اضغط Enter للبحث | Esc للإغلاق

فلسفة سبتمبر 10, 2026

عِشْقُ السؤالِ

اِنْبَثَقَ هذا النَّصُّ مِن ™shaki
|

لم أجد للصدق المطلق سبيلاً، ولم أعرف للحب الصادق خليلاً، منذ زمنٍ فصل جيلاً عن جيل. بداية ذاك الزمن ليست سؤالي، ولا أذكر يوم نهايته، ولم أسعد يوماً برحيله. كل ما أذكره أن زمناً جميلاً مرَّ يوماً من هنا، كان فيه ذات المكان غير مكان، وذات الإنسان غير إنسان. وأني كنتُ يومها في عِداد الأحياء ولم أكن في عداد الحاضرين.

كان أفول نجم ذاك الزمان السعيد ونهايته المجهولة المعلومة، إيذاناً ببدء زمانٍ آخرٍ مجهول النهاية هو الآخر. هو زمني الحاضر الذي أجهد أن أكون من حاضريه، مُخالفاً بذلك جُل شروط وآليات الحضور. كلفني زمني الحاضر، بمهام دونما تأهيل ولا تمويل. فوجدتني مُدرج الاسم على قوائم العُمال المسئولين، والطلقاء المكبلين، والعقلاء المجانين، والفقراء المتصدقين، وأولياء الأمر المُطيعين، والأحرار المستعبدين، والمثقفين العاطلين عن الثقافة، والأدباء المنحدرين من جذور الفكر المهجور.

وكردة فعلٍ من جهتي، لم أستشر فيها أحداً، سمحت لنفسي أو ألزمتها بعشق السؤال حتى أضحى السؤال جزءاً من كياني. اعتدتُ مشاكسة سؤالي لي طيلة صحبتنا الطويلة، التي لا يصح الآن أن أَهَبَها كيل مديحي، ولا يليق بي ذمها قبل أن أرى ما يكون بعدها من أمر الجواب الذي أبحث عنه وأخشى لقاءه، أو رحلة اليأس السرمدية التي لا مكان ولا قيمة للجواب حينها ولا للسؤال.

ورغم أني لم أعد مطمئناً لخبث سؤالي، واستغلاله لحبي له، وتطاوله على مبادئ وقواعد أفكاري، واقترابه أحياناً من خدش كبريائي، إلا أن عزائي ومبعث صبري كامنٌ في اعتقادي بأني أملك جوابه، وأُتقنه نغماً وحبراً، سبباً وأدباً وفكراً، بما يكفيه تلميحاً، وإن شئت كشفاً وتشريحاً وتجريحاً، وردماً له في نفسي. وفي جوابي ما يكفي من حُجَّةٍ تُسكِتُ من أراد من المكابرين عنادي.

لا يؤخرني عن صفع سؤالي بجوابه سوى انتظاري لاكتمال نصاب أنصاري، وشهود العدل، وإذن الزمان، وبلوغ محطة في الدهر أوكل القادر اختيارها للأقدار. ورغم طاقتي على الصبر وطول الانتظار. إلا أن ظنوناً أضحت تطرق مسامعي، يتقطع ولا ينقطع أزيزها. أمست أجراس هواتف الشكوكِ تُفسد عليّ متعتي بمَشاهد رحلتي الحزينة الصامتة، فأتوهّم أن صبري قد لا يكون غير الفرصة القاتلة التي يحتاجها قاتلي. فقد يُفلح مع الأيام سؤالي بتعرية كلماتي من حُجّتها التي ما تزال تزينها. ذلك إذا أطلت مكوثي حيث أنا الآن بإحدى مكتبات منطق الجنون وفكر العبث. أدرس وأبحث في أسرار تلذذ العاجزين بعجزهم، وسر بقائي بينهم، مع عدم معرفتي بما يُخفيه غدي؛ حتى بتُّ أخشى أن يعثر عليّ الجواب أثناء بحثي المزمن المزعوم عنه.

انتابني مرة – هي واحدة ليس قبلها ولا بعدها - شعورٌ بالأسى والشفقة على روح سؤالي، وكأنها توشك أن تُزهَق بأمرٍ مني، كما لو أني كنتُ أُدرك أن الجواب الشامل قادم لا ريب، يحمل حكماً نافذاً بإعدام وجود السؤال، فليس بعد وصول الجواب الشامل من سؤال. صدَّقت الأمر للحظاتٍ، بحثت خلالها عن سؤالٍ أنيس لسؤالي، لعلي أحتفظ بهما بعيداً عن مقصلة الجواب الشامل المدمر القادم. وخشية أن يمتلئ الكون يوماً أجوبة تبحث عن سؤالٍ حين وحيث لا سؤال.

ورغم إيماني بوضوح رسالتي، واعتقادي بقدرتي على إيصالها قولاً وفعلاً، لكل من ألقى جسداً يحوي سمعاً وشيئاً من البال وقدراً يسيراً من الإبصارِ. إلا أني بِتُ أشعر بقصورٍ لدي في الأداء، دلل عليه وأكده لي، وجود أبرياء وبسطاء ومغفلين وحمقى في حياتي. على قائمة علاقاتي وصداقاتي التي وجدتها أمامي، وتلك التي بنيتها قبل أن أُدرك معايير الصديق. أولئك الذين يعرضون عليَّ نصحهم والإرشاد، ويستعرضون أمامي صنوف عبقرياتهم، التي تصول وتجول في مناسبات لعب الورق، وفي غِيبة الغافلين حضوراً وغائبين. بينما يظهر بوضوح تامٍ كامل الألوان من خلالهم، كم هو غائر جرحنا، كم هي صادقة صريحة مأساتنا، كم هو خافت صوتنا – قياساً لعمق مأساتنا وحجمها وألمها، كم هي قاصرة قذرة أحياناً بعيدة دائماً عن حقيقة الآخر – عين الأنا فينا.

بذلك ظل سؤالي القديم قادراً على البقاء وحيداً، رافضاً الزواج بأجوبة من مختلف الأعمار، ما فتئت تخطب ودّه. سؤالي الذي يسرح ويمرح كطفل بريء شقي، أطربُ أنا برؤية سعادته، بينما يعبث هو بزينة خيالي، لا مبالياً بمشاعري، حتى صار أملي أن أحصل على جواب له لا عليه. أردتُ جواباً يصون كبريائي ويُبقي على حياة سؤالي. ذلك بأن يكشف الجواب بعضاً من غموض سؤالي، فيحدَّ قليلاً من حِدة خواطري من صوبه، ولا يوقف تماماً مدَّها. فلا تزورني إلا بموعدٍ أتهيأ فيه لاستقبالها ما دمت عاجزاً عن بلوغ إجابة تُضيء ظلماءه وتملأ تجاويفه، فينهار أمامها صمود حيرتي في أمره ومن بعده.

كنت قد استهزأت بأمره بادئ الأمر، وكان ذلك طيشاً مني وجهالة معشر الغُشُمِ. أما اليوم فقد أعدتُ قراءة الجُمَلِ أحرفاً لا كلماتٍ، فأدركت كم كنتُ غِرّاً حين ظننت أن صحبة السؤال تبقى أقل من أن تشغل حيزاً من الفكر أو تزعج راحة البال. وأن سؤالاً – أنا من أذن بطرحه، يظل سهلاً، لا يحتاج جوابه الوصول إلى الحِمى البعيد الكبير، حيث مراتع الأفكار ومشارب فلسفات الخيال.

كم كنت أسيراً لهوى الشباب ربما، وربما لأوهامٍ يربطني بها عَقْدٌ طوال حياتي، لم أُستَشَرْ في زواجي بها، وعصمة الفراق كُتِبت لها بأي حال. كنت كذلك حين كنت أنتظر انجلاء ضباب الأمر دون جهدٍ، أمام ثقتي المفرطة العمياء بصحة تنبؤاتي. لم أكن أُقيم للزمن وزناً وقتها، لاعتقادي أنها مسألة قادم الأيام لا قادم الأجيال، وتطمئن بعدها النفس، وما ذاك سوى تأكيد لأمرٍ أراه مؤكداً. أما الجديد حينها فسيكون تسليم الآخرين بكل مسلماتي!

قال أحدهم عني إني مجنون! فقلت لا شك أنه جنون سؤالٍ لا جنون جواب! وإلا، فإني لم أقابل عاقلاً، أو أني لم أقابل أحداً فيما مضى من سني حياتي!

لا أشك الآن أيها الأديب القارئ البليغ، في أنك قد أدركت مظلمتي لدى الزمان ومعشر البشر والأقدار. ولِمن أراد معرفة المزيد عن صورِ سؤالي أو أراد مرافقتي، أسوقُ بعض البوحِ كما أعيشه الآن واقعاً، وطوال ما مضى من حياتي التي ما زلت أذكر.

أذهلتني قهقهاتهم حيث عجزتُ أنا عن التبسّم

أعدتُ النظر في المشهد، فوجدتني أمتلك للابتسامة مرفأً، يعُجُّ بسفن الضحك – إن كان ما لديهم يُضحك. حاولتُ مراراً عبثاً أن أجد سبيلاً – لغةً – قاسماً مشتركاً – سرداباً – أي شيء غير الجنون، يُعطي لما يدور تعريفاً ولو مُبهماً. لعلي في نهاية اليوم أخرج من المسرح بجملة لها معنًى قابلاً للنطق، بعد إذ استحال عليّ فهم المقال. فوجدتني أحيا بين آهاتٍ تتبسم كلما ماتت وتساقطت أوراقٌ من شجرة الأخلاق. وبين آلامٍ تجهل تكابر تتنكر لدائها، وتصف البلسم لمن تصفهم بأعدائها. وعاهاتٍ تُسدي للسلامة بنصحها وأفكارها، وتُرشد العقل إلى طريق الجنون الآمن.

أجد من حولي عباقرة في أوج محنتهم، يدّخرون حكمتهم لحين حاجتهم. وجدت من حولي من يكذبون على النفس قبل الآخر – دون أدنى ضائقة – أوان دعوتهم للتضحية بالأرواح من أجل صون فضيلة الصدق. يمدحون المنطق ويُظهرون حبه ويلعنون غيابه وعدوّه؛ ويبقى رأيهم في المنطق قائماً؛ وصون ودِّهِ من أولويات أمرهم، إلى أن يُصدّقهم المنطق المسكين، فيتجرأ يوماً يخالف فيه واقعاً لهم – ليس فيه ذرة من منطق.فحينئذٍ يظهر أن في الأمر قولان. فتتوارد فتاوى دحض حجّة المنطق. ليتفقوا آنذاك أن المنطق – هنا – ضربٌ من الجهلِ. فيقلبون له ظهر المجنِّ، ويُحرضون الواقع ضده. فلا يذكرونه بعدها بخيرٍ إلا مُكرَهين، أو أن يُطابق المنطق أهواءهم صدفة. ويرون أن هذا الذي يفعلون هو ضربٌ من أجود أنواع المناطقِ.

وجدت بينهم ظلوماً يبغض ظُلماً، ورأيتُ فيهم جهولاً يشتم الجهل. رأيت شروط الانتحار وقد توافدت وتجمعت بينهم فتحققت، ولم يعد يفصلها عن النصاب ويمنعها من حفظ كرامة الإنسان لديهم، سوى غياب الفتوى عن حضور جلسات فقه عصر العقل المنطقي.

|
شارك
⚜️
كَاتِبُ هَذِهِ الْمَخْطُوطَةِ

™shaki

"لا قداسة فوق العقل. ولا شرف للخوف. ولا معنى ثابت، إلا ذلك الذي تخلقه بيدك."

172 مَقال
مُنذُ 2009
الملف الشخصي;

أحدث المخطوطات

استعراض الكل ←
📖

مراسلات القراء

اترك أثرَك هنا — فالنصوص تكتمل بقرّائها