قالت الملائكة:
◈
أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء
ولم يكن هذا سؤالَ جاهلٍ يستفهم عمّا يخفى عليه، بل كان — على ظاهر اللفظ — اعتراضاً على وجه الحكمة؛ إذ لا معنى لذكر الفساد وسفك الدماء إلا إقامةُ الحجة في امتناع الفعل أو استبعاده. فكأنهم قالوا: ما وجه إنشاء خلقٍ هذه عاقبتُه، ونحن نسبّح بحمدك ونقدّس لك؟ فجاء الجواب على وجهٍ أوجز من السؤال، وأثقل منه معنى:
وهنا ابتدأ موضع الإشكال لا انتهاؤه...
فَإنَّ هذا الجواب لم يتضمن بيان الحكمة، ولا كشف العلة، وإنما أثبت وجود جهةٍ من العلم محجوبة عن غيره ، ثم أحال السؤال إلى الغيب، غير أنّ الغيب — من حيث هو غيب — لا يقوم مقام البرهان، لأن البرهان إنما يُبنى على ما يُدرَك، لا على ما يُحال إليه. فإذا قيل: إن وراء الفعل حكمةٌ لا تُدرَك، كان ذلك انتقالاً من مقام البيان إلى مقام التسليم. إذ كيف يُطلب من العقل أن يزن ما بين يديه بما لا يدري ما هو؟
✦
غير أن موضع النظر الأعمق لم يكن في إمكان وجود حكمةٍ خفية، فإن ذلك غير ممتنع في ذاته، وإنما كان في معنى الرجحان: أيُّ أمرٍ اقتضى أن يكون وجود هذا الجنس، بما فيه من لوازم الألم والفساد والتناقض والتدافع، أرجح من عدمٍ لا ألم فيه ولا فساد؟
فإن قيل: إن في الوجود خيراتٍ عظيمة،
قيل: إن السؤال ليس عن وجود الخير في نفسه، بل عن مقدار ما يترتب على وجوده من شرورٍ لازمةٍ له، لا تنفك عنه في الواقع المشهود. فليست المسألة خيراً في كفة وشرّاً في كفة أخرى، بل تركيبٌ وجوديٌّ واحد، لا ينفك فيه الخير عن ثمنه، ولا ينفصل المعنى عن كلفته.
✦
بيد أن الإشكال لا يقف عند حدود ترجيح الوجود على العدم، بل يتجاوزه إلى موضعٍ أشدّ التصاقاً بالمشهد التاريخي نفسه. ذلك أن الغاية — أيّاً كان تعريفها: عبادةً، أو هدايةً، أو ابتلاءً — لا تُقاس في الذهن، بل تُقاس في الامتداد الزمني لوقوعها.
حين يُنظر إلى التاريخ البشري من بداياته المعلومة إلى لحظته الراهنة، لا يظهر ما يدل على اكتمال الغاية على نحوٍ جامع، ولا على تحققها في صورةٍ تغلب على نقيضها.
فإن قيل: إن المقصود هو وجود طائفةٍ عابدة في كل عصر،
قيل: إن وجود القليل لا يرفع حكم الغالب، ولا يجعل الاستثناء معياراً للنتيجة.
وإن قيل: إن المقصود هو استمرار الدعوة،
قيل: إن تكرار النداء لا يعني إجابة النداء. بل إن المشهد، في امتداده الكلي، يُظهر أن الغلبة كانت لتكاثر صور الانصراف، وتحوّل أشكال الغفلة من طورٍ إلى طور، حتى إذا وصل النظر إلى العصر المتأخر، بدا الأمر وكأنما الفجوة بين "المقصود" و"الواقع" لم تضيق، بل اتسعت بتعقّد الفعل البشري واتساع قدرته على المخالفة.
❝
وهنا يبرز السؤال بوصفه قراءةً لنتيجةٍ تاريخية، لا اعتراضاً جدلياً فحسب: إذا كانت الغاية من الخلق قد تعلقت بمعنى واضح في الخطاب، ثم لم يظهر في الامتداد الواقعي ما يدل على تحققها على نحوٍ غالب، فأيّ معنى يبقى لفكرة "الغاية" ذاتها؟
❞
وهذا التوتر لا يزداد إلا حدّةً إذا نُقل النظر من "بداية الخلق" إلى "استمرار العناية"؛ إذ إن الإشكال لا يتعلق بالفعل الأول وحده، بل بامتداده في الزمن: هل تُرك هذا المشروع ليجري وفق سننه، أم أن مقتضى الحكمة يقتضي تدخلاً يُصحّح مساره كلما انحرف؟
فإن قيل: إن التدبير لا ينقطع،
قيل: فأين أثر هذا التدبير في مسار التاريخ ذاته، الذي لا يكشف عن انتظامٍ تصاعدي نحو الغاية، بل عن تكرارٍ للأنماط ذاتها من صراعٍ وظلمٍ وتراجع للإيمان؟
فإن قيل: إن التدخل يظهر في إرسال الرسل،
قيل: إن هذا الجواب يُحيل التدخل إلى لحظاتٍ تاريخيةٍ محدودة، ثم يترك الامتداد الأعظم من الزمن البشري بلا خطابٍ جديد. وهنا يتكثف السؤال: إذا كان المقصود تحقيق غايةٍ محددة، والعلم السابق محيط بكل الانحرافات، فما وجه الحكمة في انقطاع التدخل المُقوِّم بعد لحظات التأسيس الأولى؟ أهو اكتمالٌ للمشروع، أم توقفٌ لوظيفة البيان عند حدٍ لا يكفي لامتداد التجربة ذاتها؟
✦
غير أن هذا كله يظل في دائرة "تفسير الفعل" ما لم يُختبر بمعيار "نتيجة الفعل". وهنا يقع التحول الأعمق في مسار الاعتراض: فليس السؤال الجوهري بعد الآن هو "أين الحكمة الخفية؟"، بل: كيف تُقاس الغاية إذا غابت محصلتها؟
إذ يبقى سؤال المحصلة قائماً حتى لو سُلِّم جدلاً بوجود حكمةٍ لا تُدرَك تُبرّر الشرور والآلام... فالخطاب القرآني يعلن جملةً من الغايات والمعاني: العبادة، والهداية، والإيمان، والشكر، ومعرفة الله، والابتلاء، وإقامة الحجة. غير أن التاريخ، في امتداده الطويل، لا يكشف عن تحققٍ ظاهرٍ لهذه المقاصد على نحوٍ يرفع الإشكال، بل يبدو وكأنه يعيد إنتاج النتيجة ذاتها جيلاً بعد جيل: قلةٌ تؤمن، وكثرةٌ تنصرف، وصراعٌ لا ينتهي بين ما يُراد وما يقع، حتى يغدو السؤال متعلقاً لا بوجود الغاية، بل بمدى تجلّيها في الواقع نفسه.
فنوح، على سبيل المثال، يدعو قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً، ثم لا يُفضي هذا الامتداد الزمني الهائل إلى نتيجة تتناسب مع حجم الفعل، بل ينتهي المشهد إلى نجاة قلةٍ محدودة وهلاك الأكثرين. وكأن طول الزمن هنا لم يكن عاملاً في ترسيخ الغاية، بل في إبراز عدم تحققها على المستوى البشري العام.
وموسى يخرج بقومه من العبودية، ثم يعودون في غيابه إلى عبادة العجل، وكأن الانحراف ليس عارضاً طارئاً، بل طبيعة تعيد إنتاج نفسها مع أول غياب للموجّه.
ثم تتوالى صور التدخل الإلهي في لحظاتها التاريخية الحاسمة، حيث لا يقتصر الخطاب على الدعوة، بل يتخذ طابع الحسم النهائي في الصراع بين الإيمان والكفر، كما في قوله:
◈
استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم
ثم يأتي محمد فيبلغ الرسالة، ويموت والجزيرة لم تستقر بعد إلا بعد حروبٍ طويلة، ثم تمر القرون، ويختفي الوحي، وتنشطر الأمة إلى فرقٍ ومذاهب لا تُحصى: خوارج يَكفِّرون، وشيعة يؤثمون، ومعتزلة يحتكمون إلى العقل، وأشاعرة يردون الأمر إلى النص، وفقهيات أربع تختلف في التفريع، وطرق صوفية تتباين في السلوك، ثم تخرج من رحم هذا التمزق طوائف تنكر ختم النبوة كالبابية والأحمدية، وتعلن انفصالها عن الأصل، ثم يدخل العالم الحديث، فيصبح أغلب البشر خارج المنظومة الإسلامية أصلاً، وتتضخم القدرة البشرية على المعصية والقتل والاستغلال أضعاف ما عرفته العصور الأولى.
فإن قيل: لعل الغاية ليست أن يؤمن البشر جميعاً، ولا أن يغلب الصلاح على الفساد، وإنما إقامة الحجة عليهم حتى لا يبقى لمعتذرٍ عذر.
قيل: إن هذا الجواب لا يرفع الإشكال، بل ينقله إلى موضعٍ آخر.
ذلك أن الحجة إنما تُقام عادةً لرفع الجهل، أو لتمييز من لم تتبين له الطريق ممن تبينت له. أما إذا كان العلم السابق محيطاً بالنتيجة قبل وقوعها، عالماً بمن سيؤمن ومن سيكفر، فما الذي أضافه هذا الامتداد الطويل من التاريخ إلى ما كان معلوماً قبل بدايته؟ أكان المقصود تغيير النتيجة أم مجرد إظهارها؟
فإن كان المقصود تغييرها،
عاد السؤال عن حصيلة التاريخ، إذ لا يبدو أن الغاية المعلنة قد تحققت على نحوٍ يغلب نقيضها.
وإن كان المقصود مجرد إظهارها،
اشتد الإشكال أكثر؛ لأن إظهار المعلوم لا يزيد العالِم علماً، ولا يكشف له ما كان خافياً عليه.
ثم إن إقامة الحجة ـ بحسب هذا التصور ـ لا تقع على الله، ولا على الملائكة، ولا على أحدٍ يجهل العاقبة، بل تقع على المكلَّف نفسه؛ أي على الكائن الذي كان مصيره معلوماً سلفاً قبل أن يوجد. وكأن الغاية من الرحلة كلها أن يُساق إلى النتيجة التي عُلِمت عنه، ثم تُقام عليه الحجة بأنه بلغها بنفسه.
✦
وهنا تبلغ غاية "إقامة الحجة" ذروة توترها؛ إذ لم تعد الحجة وسيلةً لتغيير المصير، بل شرطاً لتبرير المصير. فلا يُنشأ التاريخ الطويل لإنقاذ الهالك من هلاكه، ولا لتبديل ما سيؤول إليه أمره، وإنما ليصير الهلاك ـ بعد وقوعه ـ مستنداً إلى حجةٍ سابقة عليه. وكأن المطلوب ليس منع النتيجة، بل إضفاء المشروعية عليها.
❝
وعندئذٍ يعود السؤال : إذا كان الكفر معلوماً قبل الخلق، والعذاب مترتباً عليه بعد الخلق، وكانت الحجة لا تغيّر النتيجة بل تُثبتها فحسب، فما الذي أضافته التجربة كلها سوى تحويل المصير المعلوم إلى مصيرٍ مُبرهَن عليه؟
❞
❝
وهنا يظهر سؤالٌ أشدّ حدّة من سابقه: إذا كان التدخل الإلهي قد ظهر في لحظاتٍ محددة، ثم انقطع عن الامتداد الأطول من التاريخ البشري، وإذا كان هذا التدخل نفسه قد اتخذ في بعض مواضعه طابع الحسم النهائي، فما طبيعة هذا الغياب الممتد بعده؟ هل هو اكتمالٌ للمسار، أم انسحابٌ بعد لحظات تأسيس، أم تركٌ للتاريخ ليعيد إنتاج نفسه دون إعادة ضبطٍ من الخارج؟
❞
فإن قيل: إن الرسالة قد خُتمت، وإن الحجة قد تمت،
قيل: إن الختم نفسه لا يرفع الإشكال، بل يعيد صياغته: كيف يُفهم "اكتمال البيان" في عالمٍ يستمر في إنتاج صورٍ جديدة من التعقيد والاختلاف والانحراف، دون خطابٍ جديد يعيد توجيه الكل؟ إذ ما معنى أن يُقال إن الحجة قد تمّت، ثم يُترك العالم بعد ذلك ممتداً في صوره كلها من غير تصحيحٍ مباشر، ولا إعادة توجيهٍ ظاهرة لمسار الإنسانية في تحولاتها الكبرى؟
فإن قيل: إن النص قد اكتمل واستوفى أغراضه،
قيل: إن الكفاية هنا ليست وصفاً للحال، بل حكمٌ على المستقبل أيضاً؛ إذ يُفترض أن كل ما سيقع بعد ذلك داخلٌ مسبقاً في نطاق ما قيل، وإن لم يكن مذكوراً تفصيلاً. غير أن التاريخ، في امتداده بعد هذا "الاكتمال"، لا يظهر بوصفه إعادةً لتكرار الأصل، بل بوصفه توسعاً في التعقيد، وتوليداً لصورٍ لم تكن حاضرة في اللحظة التأسيسية: دولٌ تتسع ثم تنهار، علومٌ تتضخم، أنظمةٌ أخلاقية تتبدل، ومآسٍ تتخذ أشكالاً لم تعرفها الأزمنة الأولى.
إذا كان البيان قد اكتمل، فهل اكتمل بمعنى أنه احتوى كل الممكنات، أم أنه اكتمل بمعنى أنه لم يعد هناك بيان؟ فإن كان الأول، فكيف يُفهم ذلك مع هذا التعدد غير المنضبط في صور الواقع؟ وإن كان الثاني، فكيف تُفهم الغاية التي يُفترض أن هذا البيان كان يحملها تجاه التاريخ الممتد بعده؟
✦
وهكذا يصبح الصمت الممتد — وهو ما يُسمى تاريخياً بانقطاع الوحي — جزءاً من الإشكال، لا حلاً له. ذلك أن غياب الخطاب المستمر يعني أحد أمرين لا ثالث لهما: إما أن التاريخ قد بلغ مرحلة الاكتمال التي لا تحتاج إلى تدخلٍ جديد، وإما أن التدخل لم يكن في أصله متعلقاً بضبط المسار التاريخي المستمر. غير أن أيّاً من الوجهين لا يستقر بسهولة أمام المشهد الواقعي؛ إذ لا يبدو التاريخ قد استقر، ولا يبدو أنه بلغ حالة من التوازن النهائي، بل ظل يتحرك داخل تناقضاته الأصلية، ويعيد إنتاجها بأدواتٍ أكثر تعقيداً.
و لا يعود الإشكال في تفسير فعلٍ أول، ولا في تأويل نصٍّ لاحق، بل في العلاقة بين ثلاثة عناصر لم يعد من السهل جمعها دون توتر: علمٌ مطلق يُفترض أنه سابق لكل شيء، وغايةٌ شاملة يُفترض أنها حاكمة لكل شيء وتاريخٌ ممتد لا يظهر فيه تحققٌ نهائيٌّ للغاية، ولا خطابٌ متجدد يوازي هذا الامتداد.
وكأن البشرية قد أُدخلت في تجربةٍ طويلة، ثم تُركت تعتمد على دفعةٍ أولى من التوجيه، دون أن يُعاد ضبط مسارها بما يتناسب مع تعقدها المتزايد. وعند هذا الحد، يتحول الاعتراض من سؤال عن العلة إلى سؤال عن المحصلة؛ إذ ليس المطلوب بعد ذلك تفسيراً للشر، بل إبرازاً لنجاح المشروع نفسه. فإذا تجاوزنا جدلاً كل ما سبق، وافترضنا وجود تلك الحكمة الخفية كلها، فما الذي تحقق منها في الواقع؟ أيُّ وجهٍ يجعل هذا الوجود، بكل ما فيه من علمٍ مفترضٍ سابق وغايةٍ معلنة وصمتٍ طويل، يبدو — من داخل المشاهدة لا من خارجها — وكأنه مشروعٌ لم يُغلق بعد على معنى واحدٍ مستقر؟
❝
ويبقى في الخلفية ذلك القول الذي يُستدعى كلما اشتد الاعتراض: ﴿إني أعلم ما لا تعلمون﴾. لكن السؤال هنا لم يعد اعتراضاً على الجهل الإنساني، بل صار متعلقاً ببنية الاحتجاج نفسها: هل يكفي الإحالة إلى "علمٍ غير مرئي" لتفسير تاريخٍ كاملٍ مشهودٍ بكل تناقضاته؟ أم أن هذه الإحالة، مهما بلغت قوتها في الخطاب، تبقى خارج قدرة العقل على تحويلها إلى تفسيرٍ قابلٍ للفهم، لأنها لا تضيف إلى المشهد إلا افتراضاً جديداً لا ينعكس في الوقائع؟
❞
إذا كان كل ما جرى ويجري معلوماً قبل البداية، وإذا كان المقصود من البداية معلوماً كذلك، وإذا كان التاريخ بعد آلاف السنين لا يكشف عن تحقق ذلك المقصود على نحوٍ ظاهر، فبأي معنى يمكن وصف هذا المسار بأنه بلغ الغاية التي من أجلها ابتدأ؟ وإذا كانت البداية والنتيجة معلومتين سلفاً، فما الذي أضافته التجربة بينهما؟
مراسلات القراء
اترك أثرَك هنا — فالنصوص تكتمل بقرّائها
إرسال تعليق
انتقل إلى نموذج التعليق