السؤال عن سر وجودنا ومآلنا
منطقياً، فإن السؤال عن سر وجودنا ومآلنا يفترض – ضمناً – أن طبيعة وجودنا وطبيعة ذواتنا ليستا محل سؤال. وهنا يكمن أحد أكبر أسباب عجز الإنسان عن الاقتراب من الحقيقة.
فالإنسان يسأل: لماذا وُجدنا؟ وإلى أين نمضي؟ لكنه نادراً ما يسأل أولاً: ما الذي نحن عليه في الأصل؟
إن الحقيقة بمعنى سر الوجود والمصير ليست الحقيقة في مستواها الأول والأقرب إلينا، بل هي الحقيقة في مستوى متأخر لا يمكن بلوغه قبل تجاوز ما يسبقه من مستويات.
الحقيقة في مستواها الثاني هي: طبيعة وجودنا.
أما الحقيقة في مستواها الثالث فهي: سر وجودنا ومآلنا.
فكيف يمكن للإنسان أن يعرف لماذا وُجد، وهو لا يعرف على وجه اليقين ما الذي هو عليه؟ وكيف يمكنه أن يعرف مصيره، وهو لا يزال يجهل حقيقة وجوده ذاته؟
فالوجود – كما يبدو لنا – ظاهرة مادية تبطنها الطاقة. وكل مادة في الوجود تبطنها صورة من صور الطاقة. والإنسان بدوره ليس سوى ظاهرة مادية تبطنها حالة وجدانية معقدة.
والوجدان ليس كياناً مستقلاً عن الطبيعة، بل هو جزء من منظومتها. فهو طاقة محكومة بمزاج، والمزاج يتفاعل مع محيطه بصورة آلية. نحن لا نختار مزاجنا الأولي، بل نتلقى أثره ثم نتصرف في ضوء ما يفرضه علينا من ميول واستجابات. ولذلك فإن سلوك الإنسان لا يصدر من فراغ، بل من شبكة معقدة من المؤثرات المتبادلة التي يتشكل من خلالها الوجدان نفسه.
مستويات التعاطي مع الحقيقة
إن التعاطي مع مفهوم الحقيقة لا ينبغي أن يتم على مستوى واحد، بل على ثلاثة مستويات متمايزة:
المستوى العام: وهو ما يشترك فيه البشر جميعاً ويميزهم عن سائر الموجودات.
المستوى المطلق: وهو ما يشترك فيه البشر مع كل ما هو موجود.
وفي المستوى الخاص، لا تكون القضية هي امتلاك الحقيقة، بل كيفية استقبالها. فكل إنسان يرى العالم من خلال تكوينه النفسي والعقلي وتجربته الخاصة. ولذلك قد تبدو الفكرة مقنعة لشخص وغير مقنعة لآخر.
أما الحقيقة الموضوعية ذاتها فلا تتغير بتغير القناعات، لأن القناعة ليست دليلاً على الصحة، بل هي دلالة على درجة انسجام الفكرة مع البنية النفسية والمعرفية للفرد.
ومع ذلك، فإن الطريق إلى الحقيقة لا يمر إلا عبر القناعة؛ إذ لا يستطيع الإنسان أن يتبنى فكرة لا تبدو له منطقية أو معقولة بحسب ما يملك من معطيات وقدرات إدراكية.
ولهذا فإن اختلاف البشر حول الحقيقة لا يعني بالضرورة اختلاف الحقيقة نفسها، بل قد يعني اختلاف الزاوية التي ينظرون منها إليها.
وربما كانت المشكلة الكبرى أن الإنسان يسعى إلى معرفة سر الوجود قبل أن يعرف موقعه منه، ويسأل عن الغاية قبل أن يفهم الأداة، ويبحث عن المصير قبل أن يفهم ماهية المسافر.
ما الذي نحن عليه حقاً؟
فإذا كان الإنسان خاضعاً لقوانين الطبيعة كسائر الموجودات، فإن وعيه ليس استثناءً من تلك القوانين. وإذا لم يكن وعيه استثناءً، فإن أفكاره ومعتقداته ورغباته ومخاوفه ليست كيانات مستقلة عن حركة الوجود، بل هي جزء منها.
وإذا كان الأمر كذلك، فإن الاعتقاد بأن الإنسان كيان مستقل استقلالاً تاماً عن محيطه، يبدو أقرب إلى الانطباع منه إلى الحقيقة.
نحن نشعر بأن لنا وجوداً خاصاً، وأن لكل واحد منا ذاتاً منفصلة عن الآخرين. لكن هذا الشعور لا يكفي لإثبات الاستقلال الحقيقي. فالخلية داخل الجسد قد تبدو مستقلة في حدود وظيفتها، لكنها تظل جزءاً من كيان أكبر منها. وكذلك الإنسان، قد يبدو مستقلاً في حدود إدراكه المباشر، لكنه قد يكون جزءاً من نسيج أوسع لا يدركه إلا جزئياً.
ومن هنا يبرز سؤال آخر
إن الإنسان يميل إلى اعتبار ذاته مركزاً للحقيقة، ولذلك ينطلق غالباً من افتراض غير مُبرهن، وهو أنه كيان قائم بذاته يبحث عن تفسير لعلاقته بالعالم. لكن ماذا لو كان هذا الافتراض نفسه هو أول الأوهام؟
عندها يتغير شكل الأسئلة كلها.
يصبح السؤال: كيف ظهر هذا الكائن الذي يُسمّي نفسه "أنا"؟
يصبح السؤال: ما الذي يزول حقاً عندما يزول هذا الشكل الذي أتخذه الآن؟
إننا نميل إلى التعامل مع ذواتنا بوصفها أصولاً ثابتة، بينما كل ما نعرفه عنها يدل على أنها في حالة تغير دائم. الجسد يتغير، والأفكار تتغير، والمشاعر تتغير، والذكريات نفسها يعاد تشكيلها باستمرار. وحتى ذلك الذي نسميه "الشخصية" ليس سوى حصيلة متغيرة لتفاعل مستمر بين الداخل والخارج.
إن البحث عن هذه الذات يقودنا تدريجياً إلى حقيقة مزعجة؛ وهي أن ما نعتبره هوية مستقلة قد لا يكون أكثر من حالة مؤقتة من حالات الوجود.
وبذلك تنتقل الحقيقة من مستواها الخاص إلى مستواها المطلق.
وعلى المستوى العام يبدو الإنسان نوعاً متميزاً عن غيره من الكائنات.
أما على المستوى المطلق، فإن الحدود التي تفصل بين الموجودات تبدأ بالتلاشي، ويغدو الجميع أجزاءً من حركة واحدة تشمل كل ما هو موجود.
وعند هذه النقطة لا يعود السؤال عن سر الوجود سؤالاً عن مصير كائن منفصل، بل سؤالاً عن طبيعة الوجود نفسه.
فربما لم تكن المشكلة الكبرى أن الإنسان يجهل سبب وجوده. وربما لم تكن المشكلة أنه عاجز عن معرفة مصيره. بل لعل المشكلة الأعمق هي أنه يبدأ بحثه من افتراض لم يثبت صحته بعد؛ افتراض أنه شيء مستقل عن الوجود، لا جزء منه.
وحينها قد نكتشف أن الحقيقة التي كنا نبحث عنها في نهاية الطريق، كانت كامنة منذ البداية في السؤال الذي أهملناه:
ما الذي نحن عليه حقاً؟
فإذا كانت الذات ليست كياناً قائماً بذاته، بل حالة من حالات الوجود، فإن السؤال عن سر وجودها يفقد كثيراً من معناه التقليدي.
لأن السؤال عندئذٍ يفترض وجود طرفين منفصلين: ذات تبحث، ووجود تبحث فيه. أما إذا كانت الذات جزءاً من الوجود ذاته، فإن الباحث والمبحوث عنه يصبحان شيئاً واحداً.
وربما لهذا السبب أخفقت الأسئلة الكبرى في الوصول إلى أجوبة نهائية؛ لأنها انطلقت من افتراض غير مُثبت، وهو أن الإنسان كائن مستقل يبحث عن تفسير لعلاقته بشيء آخر اسمه الوجود.
بينما قد يكون الواقع أن الإنسان ليس سوى إحدى صور الوجود وهو يتأمل نفسه.
فإذا صح ذلك، لم يعد السؤال: "لماذا وُجدنا؟" هو السؤال الأول. ولم يعد السؤال: "إلى أين نمضي؟" هو السؤال الأهم. بل يصبح السؤال الجوهري: هل يوجد في الأصل "نحن" منفصلة عن الوجود، حتى نبحث عن سبب وجودها ومصيرها؟
فإن كانت الإجابة بالنفي، فإن كثيراً من الألغاز التي شغلت الإنسان آلاف السنين قد تكون ناشئة من خطأ في صياغة السؤال، لا من استحالة الوصول إلى الجواب.
وربما كانت الحقيقة الأكثر إزعاجاً للوعي البشري، هي أن الإنسان لا يبحث عن سر الوجود، بل يبحث عن مبرر لاستقلاله المتوهم عنه. فإذا سقط هذا الوهم، لم يعد الوجود لغزاً يحتاج إلى تفسير بقدر ما أصبح ظاهرة واحدة تتخذ صوراً لا حصر لها، ثم تعود فتذوب فيها من جديد.
مراسلات القراء
اترك أثرَك هنا — فالنصوص تكتمل بقرّائها
إرسال تعليق