اضغط Enter للبحث | Esc للإغلاق

فلسفة يوليو 06, 2026

دوافع المنتحرين وحياة الآخرين!

اِنْبَثَقَ هذا النَّصُّ مِن ™shaki
|
غايتنا رؤية الوعي البشري، متحررًا من الوهم الثقافي والتوجيه الفكري.

ربما يكون من المُبرَّر أن يبذل الإنسان جهدًا لتوفير متطلبات حياة دائمة – إن وُجِدت! أما حياة مؤقتة كحياتنا، فهي بحاجة لتبرير لا لتوفير متطلبات!

ماذا يعني أن تخشى دول كإسبانيا واليونان وإيطاليا وقبرص وفرنسا وأمريكا، من انهيار اقتصادي..؛ بينما دول كمنغوليا ومالي وبنغلاديش والنيجر وكوريا الشمالية وكوبا، لا تخشى الانهيار الاقتصادي؟ الجواب باختصار: لأن المجموعة الأولى مرتفعة وتخشى السقوط! بينما المجموعة الثانية، لا تخشى السقوط، لأنها لم ترتفع لتعرف معنى السقوط! هذا لا يعني أن الارتفاع هو الصواب بالضرورة، لكن هذا هو الواقع!

لماذا ينتحر بعض البشر، ولا ينتحر آخرون؟

الجواب: الانتحار لدى البشر، يُعادل الانهيار الاقتصادي في دول المجموعة الأولى! وعدم الانتحار لدى آخرين، يُعادل عدم الانهيار الاقتصادي في دول المجموعة الثانية!

الوعي مستويات، والبشر والحياة والانتحار أصناف! إن الواقع والاختلافات الخلقية الطبيعية بينهم، قد أجبرت البشر على تصنيف ذواتهم وحيواتهم إلى أربعة أصناف أساسية: الحياة المُرفَّهة، الحياة المنطقية، الحياة الكريمة، والحياة اللاإنسانية!

الحياة المُرفَّهة، وهي حياة الأثرياء والملوك والأمراء والرؤساء!
الحياة المنطقية، وهي حياة العُلماء والفلاسفة، وهي التي تكون السيادة فيها للمنطق على حساب المال والسلطة والعاطفة والغريزة، وهي حياة خاصة لا تُناسب أغلب البشر!
الحياة الكريمة، هي الحياة المتوسطة، وهي المصحوبة بالحد الأدنى من الاطمئنان المادي والأمني، وهي واقع بعض البشر، وحُلم أغلب البشر..، ووصفها بالكريمة يأتي فقط قياسًا للحياة اللاإنسانية!
الحياة اللاإنسانية، وهي حياة البؤس والعوز والعجز واليأس والخوف والاستعباد والجهل والضعف، وهي واقع أغلب البشر اليوم!

الانتحار

الانتحار يحصل عندما يكون الإنسان مؤهلاً لممارسة الوجود، ويعجز من ممارسته..، حيث إن الوجود العاجز هو وجود الذات في نظر الآخرين فقط، وليس وجودًا للذات في نظر الذات، ولذلك ترفضه — بالانتحار!

وجود الذات في نظر الآخرين، يعني أنها شيء موجود، وليست عدمًا! عدم وجود الذات في نظر الذات، هو شعورها بأن وجودها لم يعد مبررًا! هذه الحالة تؤدي إلى الانتحار، وهي تحصل عندما يجد الإنسان المُدرك نفسه في الحياة الخطأ! والانتحار هنا يأتي كخيار وحيد، عندما يتعذر على الإنسان الانتقال إلى الحياة التي تناسب فطرته وخلقته، والتي يستطيع فيها ممارسة وجوده الذي تطلبه الذات!

الانتحار أصناف، أهمها صنفان أساسيان، هما:

الانتحار المادي أو التقليدي، ويتمثل في موت الجسد!
الانتحار المعنوي، ويتمثل في موت الإدراك..، أي حصول الجنون!

مستوى الوعي والإدراك

مستوى الوعي والإدراك لدى الإنسان، هو الذي يُحدد صنف الحياة التي تُناسبه!

الانتحار والحياة المُرفَّهة .. بحسب معايير هذا الصنف من الحياة، تُعتبر الحياة المتوسطة مُبرِّرًا كافيًا للانتحار التقليدي!
الانتحار والحياة المنطقية .. الحياة المنطقية تعني أن يتجاوز الإنسان ممارسة الحياة إلى ممارسة الوجود، والانتحار هنا لا يكون إلا لأسباب منطقية – بغض النظر عن المعطيات الأخرى!
الانتحار والحياة الكريمة .. الحياة الكريمة هي حد أدنى من الحياة المقبولة لدى بعض البشر، وهم الذين يُفضِّلون الموت على الحياة اللاإنسانية..، وبذلك هُم مهيأون للانتحار التقليدي أكثر من غيرهم!
الانتحار والحياة اللاإنسانية .. الحياة اللاإنسانية، هي الحد الأدنى الطبيعي للحياة البسيطة كنقيض للموت؛ والبشر المُهيّأون لهذا الصنف من الحياة، هم معفيّون فطريًا من الانتحار!
معلوم أن الانتحار سلوك بشري يعكس خصوصيات شخصية، فلا يأتيه مَنْ ليس مُهيأً له طبيعيًّا، ولا سبيل لثني المُهيّأ له عن إتيانه – إذا توافرت دوافعه واكتملت شروطه! ومعلوم أن الانتحار التقليدي ليس صناعة للموت كما يتم تصويره، إنما هو مجرد مشاركة في تحديد موعد الموت، فهو حرق مراحل والقفز إلى نهاية محتومة!

فالانتحار هو اتخاذ الذات البشرية الواعية، قرارًا بتحديد تاريخ ووقت موتها، وهو سلوك خاص بالكائن البشري، لأنه يتطلب وعيًا وإدراكًا، وهو ما لا يوجد على الأرض إلا لدى الكائن البشري!

ربما يوجد من الكائنات الأخرى ما يموت بصورة تُشبه الانتحار عند البشر، لكن موت كل الكائنات الأخرى يُصنَّف بأنه موت طبيعي إجباري وليس انتحارًا اختياريًا، حيث أنه يأتي كنتيجة حتمية، تعقب ممارسات طبيعية..، بينما الانتحار لدى البشر هو سلوك اختياري وليس حتميًا ولا يمكن التنبؤ به!

لماذا ينتحر بعض البشر ولا ينتحر غيرهم – تحت ذات الظروف؟

الجواب ببساطة، هو: لأن البشر مختلفون! وبديهي أن تطابق الظروف الخارجية لا يُلغي الفروق الداخلية، فليس كل الألوان تُناسب كل الأذواق!

معلوم أن الغرائز وحدها هي التي تُحدد سلوك كل الكائنات الأخرى، بينما يتفرد الكائن البشري الواعي بأن سلوكه يتحدد بحسب سيطرة إحدى قوتين مختلفتين، إحداهما لا إرادية عبثية، والأخرى إرادية منطقية، وهما: الغرائز والإدراك! فإذا هيمنت القوة اللاإرادية العبثية (الغرائز) على سلوك الكائن البشري، أصبح سلوكه مُشابهًا لسلوك غيره من الكائنات..، وهنا لا يتخذ قرار الانتحار تحت أي ظرف – شأنه شأن غيره من الكائنات! أما إذا هيمنت القوة الإرادية المنطقية (الإدراك) على سلوك الكائن البشري، بات سلوكه مختلفًا بالكامل عن سلوك غيره من الكائنات، ويُصبح مُهيأً لاتخاذ قرار الانتحار!
الوعي التام = الإدراك = المنطق التام = استسلام العواطف والغرائز للمنطق! سيطرة المنطق تعني التعاطي المباشر مع الوجود..، وذلك يعني السير على طريق الكمال..، وبلوغ الكمال يعني تجاوز الوجود والاندماج بالكون! سيطرة الغرائز والعواطف تعني التعاطي الآلي مع الوجود من خلال يوميات الحياة! أي مستوى من الوعي، يُحقق مستوى معين من الإحساس بالوجود..، لكن ليس كل مستوى من الوعي يُؤهل لممارسة الوجود!

المنطق والتناقض

كلما ازداد وعي الإنسان نشط إدراكه فازداد ارتباطه بالمنطق، والارتباط بالمنطق يعني ازدياد قوة الرفض للمفارقات..، أي أن الإنسان المنطقي غير قادر على التعاطي مع المتناقضات – إلا برفضها! ومن هنا فإن قرار الانتحار لا بد أن يكون نتيجة لاصطدام الإدراك بمفارقة أو تناقض!

مثلاً، عجز الإنسان عن تلبية متطلبات مادية ضرورية للحياة! هذا العجز يُترجم لدى الإدراك بأنه تناقض ينبغي ألا يكون، فإن حدث، وجب تصحيحه بأسرع ما يمكن! ومن الطبيعي أن تصحيح أي تناقض، لا يكون إلا بإلغاء أحد طرفي التناقض..، وفي هذا المثال، التصحيح يقتضي من الإدراك إحداث أحد أمرين، إما توفير متطلبات الحياة، أو إيقاف الحياة! وحيث إن العجز يعني انعدام إمكانية توفير متطلبات الحياة، لذلك يكون الخيار البديل أمام الإدراك هو إيقاف الحياة، فيكون قرار الانتحار!

العجز في قاموس الوعي والإدراك، لا يعني انعدام كل الوسائل لتوفير متطلبات الحياة، إنما يعني انعدام الوسائل المقبولة منطقيًا وأخلاقيًا، والتي تُناسب صنف الحياة التي ينتمي لها المنتحر..، التسول – مثلاً، هو وسيلة لتوفير متطلبات الحياة، لكنها وسيلة مرفوضة منطقيًا وأخلاقيًا – في الأصناف الثلاثة الأولى من الحياة!

التناقض المرفوض لدى الإدراك، لا يقتصر على متطلبات الحياة المادية والظروف الشخصية، بل إن كل صور ومجالات التناقض التي لا بد للإدراك من التعاطي المباشر معها، هي دوافع لإيقاف الحياة – إذا لم يكن أمام الإدراك من سبيل آخر لتصحيحها..، ومنها التناقض الثقافي والفكري والاجتماعي والعقائدي والسياسي.. الخ..، فقد يقرر الإدراك إيقاف الحياة، لأن استمرارها يعني مساهمة في تناقض في منظومة حقوق الإنسان بصفة عامة، أو تناقض في منظومة الوجود ككل!

الإنسان والبشر

الكائن البشري الذي يُهيمن الإدراك على سلوكه، فيجعله يرفض التناقض، هو الذي أدعوه عادةً "إنسان"! والكائن البشري الذي تُهيمن الغريزة على سلوكه، فتجعله قادرًا على التعايش مع التناقض، هو الذي أدعوه عادةً "بشر"!

هل صحيح أن الانتحار دلالة على هشاشة الذات؟

هذا التفسير يتردد على ألسنة بعض المثقفين، وهو لا يعدو أن يكون تفسيرًا أقبح من جهل، أو أقبح من جُبن! إنه يكفي لإثبات خطأ وانحراف وهشاشة وضحالة هذا التفسير، أن يكون بين المنتحرين، أثرياء ومحامون وفلاسفة وضباط ودكاترة ومعلمون ومسئولون سياسيون في مختلف المناصب والمستويات ومن مختلف الأعمار!

لماذا يتفق كل البشر على نبذ فكرة الانتحار؟

نبذ البشر لفكرة الانتحار هو سلوك بشري حقيقي، لكنه لا يستند إلى أساس علمي أو منطقي أو واقعي أو أخلاقي، إنما هو تعبير عن الجُبن والأنانية، فهو ببساطة ردة فعل عاطفية طبيعية حتمية..، لأن قبول فكرة الانتحار يُعتبر طعنًا في فكرة الحياة التي يُمارسونها..؛ ولكي لا يبدو الأحياء متناقضين مع أنفسهم، كان لا بد لهم من أن ينبذوا فكرة الانتحار – حتى لو كانت مبررة أو مقبولة لديهم!
لا شك أنه يوجد من الناس من يرفعون القبعات احترامًا للمنتحرين، وهؤلاء لديهم من الثقة في النفس والشجاعة والمصداقية والواقعية والأمانة، ما يجعلهم يعترفون بأنهم مستمرون في ممارسة الحياة – فقط لأنهم لا يمتلكون الجرأة الكافية للانتحار، وليس رفضًا لفكرة الانتحار ولا تمسكًا بالحياة!
والحقيقة أن التشبث بحياة مؤقتة هو الذي بحاجة إلى تبرير، وليس الانتحار..، خاصة إذا كانت حياةً حافلة بالبؤس والتشرد والخوف، وتقوم على الكذب والتزوير والنفاق!

الإدراك والانتحار

قرار الانتحار كما قلنا يصدر عن الإدراك وليس عن الغريزة، ولذلك ينتحر الإنسان، ولا تنتحر الحيوانات والحشرات والنباتات والجمادات!

والانتحار في المستويات العلمية والفكرية والمادية الكبيرة، والتي يبدو الانتحار فيها غير مبرر، هو في الواقع مبرر تمامًا، فهو نتيجة طبيعية لتجاوز الإنسان مرحلة ممارسة الحياة، وبلوغه مرحلة ممارسة الوجود!
ممارسة الوجود، هي أن ينظر الإنسان إلى ذاته كجزء من الوجود ككل، وليس مجرد فرد في جماعة بشرية صغيرة ضعيفة مجهولة! عند هذا المستوى من الوعي والوجودية، تهبط قيمة أسهم الحياة، حيث يتعرى روتينها، وتنكشف تفاهة جزئياتها ويومياتها، وهزلية بروتوكولاتها، وخشبية وبدائية طقوسها ومناسباتها، فتبدو مملة ولا تستحق أدنى جُهد يُبذل فيها، فتهبط في نظر الإنسان حتى يُصبح مجرد البقاء فيها يحتاج إلى جُهد كبير وإلى دوافع غير متوفرة، حيث تبدو الحياة عبارة عن هزل وعبث يُمارسان بصورة جدية، بل هنالك من تبدو له الحياة عبارة عن عار!

كيف يحدث الانتحار المعنوي أو انتحار الوعي (الجنون)؟

الانتحار المعنوي أو الجنون، يحدث عندما تكون قوة الغريزة مساوية لقوة الإدراك! غريزة الحياة لدى كل الكائنات الحية، هي قوة حيوية ذاتية، مسئولة عن التشبث بالحياة ومقاومة الموت – سواء بالانتحار أو الموت الطبيعي! والإدراك لدى الإنسان، هو قوة منطقية ذاتية، مسئولة عن المحافظة على خصوصية الكائن البشري مختلفة عن غيره من الكائنات!

الإدراك يتخذ قرار الانتحار، عندما يقترب الاختلاف بين الإنسان وبقية الكائنات من درجة الصفر! يحدث أن يتخذ الإدراك قرار الانتحار المادي، لكن الانتحار المادي لا يتحقق، وذلك بسبب مقاومة قوة الغريزة المساوية لقوة الإدراك..، فإذا قرَّر الإدراك إيقاف الحياة، وعجز عن تنفيذ قراره، فإن العكس يحصل بالضرورة، حيث يتوقف الإدراك وتستمر الحياة، ويُصبح الإنسان حينها تحت سيطرة الغريزة بالكامل، ويُصبح سلوكه حيوانيًا، وتلك نتيجة طبيعية، وهو ما يُعرف ثقافيًا بالجنون!

|
شارك
⚜️
كَاتِبُ هَذِهِ الْمَخْطُوطَةِ

™shaki

"لا قداسة فوق العقل. ولا شرف للخوف. ولا معنى ثابت، إلا ذلك الذي تخلقه بيدك."

172 مَقال
مُنذُ 2009
الملف الشخصي;

أحدث المخطوطات

استعراض الكل ←
📖

مراسلات القراء

اترك أثرَك هنا — فالنصوص تكتمل بقرّائها