هل انا حقا موجود واكتب تلك الاسطر ؟؟
في بعض الليالي، أستيقظ من نومي متمنّيًا لو أنّ حياتي كلّها لم تكن سوى كابوسٍ طويلٍ ثقيل، فأحمد الله — إن كان موجودًا — على أنّني أفقت أخيرًا من هذا الصراع المرير، ومن ذلك الرعب الذي ظلّ ينهش روحي بصمت. لكنّ الحقيقة لا تتأخر كثيرًا؛ إذ سرعان ما أُدرك أنّني لم أستيقظ من شيء، وأنّ هذا هو الواقع نفسه، وأنّ الكابوس لم يكن حلمًا عابرًا، بل حياتي ذاتها. فأعود إلى عالمي الذي لا أشعر بأي انتماءٍ إليه، وإلى تلك الحياة التي أحملها كما يحمل المحكومُ قيده.
كم أشعر بحمقي، وبذلك الغباء الذي لا أعرف إن كان قد سكنني منذ البداية، أم أنّني أصبحت كذلك مع الوقت. هل كنت يومًا على صواب ثم أخطأت؟ أم أنّني كنت مخدوعًا طوال الوقت؟ ما أقسى أن يكتشف الإنسان أنّه خُدع في أعمق ما كان يؤمن به، وأنّه بنى عمره فوق يقينٍ هشّ، فيتمنى لو مات قبل لحظة الإدراك تلك، قبل أن يرى نفسه من الداخل بهذا العجز المذل. بل إنني كثيرًا ما أتمنى لو كنت ترابًا لا يشعر ولا يتساءل.
ها أنا أصارح نفسي: إنني أعيش في هذه الدنيا دون أن أرى سببًا حقيقيًا يمنحني القدرة على مواصلة الحياة. ومع ذلك، لا أشعر بالرغبة في الانتحار، ليس خوفًا ولا جبنًا، بل لأنني لا أريد ذلك حقًا. ولا أدري لماذا يحدث لي كل هذا. ماذا فعلت كي أُبتلى بهذا المرض النفسي — إن لم يكن نضجًا فكريًا مؤلمًا؟ لقد كنت إنسانًا عاديًا، بسيطًا، طيبًا، ساذجًا إلى حدٍّ ما، لكنني كنت أحب نفسي هكذا. كنت أصلّي منذ طفولتي، ولم أترك الصلاة كما يفعل كثيرون، بل كنت أعشق الجلوس في المساجد رغم صغر سني. بدأت الصيام مبكرًا، على عكس أغلب من كانوا في عمري، وحفظت ما يقارب ربع القرآن وأنا في الحادية عشرة. كانت علاقتي بالله مستقرة وهادئة، إلى أن بلغت الثامنة عشرة، وهناك انقلب كل شيء فجأة، وكأنّ حياتي انشقت إلى نصفين بمحض صدفةٍ باردة.
بدأت بعض الشكوك تتسلل إليّ، فاعتبرتها وساوس شيطانٍ رجيم، وأخذت أقاومها بكل ما أملك. كنت أُبعد كل سؤال يطرحه عقلي، وأتقرّب إلى الله أكثر، غير مصدّق أنّ هذا يحدث لي أصلًا. كيف لي أن أشكّ في دين الله؟ فأنا، كأي مسلمٍ نشأ منذ طفولته، لم يخطر بباله يومًا أنّ الإسلام قد لا يكون الحقيقة المطلقة، وأنّ بقية الأديان ربما لا تقلّ عنه اقتناعًا لدى أتباعها. كنت أرى الأديان الأخرى خرافاتٍ محرّفة صنعها البشر، لكنّ الفرق بيني وبين غيري أنّني نزعت — ولو للحظة — تلك الهالة المقدسة التي تحيط بالدين، وتركت عقلي ينظر وحده.
حين كنت صغيرًا، كنت أشعر أنّ في الدين أشياء غير مقنعة، وأسئلة واضحة إلى درجةٍ قد يلاحظها طفل. لكن كلما سألت، كان الردّ دائمًا: «حين تكبر ستفهم». ها أنا قد كبرت… ولم أفهم شيئًا.
لقد انتابني شعور غريب حين أدركت أنّ المسيحي لم يختر المسيحية، بل وُلد داخلها كما وُلدت أنا داخل الإسلام. فهو يرى الأديان الأخرى خرافات، وربما يسخر من المسلمات كما نسخر نحن من طقوسه، وكذلك اليهودي والبوذي وغيرهم. فما الفرق بيننا جميعًا؟ أليست البيئة هي العامل الحقيقي في تشكيل العقيدة؟ ما الفرق بين المسلم والبوذي، وكلاهما ينظر إلى الآخر بالطريقة ذاتها، وكلاهما يعيش منتظرًا جنته الخاصة؟
بل إنني أرى — أحيانًا — أنّنا نحن المسلمين أقلّ منهم من حيث واقع الحياة. فذلك «الكافر الفاسق» في الغرب يعيش حياة مرفّهة، يتقلّب بين الطعام والترف والحرية، بينما يموت بيننا من لا يجد رغيفًا يأكله. بل إنّ أولئك الذين نصفهم بالكفار هم أنفسهم من يقدّمون المعونات الطبية والغذائية للشعوب الفقيرة. فما الذي يدفعهم إلى ذلك إن كانوا بلا دينٍ حقّ؟
ثم كيف يُعقل أن يكون عباد الله، وأتباع رسوله، وخلفاؤه في الأرض، بهذه الهشاشة والضعف؟ كيف يُستباحون، ويُقتلون، ويُهانون، ثم يُقال لنا إن السبب أنّنا ابتعدنا عن الله؟ ها نحن نصلي وندعو ليل نهار، ويدعو معنا ملايين المسلمين لغزة، ومع ذلك لا نرى إلا مزيدًا من الأطفال الممزقين تحت الركام. وكأنّ الله — إن صحّ القول — لا يأبه بما يحدث، وكأنّ الدنيا تُركت لهم، بينما وُعدنا نحن بآخرةٍ مؤجلة.
"لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد، متاع قليل ثم مأواهم جهنم."
ولكن يا الله… إنهم لم يكتفوا بالتقلب في البلاد، بل يتقلبون فوق أجسادنا أيضًا، يقتلوننا ويهدموننا ونحن عاجزون. أنا لا أعيش في غزة، ولا أتحمل ما يتحمله أهلها، لكن هل يُفترض بي أن أشعر بالطمأنينة وأنا أرى كل هذا؟ إنني أموت داخليًا كل يوم، دون أن أستطيع فعل شيء. فماذا عنك أنت يا الله؟ هل ستعوّضهم بالجنة؟ ربما. لا أدري. ربما لديك الكثير لتمنحه هناك. لكن ماذا يفعل هذا الآن؟
دعنا من هذا كله… ولنتساءل: ما جدوى كل هذا الكبت بين الحلال والحرام، إذا كانت معظم الشهوات المحرّمة ستتحول في الجنة إلى مباحات؟ الخمر، والحور العين، والولدان المخلدون… فما الحكمة إذًا؟ ولماذا هذا الامتحان أصلًا؟
ثم يتبادر إلى ذهني سؤال آخر: كيف يُخلَّد الكافر في النار إلى الأبد مهما كانت حياته؟ كيف يُعذَّب بلا نهاية بسبب عمرٍ محدود؟ وفي المقابل، يُساق المؤمنون إلى الجنة كما تُساق القطعان:
"وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا"
ولماذا «يُساقون» أصلًا؟ ألم يجد النص لفظًا أكثر رحمةً وكرامة؟
ثم ماذا بعد الجنة والنار؟ ماذا بعد أن يدخل المؤمنون نعيمهم ويدخل «الكفار» جحيمهم؟ هل تنتهي القصة؟ هل سيخلق الله كائنات أخرى لتعيد المسرحية نفسها؟ أم سيعود إلى وحدته الأزلية كما كان قبل الخلق؟
إنني حقًا لا أدري إلى أين وصلت. أنا عالق بين التصديق والشك، بين الخوف والاقتناع، بين الرغبة في الإيمان والرغبة في الهروب منه. هل سأظل هكذا طويلًا؟
ثم لماذا رسولنا وحده هو من سيشفع لأمته؟ ولماذا مُنح كل هذه الخصوصية؟ ولماذا أُرسل إلى الإنس والجن والحجارة؟ وما الحكمة من يوم القيامة بكل تفاصيله المرعبة؟ ما جدوى الحشر، والصراط، والميزان، والسجلات، وأهوال القيامة؟ ألم يكن يكفي أن يعرف الإنسان مصيره فور موته؟ أم أنّ المشهد كله استعراضٌ للسلطة أمام مخلوقاتٍ ضعيفة؟
وأين كانت تلك القدرة حين كان الأطفال يُقتلون؟
بل إنني أحيانًا أشعر أنّ الإله — كما تصفه النصوص — يتلذذ بعذاب من خالفوه:
"كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ"
ثم يُقال لنا أيضًا:
"كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا"
والغريب أنّ البعض يعتبر هذا «إعجازًا علميًا» لأن الجلد مركز الإحساس بالألم. وكأنّ القضية ليست في الرعب الكامن خلف الفكرة نفسها، بل في توافقها مع الطب الحديث. ومن وجهة نظري، لو كانت هناك جلود جديدة تُمنح فعلًا، لكان أولى بها إنسانٌ احترق في الدنيا، لا روحٌ تُعاد للحرق إلى الأبد.
أيُعقل أن يكون الله رحيمًا ويفعل هذا بمن خلقهم؟ أيُعقل أن تكون الرحمة متوافقة مع عذابٍ أبدي بهذا الشكل المرعب؟ إنني أشكّ في ذلك… ويشكّ معي كل من بقي داخله شيء من الإحساس.
هذه ربما بداية نهايتي… إن لم تكن النهاية فعلًا.
فأنا أشعر أنني لن أصمد طويلًا أمام هذه الأسئلة التي لا أجد لها جوابًا.
فهل لدى أحدٍ منكم ردّ؟
مراسلات القراء
اترك أثرَك هنا — فالنصوص تكتمل بقرّائها
قد تجد إجابات أو لا تجد
قد تلحد تماماً وقد تزداد إيماناً
بصرف النظر عن النتيجة التي سوف تصل إليها
المؤكد
أنك وضعت قدمك على الطريق الصحيح
وأياً ما سوف تصل إليه ستكون مطمئناً له لأنك اخترته بناءً على معطيات منطقية وعلمية واستنتاجات عقلية وليس اعتماداً على وراثة أو تلقين
اطرح كافة الاسئلة التي يلح بها عليك عقلك، ناقش وابحث ولا تتردد، ثق في عقلك ولا تسمح لأي فكرة أن تدخله إلا باقتناع كامل، ولا تخف من الحقيقة فهي احياناً تكون مرعبة بعض الشيء..
كلنا عانينا سابقاً مرارة الحيرة والتخبط، وخشية ترك المعتاد الذي عشنا عليه سنيناً، ولكن مع الوقت ستكتشف معنى سعادة التمسك بالمنطق والعلم وحدهما
وأكرر..سواء استمريت مؤمناً بدين ما أو نبذت الأديان، ستكون مطمئناً للنتيجة وسعيداً بها
لهذا أهنئك سلفاً
وتحياتي لك
حقيقة لأدري انتابني شعور قوي قوي انك تتكلم عن قصتي قبل تركي الأسلام فانا ارى هنا مامررت به قبل
سنة من الأن على كل حال اتمنى لك الراحة والسكينه
كن دائما بخير
يشرفني كل حرف كتبته عني وثق عزيزي انني لن اركن الي شيئ لا اقتنع به
سعيد لتعليقك
عزيزتي سوزان
انها مرحله ما بين الشك واليقين
مرحله من اسوء المراحل التي قد يمر بها انسان
ميرسي لكلماتك و ومشاعرك الرقيقه
من أين علمت وكيف ؟
إن لم تعرف الاجابة علي هذه الاسئلة فبماذا أنت مؤمن
وتشهد هذه الشهادة التي تعتبر شهادة باطلة؟
لان الشهادة الصحيحة هي التي يكون الشاهد بها قد رأى بأم عينه ما حدث ، وحتي الشهادة السمعية لا تؤخذ إلا إذا سمع الشاهد بأذنه من الناقل.أمّا إذا كانت الشهادة السمعية مأخوذة عن شخص ثالث سمع من الناقل الاصلي ثم أنتقلت الي الشاهد عبر عنعنه فهي شهادة باطلة ولا يعتد بها
تحياتي
تحيّة صديقي ، اعرف احساسك الان وابادلك نفس الشعور
في الحقيقة عزيزي الاديان خرافة وتأليف بشري ، نشأة من خرافات الاجداد وسخافتهم ،ومازلنا نتمسك بها ،
هذا الشعور نتيجة التربية والتلقين ، فنحن منذ نعومة اظافرنا تلقنا اشياء كثيرة غُرزت بداخلنا ،
كالله ورحمة محمد و و و إلخ ، هذه الاشياء عندما تضعها تحت عدسة المنطق لا تجد منها شيئ منطقي او مقنع
يقول لك عقلك قاصر ؟ ياللسخافة ! لماذا يخلق الله لنا عقلاً قاصراً يستطيع ان يسأل دون ان يجد اجابة ..؟
أليس هذا قمة السخرية ؟
الادهي انه سيخلدنا بالجحيم لاننا استخدمنا عقلنا هذا
أتمني منك ان ترسل لي ايميلك عزيزي :
Athiest.man@Skype.com
فأنا قد عايشت تجربتك هذه منذ سنيين خلت واحسست يومها بأن زلزال مدمر قد اجتاح كياني الضعيف
زلزال دمر أحلامي الوادعة في جنة رغداء كانت ستنتظرني في عالمي الماورائي الحالم بجميع متع النفس دون عناء .. ولكنها للاسف أحلام خلبية مالبث العقل أن بدد سرابها المغلف بالخرافة ..
واليوم أدعوك عزيزي للوقوف على أرضية صلبة ملؤوها الحب والسعادة والطمأنينة .. بعيدا عن لغة القتل والسبي والعبودية بإسم الدين ( الحنيف )
لا شك لدي من أن الدين هو مصنع للإرهاب المنظم ومصنع للجهل والخرافة ومصنع للإضطهاد والعنصرية البغيضة .. ولهذا سقط الدين المزعوم أمام لب العقل الباحث عن الحقيقة .. تحياتي
لن تدخل النار لو مت على هذا لأنك لا تهين الله بل تبجله عن نقائص الذين يدعون إمتلاك الحقيقة ولا توجد حقيقة بينة واضحة إلا الإلحاد بخرافات البشر
هكذا نكون منصفين لله إن وجد ولأنفسنا
تحياتي
إرسال تعليق