طلب المعنى في كونٍ لا يَعِدُ بشيء !
لم أكن أعلم، حين دخلت الحياة أول مرة، أني سأقضي أكثر أيامي أبحث عن شيءٍ لا أعرف وصفه، وأفتش عن أمرٍ أعجز عن رسم ملامحه إذا سُئلت عنه. كل ما كنت أعلمه – أو أتوهم علمه – أن في صدري فراغاً لا تملؤه الأشياء حين تأتي، ولا يزداد اتساعاً حين ترحل، وكأن له طبيعة خاصة ترفض الاعتراف بكل ما يقع تحت سلطان الواقع.
ولم يكن الأمر شوقاً إلى مالٍ لم أملكه، ولا إلى جاهٍ فاتني، ولا إلى حبيبٍ أضناني غيابه. فقد رأيت أصحاب المال يشكون فقراً لا تعرفه الجيوب، وأصحاب الجاه يطاردون ظلالاً من المكانة لا تبلغها الألقاب، ورأيت العشاق وقد حصلوا على ما تمنوا ثم مضوا يبحثون عن أمنيةٍ أخرى. ففهمت، أو كدت أفهم، أن في الأمر علة أعمق من حاجات الإنسان المعتادة، وأن الجرح الذي أحاول مداواته ليس من النوع الذي تعالجه الأيام أو تفسده.
ومنذ ذلك الحين، صار المعنى بالنسبة لي جاراً سيئ الخلق، أسمع ضجيجه كل يوم ولا أراه. أستدل على وجوده من آثار غيابه، وأستشعر حضوره من شدة افتقادي إليه. فإن أقبلت على الدنيا بأسبابها ومشاغلها، وجدتني أبحث عنه بينها. وإن اعتزلتها يائساً منها، وجدته جالساً إلى جوار عزلتي، يراقبني في صمتٍ مستفزٍ لا يخلو من سخرية.
وقد حاولت غير مرة أن أقطع ما بيني وبينه من أسباب العلاقة. قلت لنفسي: وما حاجتك إلى المعنى أصلاً؟ أليست الأشجار تنمو بلا فلسفة؟ أليست النجوم تسير في أفلاكها دون أن تسأل عن غايتها؟ أليست البحار تملأ جوف الأرض بالماء منذ ملايين السنين دون أن تعرف سبباً واحداً لفعلتها العظيمة؟
فعلمت أن مشكلتي ليست مع الحياة وحدها، بل مع ذلك الجزء مني الذي لا يكف عن مطالبتها بتفسير نفسها.
وكم بدا الأمر مثيراً للشفقة حين تأملته ملياً.
كنا – وما زلنا – أشبه بضيفٍ دخل مأدبةً دون دعوة، ثم أمضى السهرة كلها يسأل عن اسم صاحب البيت، وسر بناء الجدران، والحكمة من ترتيب المقاعد، بينما يواصل الحاضرون تناول الطعام غير عابئين بما يحيره.
وربما لهذا السبب تحديداً لم أفهم البشر قط.
أدهشني دائماً أولئك الذين ينامون مطمئنين في عالمٍ لا يعرفون من أين جاء، ولا لماذا وُجد، ولا إلى أين يمضي. يختلفون على الألوان والأسماء والرايات، ويخوضون الحروب من أجل أفكارٍ لا يملكون البرهان عليها، ثم يصفون بالحالم أو المجنون من يسأل عن أصل الحكاية كلها.
رأيتهم يختلفون في كل شيء تقريباً، إلا في أمرٍ واحد: النفور من السؤال الكبير.
أما أنا، فقد كان لي معه شأنٌ آخر.
كنت أظن في مطلع أمري أني أبحث عن المعنى. أما الآن، وبعد صحبةٍ طويلة مع الخيبة والتأمل والزمن، فقد بدأت أرتاب في حقيقة الأمر.
أخشى أحياناً أنني لا أبحث عن المعنى إطلاقاً. أخشى أنني أبحث عن مبررٍ لرغبتي المستميتة في وجوده.
ومع ذلك، يظل في داخل الإنسان صوتٌ صغيرٌ عنيد، يرفض الاستسلام لما يرى. صوتٌ لا يكف عن الهمس: لا بد أن يكون هناك شيء آخر. شيء لم ننتبه إليه بعد. شيء يجعل هذا كله أكثر من مجرد حادثة كونية طويلة انتهت بقدرة المادة على التساؤل عن نفسها.
ولعل ما زاد الأمر التباساً، أن الحياة لا تبدو معنيةً بالرد على أسئلتنا بقدر عنايتها بإنتاج المزيد منها. فما إن يفرغ المرء من حيرةٍ حتى يجد نفسه أمام حيرتين، وما إن يظن أنه قبض على طرف الخيط حتى يكتشف أن الخيط نفسه جزء من نسيجٍ أكبر لا يظهر له منه إلا ما يكفي لإدامة دهشته.
ولقد راقبتُ الناس طويلاً، لا طلباً لمعرفتهم بقدر ما كان أملاً في العثور بينهم على أحدٍ سبقني إلى الجواب. كنت أظن أن كثرة العدد لا بد أن تخفي بينها من عرف السر أو اقترب منه. غير أني كلما أطلت النظر في الوجوه، ازددت يقيناً بأن الجميع – على اختلاف أزيائهم وعقائدهم ومناصبهم وأعمارهم – يملكون مهارةً واحدة يتقنونها على نحوٍ مدهش؛ وهي القدرة على السير بثبات فوق أرضٍ لا يعرفون حقيقتها.
رأيت الواثقين يتحدثون عن اليقين حديث المالك عن أملاكه، فإذا فتشت خلف كلماتهم وجدتهم لا يملكون من أمره أكثر مما أملك. ورأيت الشاكين يعلنون الحرب على الأوهام، ثم يبنون لأنفسهم أوهاماً جديدة يسكنونها ريثما يعثرون على غيرها. ورأيت المنكرين للمعنى وقد تحول إنكارهم نفسه إلى معنى، كما رأيت المؤمنين به وقد جعلوا من البحث عنه غايةً تغنيهم عن العثور عليه.
ماذا لو كان طلب المعنى هو المعنى نفسه؟
ماذا لو أن الإنسان لا يختلف عن سائر الموجودات بما يعثر عليه، بل بما يعجز عن الكف عن البحث عنه؟
فالشجرة تبلغ تمامها حين تنمو. والنهر يبلغ غايته حين يجري. والنجم يؤدي مهمته حين يحترق. أما الإنسان، فكأنه الكائن الوحيد الذي لا يبلغ شيئاً تماماً. يظل دائماً في الطريق إلى شيءٍ آخر، وفي السؤال عن شيءٍ آخر، وفي انتظار شيءٍ آخر.
حتى سعادته ليست سعادة خالصة، بل هدنة قصيرة يعقدها مع قلقه قبل أن يستأنف الطرفان نزاعهما القديم.
ولطالما أثارت انتباهي تلك القسوة العجيبة الكامنة في طبيعة الوعي.
فالجائع إذا أكل هدأ جوعه. والعطشان إذا شرب انطفأ ظمؤه. أما الباحث عن المعنى، فلا يبدو أن المعنى – إن وُجد – يملك القدرة ذاتها على إخماد حاجته إليه.
ولهذا لم أعد متأكداً من أن الإنسان يهرب من العبث حقاً. بل ربما كان يهرب من فكرة أن العبث قد يكون كافياً.
إن في الأمر إهانةً لا يحبها العقل. وربما لهذا السبب اخترعنا ألف طريقةٍ وطريقة للنجاة منها. سميناها أحياناً حقيقة. وأحياناً رسالة. وأحياناً قدراً. وأحياناً مصيراً. لكنها، مهما اختلفت أسماؤها، كانت تحمل الوظيفة نفسها: أن تُقنع الإنسان بأنه أكثر من مصادفةٍ واعية تمشي فوق صخرةٍ صغيرة تدور في أطراف كونٍ لا نهائية له.
ومع ذلك، ورغم كل ما سبق، لم أستطع يوماً أن أعلن انتصاري الكامل للعبث.
كان ثمة شيءٌ يقف في داخلي كلما هممت بذلك. شيءٌ لا أملك عليه دليلاً، ولا أستطيع تقديمه برهاناً لأحد. شيءٌ يشبه الأمل إذا تجرد من السذاجة، ويشبه الإيمان إذا تخلى عن يقينه، ويشبه الحنين إلى وطنٍ لا أتذكر أني سكنته يوماً.
الصوت الذي ما يزال، بعد كل هذه السنوات، يهمس بالكلمات نفسها:
لعلنا لم نخطئ الطريق.
لعل الطريق هو الذي خُلق من الخطأ.
لعل المعنى الذي نطارده في آخر الرحلة، ليس سوى الأثر الذي تتركه أقدامنا عليها.
مراسلات القراء
اترك أثرَك هنا — فالنصوص تكتمل بقرّائها
إرسال تعليق