الصِدقية الذاتية والمعيار الفطري للحقيقة!
الصِدقية في اللغة، هي مطابقة القول للعمل. الصِدقية الذاتية، يمكن تعريفها، بأنها اعتناق الإنسان لعقيدة الحقيقة، وما يستوجبه ذلك من التزام شخصي ذاتي بسلوك الصِدق – بغض النظر عن المنفعة. والتزام الصِدق كسلوك، هو في الواقع أمر يتجاوز القول باللسان إلى الفعل، فلا يكون الإنسان صادقًا وسارقًا – مثلاً – إذ لا بد للسارق من أن يُبيِّت نية الإنكار، أي الكذب.
نقول "صِدقية ذاتية" وليس "صِدقًا ذاتيًا"، ذلك ليشمل المعنى القول والعمل. الصِدقية إذن هي تقديم الحقيقة على المصلحة في ميدان التعامل والتواصل البشري. وبهذا المعنى يكون من باب أَولى حِرص الإنسان على طلب الحقيقة في علاقته المفترضة بالإله، ويكون الشعور بالاطمئنان هنا تحصيل حاصل. فإذا كانت الحقيقة لا تكفل المصلحة بالضرورة، فإنها لا تتعارض مع العدالة حتمًا؛ وهذا هو مصدر الالتزام وسِر الاطمئنان، في حال الصِدقية الذاتية.
الصدقية الذاتية ودورها في مقاومة التطرف
مما لا شك فيه أن كل مَن يتمتع بالصِدقية الذاتية، لا يمكن أدلجته أو خِداعه وتحويله من إنسان طبيعي واقعي باحث عن الحقيقة، إلى إنسان أجوف متعصب – يدَّعي أو يتوهم امتلاك الحقيقة. وبذلك يمكننا إثبات أن افتقارهم للصِدقية الذاتية، هو ما يجعل المتطرفين يحرصون على إلحاق الضرر بغيرهم، ولا يحرصون على التحقق من مدى صواب معتقداتهم وفتاواهم، التي تحضهم على ازدراء وقتل الآخرين.
ومن ذلك، أن فقهاء المعتقدات والمذاهب لا يجرؤون على القَسَم والجزم بصحة إيمانهم وقبول أعمالهم ودخولهم الجَنة. إن ترسيخ حقيقة الشك، وفضح أكذوبة اليقين، كفيل باجتثاث الوهم، وتحرير وعي البُسطاء من سيطرة أفكار الحُذاق، حيث إن مجرد عدم الجزم بحقيقة ونتائج الأمور، هو قوة كافية لتفعيل العقل، ودافع للبحث والتفكير والتثبت وطلب الحقيقة، وبالتالي رفع مستوى الوعي والتحلي بالمسئولية لدى أضعف البشر قدرة على التفكير.
الكذب واليقين كوقود للحروب والصراعات
وهنا تجدر الإشارة إلى حقيقة أن كل الحروب الكبيرة والصراعات الصغيرة، جميعها لا يمكن أن تقوم وتستمر إلا إذا تمت تغذيتها بالكذب وادعاء اليقين – من كل الأطراف أو من أحدها – وذلك لاجتناب التحقق وللتغطية على السبب الحقيقي، والذي عادة ما يكون مصلحة لفئة محدودة من البشر – مصلحة عاجلة أو آجلة – وقد تكون المصلحة وهمًا ناجمًا عن كذبة تاريخية متوارثة. وفي كل الأحوال لا بد من اللجوء إلى الكذب وادعاء اليقين لاختلاق سبب مباشر لإيقاد الحروب والصراعات واستمرارها.
الصدقية: صفة ذاتية لا تُفرض من الخارج
عودة إلى أصل الموضوع، قالوا: اجتنب الكاذب كما تجتنب المجنون، فكلاهما ليس منطقيًا. الصِدقية في الأصل، صفة بشرية أساسية، وينبغي أن تكون ذاتية، إذ لا يمكن فرضها من الخارج. ولذلك فإن كل إنسان طبيعي لا بد له من أن يَفترض تلقائيًا وجود الصِدقية الذاتية لدى غيره، كشرط مُسبق لكل حوار وكل تعامل جاد بين البشر الطبيعيين، إذ لو افترض أحد الأطراف الكذب في الطرف الآخر، أو لو أن أحدهم أَقرَّ مسبقًا بأنه ليس صادقًا، فإن الطبيعي والمتوقع هو أن يتوقف الحوار الجاد أو التعامل قبل أن يبدأ، حيث لا جدوى ولا قيمة لأي أمر يخلو من الصِدق.
الصدقية الذاتية كمحرك للتغيير
ترتبط الصِدقية الذاتية بالحقيقة ارتباطًا بُنيويًا وشرطيًا، فكل مَنْ يتصف بالصِدقية الذاتية، هو بالضرورة باحث عن الحقيقة دون أدنى اعتبار للنتائج، والعكس صحيح. كل المتصفين بالصِدقية الذاتية – عادةً – تتغير قناعاتهم ومساراتهم وسلوكياتهم في مستقبل حياتهم، ذلك لأنهم سيكتشفون أن ما قيل لهم في بداية حياتهم وشكَّل قناعاتهم وميولهم، لم يكن دقيقًا أو لم يكن صادقًا، وبذلك تسقط عندهم كل الثوابت المستوردة، وذلك بمجرد اكتشافهم أن الأهل وأولياء الأمر كانوا يوجهونهم أو يلهمونهم المبادئ والثوابت والمُسلَّمات، لدوافع تربوية لا يُشترط فيها الحقيقة والمصداقية، لكنها قُدِّمت لهم على أساس الحقيقة والمصداقية، واكتشاف ذلك هو بمثابة اكتشاف خديعة بالنسبة لذوي الصِدقية الذاتية.
غياب عقوبة الكذب: إقرار بالوجود أم تجاهل للمشكلة؟
لماذا لا توجد عقوبة للكذب في أي تشريع – تقريبًا؟ لعل السبب في ذلك، هو أن وضع عقوبة للكذب في مجتمع ما، هو إقرار بوجود وانتشار الكذب في ذلك المجتمع، بينما الكذب يُفترض ألا يكون موجودًا في أي مجتمع إنساني؛ لأن وجوده ينفي القيمة الإنسانية الأخلاقية عن ذلك المجتمع.
مأساة ذوي الصدقية الذاتية
ولذلك يدفع ذوي الصِدقية الذاتية ضريبة باهظة مقابل صِدقهم، حيث يقعون فرائس سهلة للكاذبين المخادعين الذين يستغلون صِدقيتهم دون رادع. لكن، وبالمقابل يكون انتقامهم وردة فعلهم عنيفة عندما يكتشفون الكذب، فهم يعتبرون الكذب جريمة تمس الشرف والكرامة – خاصة إذا تم ارتكابها باستغلال علاقة أو إذا أدى الكذب إلى الطعن في صِدقيتهم.
معلوم أنه لا توجد عقيدة ولا ثقافة ولا تشريع ولا عُرف، يأمر أتباعه بالكذب، أو يمتدح الكذب، أو يحط من قيمة الصِدق. لذلك كان من الطبيعي أن يظهر أناسٌ يتصفون بالصِدقية الذاتية في مختلف الأعراق والثقافات، حيث تلتقي طِباعهم الفطرية وصِفاتهم الوراثية مع التربية الاجتماعية – التربية تنبذ الكذب وتحض على الصِدق في كل الأعراف والثقافات والمعتقدات.
طبيعة ذوي الصدقية الذاتية واستجابتهم للكذب
ذوو الصِدقية الذاتية، يعتقدون فطريًا، بأنه لا يمكن لإنسان طبيعي أن يكذب تحت ظروف اعتيادية؛ ولا يتصورون إمكانية وجود علاقات إنسانية وروابط اجتماعية يتخللها الكذب. لذلك هم يُصدِّقون كل ما يُقال لهم في بداية حياتهم، ولا يسعون للتحقق من صِدقيته؛ لكنهم مع الخبرة العملية يدركون عدم صِدقية ما قيل لهم، فيُصدمون به، ولا يُدركون له تفسيرًا، ويعتبرونه من شواذ القاعدة. فإذا تعددت حالات الكذب معهم وتراكمت صدماتهم، فهم لا يُغيرون مبادئهم حيال الكذب والصدق، لكن يُغيرون معاييرهم في التعامل مع البشر، وغالبًا ما تكون ردة فعلهم هي الانزواء واعتزال المجتمع.
التناقض بين التربية والواقع
إن الطبيعي والمتعارف عليه والسائد، هو أن كل ولي أمر ينصح ويأمر بالصدق، ويُحذِّر من الكذب؛ حتى الأب الكاذب والأم الكاذبة ينصحون ويحثون ويأمرون أبناءهم بالصدق، ويُعاقبونهم على الكذب. وبذلك، يكون إصرار ذوي الصِدقية الذاتية، على الربط بين الصِدق والفطرة والطبيعة، أمرًا مفهومًا ومبررًا. ويكون نفورهم من الكذب، وتجريمهم له، واعتبارهم له شيئًا دخيلاً على الطبيعة، أمرًا مفهومًا ومبررًا كذلك.
واقعية ذوي الصدقية الذاتية
قد يبدو للبعض منا، بأن ذي الصِدقية الذاتية هو إنسان مثالي خيالي طوباوي. لكن في الواقع، هم ليسوا كذلك، بل هم واقعيون عمليون علميون. إنهم يعتقدون بأن كل المعاملات التي تستوجب الكذب، لا بد أن تكون معاملات ثانوية يمكن الحياة بدونها، وأن المعاملات الأساسية الضرورية لحياة الإنسان لا بد أن تكون ممكنة دون الحاجة للكذب، وإلا فإن كل المبادئ ينبغي إسقاطها، حيث لا قيمة ولا أساس لمبدأ يخلو من الصدق.
مأساة ذوي الصدقية الذاتية في الحياة العملية
إن الواقع ليس كما يعتقد ذوو الصدقية الذاتية، ولذلك يبدأ مشوار مأساتهم بمجرد بلوغهم مرحلة الحياة العملية، واضطرارهم لممارستها ومعاملة الآخرين مباشرة – دون مساعدة ودون وسيط – حيث تتراكم صدماتهم، بتلاشي الشعارات وظهور زيف الحقائق المزيفة، وتتحطم المعايير وتتساقط المبادئ أمام أعينهم، وبأيدي دُعاتها.
من الشك إلى البحث عن الحقيقة
عندها يتسرب إليهم الشك في كل شيء، وينزعون صفة الحقيقة عن كل شيء، ويبدأون في طرح التساؤلات حول كل شيء، فإذا مُنعوا من طرح بعض الأسئلة، حينها تتحول شكوكهم إلى حقائق معاكسة لكل ما قيل لهم. ومن هنا يبدأ بحثهم في كل شيء ومن الصفر، حيث يفقدون الثقة في كل مَنْ عداهم، ويبدأون مشوار البحث عن الحقيقة بأنفسهم ولأنفسهم، وبذلك يبدأ صدامهم مع الوجود والحقائق والآخرين ومع الكذب والكاذبين.
مراسلات القراء
اترك أثرَك هنا — فالنصوص تكتمل بقرّائها
إرسال تعليق