العديد من الفرضيات، التي تنسجم وتتماشى مع الملاحظة.
3. التوقعات (Predictions): استخدام تلك الفرضيات لوضع التوقعات لما سيصبح عليه ذلك الشيء الذي تشاهده.
4. الاختبار (Test): اختبار تلك التنبؤات من خلال التجارب أو ملاحظات إضافية، وتعديل الفرضيات في ضوء النتائج لاستبعاد أو وضع فرضية جديدة.
5. التكرار (Repeat): يتم تكرار الخطوات 3 و 4 حتى الحصول على موافقة تامة للفرضية والتجربة مع الواقع الذي تلاحظه، مع عدم وجود أي تباينات بين الفرضية والتجربة و/أو المراقبة.
ولهذا فإن القوانين الفيزيائية وتطبيقاتها تعمل في أي عصر يمكن أن نعود إليه، بخلاف الادعاءات الدينية. فالجانب الديني لا يمنحنا إجابة غامضة وتصوراً غامضاً فحسب، بل إجابته خطأ: الأرض مسطحة، الإنسان من نسب امرأة ورجل وجدا بطريقة "جلا جلا". فهي إجابات ليست صحيحة، ولا تمر بالمراحل العلمية، ولا تمنحنا طرقاً بعينها للتأكد من الإجابة، ولا تقبل الطرق العلمية، ولا تتراجع حين لا تصلح إجابته للتطبيق، بل يتمادى في الادعاءات والسخافات حين نثبت خطأ إجابته.
مثال توضيحي: العفريت والهواء
لنضرب مثالاً يوضح كيف يمكننا أن ننفي ادعاء وجود شيء ماورائي، وفقاً للطريقة العلمية السابقة. أنت في منزل ما، جاهل بكل القوانين الفيزيائية، ثم وجدت أوراقاً تتطاير في أنحاء منزلك. إذن لديك [الملاحظة]. وهنا يمكنك وضع فرضياتك، لتكن "عفريت" يعبث معك.
أي أنه في حالة ما إذا قمت بتصنيع هواء ووضعت الأوراق لتتطاير، فلن ينفي هذا وجود عفريت الغزالي. ولكن هذا لا يعني أن العلم قد نفى وجود العفريت واستبعد احتمال وجوده، بل بيّن وفسّر الظاهرة. ولكن كما ذكرت، هذا الادعاء لا سقف له، فتجده يقول لك: "ولماذا يفعل الهواء هذا؟ أنا أعلم أن العفريت يعبث معي، لكن لماذا يفعل الهواء ذلك؟"
مراسلات القراء
اترك أثرَك هنا — فالنصوص تكتمل بقرّائها
إرسال تعليق