النقص أصل في الوجود، فما حقيقة الكمال؟
بعث الرسل والكمال
عندما يبعث الإله رُسُلاً ورسالات، فهو بذلك إنما يسعى لتغيير وضع قائم إلى وضع آخر أفضل، وطالما أن الوضع الأفضل لم يتحقق، إذن الكمال لم يتحقق!
النقص من لوازم الوجود
بالنظر إلى كل ما هو موجود – من أصغر الأشياء إلى أكبرها، ابتداءً من الكوارك – مثلاً، إلى الذرة، إلى الإنسان، إلى المجرة – نلاحظ أنه لا يمكن لشيء أن يكون موجوداً، إلا وهو في حالة عمل! والعمل لا يكون إلا لإنجاز شيء غير منجز. ووجود شيء غير منجز يعني وجود نقص. وهذا يعني أنه لا يوجد شيء إلا وهو يعاني من نقص!
الفيزياء تقول: الكوارك لا يوجد في الطبيعة مستقلاً؛ لأنه لا يستطيع العمل بمفرده، فلا وجود له إلا في حالة اتحاد مع غيره (بروتونات، نيوترونات). فإذا استقل، امتنع ظهوره في صورته المعهودة داخل البنية الفيزيائية المعروفة.
الذرة: لا توجد إلا وهي في حالة عمل (سعيها للاستقرار وسعي مكوناتها للتحرر). لكن تحرر مكوناتها أو بلوغها الاستقرار يعني تفككها وانعدام وجودها.
الإنسان والمجرة: كل ما يتصف بالوجودية هو في حالة عمل بالضرورة، وإلا انعدم وجوده.
هذا يعني أن النقص ملازم لعملية الوجود، وأن الوجود ظاهرة وليس أصلاً، وأنه لا يمكن لموجود أن يتصف بالديمومة. الأصل هو عدم الوجود، هذه النتيجة تعني ببساطة أن الكمال يُعادل انعدام الوجود، أي أن الكمال يعني العدم!
الكمال والنقص في المفهوم الديني
والكمال- كما سبق- هو انعدام النقص، ومعلوم أن الحاجة للآخرين هي نَقصٌ
عقائدياً: يُقال إن الكمال لله وحده، ولا يمكن أن يبلغه سواه. لكن دينياً أيضاً، لا يمكن إخفاء حاجة الإله لعبادة البشر – بدليل أنه لا يتهاون في العبادة، وسيُعاقب أو يكافئ البشر بالتخليد في النار أو الجنة. مجرد حاجة الإله لعبادة البشر تعني وجود نقص لديه!
فالعدالة تقتضي التناسب. والإنسان كائن محدود العمر، محدود القدرة، محدود المعرفة، وأفعاله كلها وقعت خلال زمن محدود. فكيف يُقابل المحدود بما لا حدود له؟ وكيف تُنتج سنوات معدودة من الأفعال نتيجةً لا تنتهي أبداً؟ إن الفرق بين المحدود واللامحدود ليس فرقاً في المقدار، بل فرقٌ في الطبيعة ذاتها.
ثم إن المشكلة لا تقف عند حدود التناسب بين الفعل والعقوبة، بل تمتد إلى معنى الأبدية نفسها. فكل معالجة تبلغ غايتها ثم تنتهي، أما ما يستمر إلى ما لا نهاية فلا يشهد على اكتمال الأمر، بل على أن الأمر لم يكتمل قط. فإذا كانت العقوبة أبدية، فإن موضوعها يصبح أبدياً هو الآخر، وبذلك لا يكون النقص قد زال، بل يكون قد اكتسب صفة الديمومة.
أو أنه غير موجود (لأن وجوده وكماله يستوجبان عبادة البشر له كما يشاء، وهذا لم يتحقق).
أو أن الكمال المطلق غير موجود أصلاً،
أو أن مفهوم الإله يحتاج لإعادة نظر،
أو أن المعتقدات الدينية بحاجة لإعادة نظر.
الكمال والإرادة
إذا كانت الحاجة نقصاً، والإرادة لا تتعلق إلا بأمر غير متحقق، فإن الإرادة دليل على وجود النقص.
وقد يُزعم أن إرادة الإله تختلف عن إرادة البشر. لكن هذا لا يغير جوهر الإشكال: فالمسألة ليست في طبيعة الإرادة، بل في وجودها. أي إرادة، مهما كانت طبيعتها، تتعلق بأمر غير متحقق، وبالتالي النقص حاضر بحكم التعريف.
الكمال والفعل
إذا كانت الإرادة تعني نقصاً، فإن الفعل هو التعبير العملي عن ذلك النقص. الفعل لا يكون إلا لتحقيق غاية، والغاية لا تكون إلا إذا كان هناك أمر غير متحقق. كل فعل يفترض نقصاً سابقاً عليه. الإنسان يعمل لأنه يحتاج، والكائن الحي يتحرك لأنه يحتاج، والمجتمعات تتغير لأنها تحتاج.
فإذا كان الكمال متحققاً، فما الحاجة إلى الفعل؟ وإذا لم تكن هناك حاجة إلى الفعل، فما الحاجة إلى الخلق؟
الكمال والتغير
التغير يعني الانتقال من حال إلى حال، إما إلى الأفضل أو إلى الأسوأ. فإن كان إلى الأفضل، فالحالة السابقة لم تكن كاملة. وإن كان إلى الأسوأ، فذلك فقدان شيء من الكمال. في الحالتين لا يبقى الكمال متحققاً. الكمال لا ينسجم مع التغير، بل يقتضي الثبات التام.
أما الوجود، فهو تغير دائم: النجوم تتغير، المجرات تتغير، الذرات تتغير، الكائنات الحية تتغير، الإنسان لا يبقى على حال، بل الزمن ذاته ليس سوى اسم للتغير، إذا كان الوجود يعني التغير، والكمال يقتضي انتفاء التغير، فإن الوجود والكمال لا يجتمعان.
هكذا نعود إلى السؤال الأول
ما هو الكمال؟ إذا كان الكمال يعني انعدام النقص، وكانت الحاجة نقصاً، وكانت الإرادة لا تتعلق إلا بأمر غير متحقق، وكان الفعل محاولة لتحقيق ذلك الأمر، وكان التغير نتيجة للفعل، ثم كان الوجود نفسه لا ينفصل عن الفعل والتغير، فإن النقص يصبح ملازماً للوجود بحكم طبيعته. وبذلك لا يعود النقص حالة طارئة على الوجود، بل يصبح أحد شروطه الأساسيّة.
فكل موجود يُمارِس فعلاً، وكل فعل يفترض غاية، وكل غاية تفترض أمراً غير متحقق، وكل ما لم يتحقق بعد هو صورة من صور النقص. ومن هنا يتبين أن الوجود والكمال يسيران في اتجاهين متعاكسين. فالوجود يقتضي النقص، والكمال يقتضي انتفاء النقص. ولهذا لا يمكن للشيء أن يكون موجوداً وكاملاً في الوقت ذاته.
فإذا كان الإله كاملاً، فلا يمكن أن يكون موجوداً بالمعنى الذي نفهم به الوجود، وإذا كان موجوداً بالمعنى الذي نفهم به الوجود، فلا يمكن أن يكون كاملاً بالمعنى الذي يقتضي انتفاء كل نقص.
فالكمال هو انعدام النقص، والوجود هو حضور النقص في صورة فعل أو إرادة أو تغير. وما دام الوجود لا يظهر إلا بهذه الصفات، فإن الجمع بين الوجود والكمال يصبح جمعاً بين النقيض ونفيه في آنٍ واحد.
مراسلات القراء
اترك أثرَك هنا — فالنصوص تكتمل بقرّائها
إرسال تعليق