الذات البشرية بين هفوات الفلسفة وحقائق الوجود!
— كيركغارد
فهو يعلم أن أمراً جاداً لا ينبغي أن يسمعه الناس على لسان مُهرِّج، لكن فكرة صاحبنا اضطرته لهذا الخطأ لأنها خاطئة، فالصواب أن يخرج مدير المسرح أو رجل إطفاء لتحذير الجمهور، وحينها كانوا سيأخذون الأمر على محمل الجد حتماً، ولن يجد صاحبنا ما يقول.
أنا أشك إذن أنا موجود
عُرِف ديكارت بمقولته: أنا أشك إذن أنا موجود! لعله سوء فهم أو خطأ في النقل أو قصور في اللغة أو حتى قصور في الرؤية لدى ديكارت نفسه حينها، لكن لا ريب أن هذا الكوجيطو بهذا المعنى يعاني ضعفاً كبيراً قلل من قيمته وأفسد الثمرة الفكرية التي كان يمكن أن يجنيها البشر من انتشاره وتوقيته ومكانة قائله.
لو كان هذا الكوجيطو قد وصلنا بهذه الصورة، لتغير واقعنا، ولاختفت صفة القطعان التي تُشوِّه وجودنا، أو على الأقل كان سيتم تصنيف البشر إلى ذوات طبيعية وذوات صناعية، فليس من يعرف نفسه بنفسه كمن يُحدد له الآخرون مَن عليه أن يكون.
كل البشر موجودون بالشك وبدونه، لكن قلة منهم يُمثِّلون ذواتاً بفضل الشك. جل البشر مجرد أتباع يتم توجيههم وصُنع قناعاتهم من الخارج.. فما قيمة وجودهم ووعيهم وتفكيرهم؟
الضعف في هذا الكوجيطو يتحول إلى خلل وخطأ إذا كان ديكارت يَفترض أن مجرد إثبات الوجود هو إثبات للذاتية، أو أن مفهوم الوجود الفضفاض أهم للإنسان من مدلول الذاتية المحدد.
إن فتوى من هذا الفقيه أو ذاك، تؤدي إلى تصنيع ذوات بشرية حسب الطلب – تماماً كما يتم تصنيع الذخائر. وفتوى ثانية من نفس الفقيه تؤدي إلى إعادة تصنيع نفس الذوات وتغيير مسارها وقناعاتها.. فما قيمة وجود هذه الذوات المصنَّعة والكائنات الموجهة.
الوجود الفلسفي الذي يمكن أن يكون يقصده ديكارت بأبعاده الوجدانية والأنطولوجية، هو وجود لا حضور ولا تأثير له في حياة عموم البشر الذين يُمثلون الأغلبية ويصنعون الواقع البشري عددياً.
إذا كنت لا تمتلك المقدرة على الشك في كل شيء حتى يتبين لك صوابه، أو إذا كنت لا تمتلك معياراً خاصاً بك للصواب، فعلى الأقل يتوجب عليك بداهةً ألا تمنح درجة اليقين لأمرٍ يشك فيه الكثيرون من حولك.
ما هي الذات البشرية؟
مفهوم الذات البشرية أصبح اليوم قاعدة قانونية، لكن.. هل الذات البشرية شيء واقعي ومُبرهن منطقياً؟ أم هي مجرد فرضية فلسفية وافقت حاجة اجتماعية؟
نحن مدعوون أنطولوجياً لمساعدة الأشياء على الاحتفاظ بقيمتها من أجلنا، ذلك لأن الأشياء موجودة فقط، أما قيمتها فهي لدينا نحن!
المغالطة الفلسفية في مفهوم الذات البشرية
مفهوم الذات البشرية أو فلسفة الذات، كان دافعها والهدف منها هو معرفة الفرق بين البشر وغيرهم من الكائنات في علاقتهم بالوجود، لكن الذات تحولت إلى حق خيالي قائم في ذاكرة كل إنسان لمجرد انتمائه ظاهرياً للجنس البشري – لا لأنه يمتلك ذاتية أو يُمثِّل ذاتاً بالفعل. خيال الذات في مخيلة الإنسان كخيال الزمن والماضي!
الفلسفة لم تفعل أكثر من وصفها للمشهد البشري من الخارج، لكن الفلاسفة وضعوا وصفهم للمشهد البشري تحت عنوان التفسير والتحليل والتشخيص، بينما هو في الواقع مجرد وصف ظاهري مثل وصف السراب من الخارج!
محاربة التدخين، منع تعاطي المخدرات، فرض حزام الأمان أثناء القيادة، فرض المعتقدات الدينية، محاربة الانتحار، برامج التنمية البشرية.. الخ، كلها مظاهر تصنيع بشري لذوات بشرية على مقاسات فلسفية وعلمية معينة، وليس تعاملاً مع ذوات بشرية قائمة!
المتطرفون والإرهابيون
فلسفة الذات والمنطق
فلسفة الذات تتوافق مع المنطق عندما يكون أساسها الدفاع عن الذاتية! ما كان ينبغي أن تقوله الفلسفة ولم تقله هو:
قول الفلاسفة بأن لكل إنسان ذاته، ثم قولهم بأن سلوك البشر ينبغي أن يكون بهذه الصورة أو تلك، هو تناقض صريح، وهو ما أدى إلى الخلط بين مفهوم الذات الموجودة أنطولوجياً والذات المُصنَّعة بشرياً.
الواقع يقول
نظرة أخيرة في الوهم والذات
ما نعتبره وعياً يُميِّز البشر عن غيرهم، هو مجرد إفراط لديهم في الإحساس بالألم، تطور إلى استشعار الألم قبل حدوثه، مما أوجد لديهم رُهاباً من الألم حتى دون وجود مؤشرات على إمكانية حدوثه، وهذا ما جعل البشر قابلين لاعتناق الوهم دون غيرهم!
كل المعتقدات وربما كل الفلسفات أيضاً، تقوم على أساس خاطئ، هو افتراض وجود شيء اسمه الذات المُفكِّرة لدى كل فرد بشري، مالكة إرادة، ومستقلة واقعياً عن بقية الأجزاء المعروفة من الإنسان – شأنها شأن فرضية الروح المستقلة عن الجسد!
خاتمة: الفلسفة والذات
ذكرنا هنا أمثلة للفلاسفة الذين نرى بأنهم قد خاطبوا عموم البشر، أو الذين وجدوا مفردات لغوية قادرة على نقل أفكارهم، أو الذين تجرؤوا على الإفصاح عن فلسفاتهم.
قال نيتشه: الفلسفة هي أن تبحث في الوجود عن كل ما يجعلك تغترب عن نفسك وتطرح أسئلة عن ذاتك ويقينياتك الحميمة!
قال سارتر (ما معناه): إن الآخرين قادرون على جعلي أشعر بالخجل، إذن الآخرون موجودون بالفعل كذوات لا كأشياء ولا مجرد انطباعات!
قال: أنا موجود يعني أنا ذات مفكرة مُدرِكة لوجودها! لكن المنطق اليوم يقول: أنا موجود يعني أنا وجود يشعر بماهيته ويشعر بوجود غيره، فالشعور الذاتي التلقائي فينا هو وحده الذي يعمل ويُعلن عن وجوده لنا كما لغيرنا، دون سؤال منا ولا من غيرنا، ودون أمر خارجي من ذات مفكرة تمثلنا!
وجود الإنسان كوجود أي شيء موجود – لا يمكن نفيه، لكن الذات هي الإشارة المعنوية التي تميز البشر عن بعضهم وعن غيرهم من الكائنات – إن وُجِدت!
الشعور بالخجل الذي اعتبره سارتر دليلاً أنطولوجياً على وجود ومعنى وخصوصية الذوات البشرية، هو في الواقع لا يرقى إلى مستوى الدليل الأنطولوجي، فهو مجرد نتيجة اجتماعية وموروث ثقافي مرحلي مفتعل!
كثير من السلوكيات المخجلة في بعض الثقافات، ليست مخجلة في ثقافات أخرى، فهل تنعدم الذات حيث ينعدم الخجل؟ التجسس يسبب الخجل عند اكتشافه، لكن التجسس لا يكون إلا بسبب الضعف والجهل، وعند درجة معينة من القوة والمعرفة ينعدم الخجل، وهذا يعني أن الخجل صفة عابرة مرتبطة بالجهالة والضعف، ويمكن أن تزول من الشعور الإنساني يوماً، وليست صفة أنطولوجية مرتبطة بالوجود الإنساني حتى يمكن الاعتماد عليها للاستدلال على إثبات وجود الذات وتعريفها!
الوجودية التي يتحدث عنها سارتر والآخرون، هي وجودية معرفية تعريفية، أما الوجودية الطبيعية فهي موجودة لدى كل الكائنات الحية وليست مقتصرة على البشر..، وهنا نحتاج إلى تعريف هذه الوجودية! كل تعريف نضعه للوجودية الطبيعية سنجد أنه ناقص، ما لم يكن تعريف الوجودية بالنسبة للإنسان هي الحياة، وليس بعضاً منه ككائن حي!
عندما نقول بأن الوجودية هي الحياة، يعني أنه لا وجود لنا منفصلين عن الحياة! الصواب أن أقول: أنا حياة، وليس أنا كائن حي! الوجودية المقترحة فلسفياً تعني فصل الكائن الحي عن الحياة، ومن هنا اتضح الانحراف الفلسفي، حيث انطلق التفكير الخرافي بإمكانية وجود ذات الإنسان بعد موته!
الوجودية الفلسفية تعني فصل الفكر عن الوجود، وهذا تشوُّه مفتعل وامتداد للانحراف الفلسفي السابق! الوجودية الفلسفية تجعل من عملية التفكير صفة للذات، بينما العكس هو الصحيح، والأصح أنهما شيء واحد ذاتي منطوٍ على نفسه، لا تقوده إرادة من خارجه ولا من داخله، إنما هو مجرد مزاج فاعل متفاعل!
مراسلات القراء
اترك أثرَك هنا — فالنصوص تكتمل بقرّائها
إرسال تعليق
انتقل إلى نموذج التعليق