اللغة إنتاج بشري متغير، لا رمز أزلي مُقدَّس!
رغم الاتفاق الظاهر بين البشر على مدلولات الألفاظ أو المفردات اللغوية، إلا أن السامع قد يفهم من اللغة ما لا يقصده المتحدث أو الكاتب، والعكس صحيح، فقد يقول الكاتب أو المتحدث ما لا يُريد قوله، وذلك بسبب عجز اللغة عن مواكبة الأفكار أو عن التعبير الدقيق عنها، ولذلك ظهرت الحاجة للفكر والفلسفة!
فالفكر هو لغة الثقافات، والفلسفة هي لغة اللغات! الفكر فلسفة تكتيكية، والفلسفة فكر استراتيجي! وظيفة الفلسفة بالأساس هي التوفيق بين أفهام الناطقين أو توحيد الفهم البشري للمعاني والمقاصد والأشياء في اللغات المسموعة والمقروءة! وهذا يعني ويُثبت أن اللغات عبارة عن إنتاج بشري تراكمي، لا يخلو من عيوب وقصور، وقد تكون اللغات مصدراً للاختلافات والخلافات!
إحدى أهم الوظائف الإيجابية للغة، هي إبراز الاختلافات الطبيعية بين البشر، ببساطة وبأمانة، وإثبات أنها اختلافات طبيعية فطرية، لكي يحترم البشر اختلافاتهم، فلا يُنظر للاختلافات الطبيعية الفطرية على أنها مفتعلة ومتعمدة، أو أنها طعن من بعضهم في معتقدات بعضهم الآخر؛ لكن، اللغة تُصبح عاملاً سلبياً عندما تكون مصدراً لاختلافات غير طبيعية، بسبب سوء فهمها أو سوء استعمالها أو بسبب قصور مفرداتها ومصطلحاتها عن رسم المشهد وإيصال الفكرة أو المعلومة!
لغات البشر المختلفة، ليست سوى مجموعة من الرموز المكتوبة، والإشارات الصوتية المُتفق على مدلولاتها، والتي أوجدتها وطورتها حاجة البشر للتواصل والاتصال، والتعبير عن أنفسهم، ووصف الواقع وقِيَمِ وأعداد الأشياء من حولهم! فاللغات البشرية هي أصوات حيوانية متطورة من الصفر، وهي تتطور باستمرار وينبغي أن يتم تطويرها، فهي ليست موجودة كوحدات متكاملة من البداية! اللغة ليست شيئاً فيزيائياً خاضعاً لقوانين الطبيعة، إنها إنتاج بشري خاضع لحاجة البشر!
من الطبيعي والبديهي أن نقول، إنه يوجد إنسان بدون لغة، لكن لا توجد لغة بدون إنسان، وهذا يعني أن اللغة من ملحقات الوجود البشري وليست من أساسياته! لماذا نقول هذه البديهيات؟ لأنه توجد بعض الأعراق البشرية، التي تستعمل اللغة في الواقع، لكن من حيث الوعي، ما تزال هذه الأعراق في مرحلة ما قبل ظهور اللغات وتطورها، حيث إن استعمالهم للغة يتركز على إظهار مدى انبهارهم بها، بل إنهم جعلوا عدم الانبهار بها دلالة على الغباء والجهل بلغتهم، حتى أصبحوا أصغر قيمةً ووزناً من رموز لغاتهم وإشاراتها، ويكاد ينحصر تعاطيهم مع لغاتهم على تقديسها – لا على استعمالها أو تطويرها – فأعطوا اللغة قيمة في ذاتها، وجعلوها أكبر قيمةً من البشر الذين يستعملونها، فصاروا عبيداً لها، فخدموها بدل استعمالها. وكأن وجود اللغة كان سابقاً لوجودهم، وأن جزءاً أساسياً من رسالتهم في الوجود هو خدمة وتقديس هذا الموجود المستقل المُسمَّى "لغة"، والذي أصبح بالنسبة لهم صنماً نظرياً ذهنياً ثقافياً مُقدَّساً!
تقديس اللغة يؤدي حتماً إلى محاربة الفكر والفلسفة والفنون والعلوم، وذلك لأن:
1. الفنون
الفنون، بأنواعها المتعددة والمختلفة من تصوير ورسم ونحت وتجسيم وتمثيل وموسيقى ورقص وغناء وغيرها، إنما ظهرت لسد العجز في اللغة المنطوقة والمكتوبة عن الوفاء بحاجات البشر؛ فالفنون عبارة عن لغات مساندة تحاول التعبير عن الأفكار والمعلومات التي عجزت اللغة المباشرة البسيطة عن إيصالها! وهذه الحقيقة تُظهر وتُثبت أن اللغة شيء طارئ وصناعة بشرية لا تخلو من النقص والقصور، وهذا يتناقض مع تقديسها، ولهذا نجد عُبَّاد اللغة ومقدسيها يُحاربون الفنون!
والحقيقة أن الفنون ليست مجرد لغات بشرية مساندة، بل هي اللغة الوحيدة الخالصة والخاصة بالبشر، فكل الكائنات تمتلك لغات بدائية أساسية بسيطة تؤمِّن لها الحد الأدنى من التواصل المطلوب للحياة والبقاء – تُعادل اللغات البشرية المنطوقة. أما لغات الفنون فهي مقتصرة على البشر، لأنها تتطلب وعياً وذكاءً ومهارات لا يمتلكها ولا يُتقنها على الأرض سوى البشر، ولذلك يمكننا القول بأن الفن لغة خاصة بالبشر، وبذلك يصح اعتبار لغة الفن اللغة الأصل للبشر!
2. الفلسفة
الفلسفة، وهي موهبة ومهارة عقلية خاصة، تُستعمل لتصحيح وتوحيد مدلولات المفردات اللغوية، ومحاولة المواءمة بين الأفهام المتعددة وبين المنطق الوجودي الواحد؛ ولذلك تصطدم الفلسفة مع قداسة اللغة، ولذلك تُحارَب الفلسفة من قِبل مُقدِّسي اللغات! تعدد الأفهام ناجم عن تعدد اللغات والثقافات والمعتقدات!
3. الفكر
الفكر، وقد ظهر لإزالة العراقيل والخلافات اللغوية والثقافية والتاريخية التي تحول دون تفاهم البشر وتواصلهم العملي؛ وبذلك يصطدم الفكر بقداسة اللغة، ولذلك يُحارَب شأنه شأن الفلسفة!
4. العلوم
العلوم، وهي التي تُنجز وتُثبت عملياً ومادياً، ما يتناقض مع الكثير من التصورات والمعتقدات التي أوجدتها اللغة في أذهان مُقدِّسيها (تسطَّح الأرض ودوران الشمس حولها مثلاً)، وهذا يطعن في قداسة اللغة، ويؤكد الحاجة إلى تطويرها وعدم تقديسها. ولذلك فإنه من غير المستغرب أن نجد عُبَّاد ومُقدِّسي اللغات، يُفضِّلون البدائية والتخلف على العِلم!
مراسلات القراء
اترك أثرَك هنا — فالنصوص تكتمل بقرّائها
إرسال تعليق