فلسفة الحب وعمل الخير!
من منظور منطقي وواقعي، عمل الخير مثل الحب، كلاهما فعل صادر من الذات وعائد لها. لا فضل للإنسان فيه. عمل الخير نوع من ممارسة الوجود أو إثبات الذات. الإنسان بحاجة لمن يقبل منه عمل الخير. شعور الإنسان باستغناء كل الناس عنه، لا يقل ألمًا عن شعوره بأنه عالة على كل الناس.
الحب وعمل الخير حاجات ذاتية
الحب ليس تفضلاً من الحبيب على المحبوب، وكذلك عمل الخير. نحن نحب قبل أن نعرف ماهية ومكان المحبوب، تمامًا كما أننا نعطش قبل أن نعرف ماهية ومكان الماء الذي سنشربه. نشعر بالارتواء عندما نشرب الماء المناسب، وكذلك نشعر بالحب عندما نجد المحبوب المناسب. وكذلك عمل الخير، فنحن بنا حاجة لعمل الخير، قبل أن نعرف ماهية ومكان الطرف الآخر.
الحب وعمل الخير هما هدايا الذات لنفسها بمناسبة وجودها أو إثباتًا لوجودها، وشهادة منها لنفسها بصوابها، وقبل ذلك هما بحث الذات عن ماهيتها. الحب إشارة صادرة ابتداءً من كل إنسان – تلقائيًا لا إراديًا – دون أن يعلم الإنسان بوجود محبوبه.
الحب مثل الضوء
الحب مثل الضوء، لا معنى ولا قيمة له، بل لا وجود له إلا بوجود أشياء تعكسه عند سقوطه عليها. عندما يحصل الكسوف، لا يقتصر الظلام على الأرض وحدها، بل يعم الظلام كل ما حولها من فضاء، حتى يبدو لنا الكون بأسره مظلمًا. لماذا؟ لأن الضوء لا معنى له بدون شيء يعكسه، والأرض وغلافها الجوي هما اللذان يعكسان ضوء الشمس ليمنحانه القيمة وصفة الوجود التي نراها.
منطقيًا، ضوء الشمس يملأ الفضاء المحيط بالأرض. لكن واقعيًا، إذا تم حجب ضوء الشمس عن الأرض، بدا كل ما حولها مظلمًا رغم أنه مليء بضوء الشمس، ذلك لأن الضوء بالنسبة لحواسنا كبشر، لا معنى له إلا بأشياء تعترض طريقه وتعكسه.
المحبوب إنسان يعكس إشارة الحب، فترتد إلينا حاملة صورته ومكانه، تمامًا كما تعكس المرآة شعاع الضوء لترينا قوة الضوء وشكل وحجم ومكان المرآة التي عكسته.
لا معنى لحث الإنسان على الحب والخير
هذا يعني أنه لا معنى ولا منطق لحث الإنسان أو أمره بالحب وبعمل الخير. فالحب مثل الإيمان، هو أمر لا إرادي، لا يستطيع الإنسان افتعاله إذا لم يجده في نفسه. وعمل الخير مثل الحب، هو حاجة نفسية للإنسان، لا قيمة له إذا جاء بدافع الطمع أو الخوف. لا قيمة له إلا إذا جاء تلقائيًا.
عمل الخير عند المؤمنين وغير المؤمنين
عمل الخير عند غير المؤمنين هو هدية الذات لنفسها، بمناسبة وجودها، وإثباتًا لوجودها، وإشباعًا لحاجة نفسية عاطفية ربما تعكس خوفًا باطنيًا من مصير المحتاج لعمل الخير.
عمل الخير عند المؤمنين ينبغي أن يكون تعريفه أو وصفه، هو أنه هدية منهم للإله، شكرًا له على إيجاده لهم. التعريف أو الوصف التقليدي لعمل الخير، الذي يربطه بالخوف من عقاب أو الطمع في ثواب، هو تعريف أو وصف خاطئ، لأنه ينال من كرامة الإنسان ويُفرغ عمل الخير من قيمته ويضع الإله في موضع المحتاج للبشر.
أن نقول بأن الإله يقبل عمل الخير من الإنسان كهدية، أصوب من أن نقول بأن الإله يأمر الإنسان بعمل الخير، وأنه يفرح ويغضب بحسب عمل الإنسان، وأن الإنسان يخاف ويطمع لذلك يعمل الخير.
ربط عمل الخير بالخوف والطمع
ربط عمل الخير بالخوف والطمع – كما في الكتب الدينية – ليس موجهًا لكل المؤمنين، إنما ينبغي أن يكون موجهًا إلى شريحة من البشر، وهم غير القادرين على استيعاب فلسفة الوجود وعمل الخير، تمامًا مثل خطاب التخويف الموجه للأطفال عند تربيتهم والحرص على سلامتهم.
مراسلات القراء
اترك أثرَك هنا — فالنصوص تكتمل بقرّائها
إرسال تعليق