الله يحاسب الناس أفرادًا لا جماعات!
كل ما يحصل في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا منذ قرون، من فقر، جهل، تخلف، عنف، استعباد، سذاجة، هو إما غير مفهوم أو غير مبرر أو ممنوع الخوض فيه! لماذا تنبع وتتتجذر الأحقاد والصراعات والمآسي في منطقة الشرق الأوسط؟ لأنها مهد الديانات! الواقع يقول إن الديانات لم تفشل في إصلاح البشر وحسب، بل زادت الطين بلة! الديانات لم تأتِ لإصلاح بشر صالحين، إنها جاءت لإصلاح بشر يحتاجون لإصلاح، وبالتالي لا معنى للقول بأن الخلل في البشر!
أنا أعلم أن الكثيرين يرفضون هذه الإجابات والتحليلات، لكنني أعرف أنهم لا يرفضونها عن وعي وإدراك. إنهم يرفضونها لأنهم مأمورون برفضها، وحسب. هم ليسوا مأمورين دينيًا أو إلهيًا أو منطقيًا، إنهم مأمورون فقهيًا طائفيًا مذهبيًا اجتهاديًا وجماعاتيًا. إنهم لا يرفضونها بحجج منطقية عقلانية واقعية، إنهم يرفضونها لأنهم ممنوعون من التفكير واستعمال العقل والمنطق، وممنوعون من التصريح بما يجيش في أخلادهم من تساؤلات مشروعة حول هذه الحقائق الواقعية.
إبراهيم وطلب المعجزة: درس في التحرر الفكري
القرآن لم يقل فقط بأنه من حق الإنسان وأنه بمقدوره محاجَّة الفقهاء والرسل. القرآن قال إن إنسانًا فردًا اسمه "إبراهيم"، كان قد طلب من ربه أن يريه كيف يحيي الموتى، وهو ليس مؤمنًا وحسب، بل كان رسولاً؛ وبرر طلبه بأنه يحتاج إلى تجربة عملية واقعية يفقهها هو بحواسه، لكي يطمئن قلبه لما آمن به. فكيف يُطلب من المؤمنين اليوم أن يمتثلوا لاجتهادات فقهاء ومرشدين، وهم ليسوا آلهة ولا رُسُلاً، إنما هم بشر مثلهم، دون أن يكون من حقهم طلب تجارب عملية حسية، تُثبت صواب هذه الاجتهادات، التي أوصلت العرب والمسلمين إلى هذه الحال المرفوضة عقليًا وقلبيًا!
التعصب القبلي والديني: الفرق الجوهري
لماذا يتعصب الفرد لقبيلته — ظالمة أو مظلومة؟ لأنه يحتاج لحماية القبيلة، والقبيلة لا تحمي إلا المتعصبين لها. فهل الأمر ذاته ينطبق على التعصب الديني والطائفي والمذهبي؟
هذه حقائق يعرفها الفقهاء والمرشدون، لكنهم يُحجمون عن ذكرها، لأنها تُحرر الإنسان، وتترك الفقهاء بلا أتباع، ولا تترك الإنسان بلا دين، إنما تُعيد له وعيه المسلوب، وتُفعِّل عقله المُعطَّل.
العروبة والإسلام: البعد أم القرب؟
فإذا كان العرب بعيدين عن العروبة، والمسلمون بعيدين عن الإسلام، فمن هو القريب من هذه الألغاز؟ وإذا كان عرب ومسلمو اليوم بعيدين عن العروبة والإسلام، فهل الخلافات والصراعات في بداية الإسلام، والتي قسَّمت العرب والمسلمين إلى طوائف ومذاهب، كانت بسبب بُعدهم عن العروبة والإسلام؟ إذا كان الأمر كذلك، إذن يكون البعد عن العروبة والإسلام قدرًا محتومًا، ولا معنى لرفضه، بل إن رفض القدر يعتبر إثمًا عظيمًا!
لا واسطة بين العبد وربه
لمن يقول إن مرجعيتنا هي الإسلام والقرآن، وعلينا الطاعة، بغض النظر عن النتائج والواقع؛ نقول: إنه لا أحد يُطالبك بترك الإسلام وهجر القرآن، بل نحن ندعوك أن تفهم حقيقة الإسلام وخطاب القرآن بنفسك لا عبر وُسطاء، فلا واسطة بين العبد وربه!
مفهوم الكفر: أكبر مغالطة في التاريخ الديني
ولمن يقول إن هذه الآيات تتحدث عن الكفار، وليس عن المؤمنين، نقول: ماذا يعني لك مفهوم كافر، أو من هو الكافر؟ يعتقد الكثيرون — خطأً — بأن الكافر هو إنسان يكفر بالله، أي أنه لا يُقر بألوهية وربوبية الله. وهنا نقول: إن هذا الاعتقاد أو هذا الفهم، هو عبارة عن مغالطة كبرى، وعدم احترام لعقول الناس، واستغلال لبساطة البُسطاء، وهي أكذوبة ثقافية كُبرى، وخدعة لفظية انطلت على الكثيرين — مع الأسف!
ولمن يقول إن مفهوم الكافر كما جاء في القرآن، يعني الإنسان الذي يكفر بالله، ولا يعني إنسانًا يُكذِّب إنسانًا مثله؛ نقول: إن القرآن يُخاطب العقلاء، وبذلك لا يمكن أن يتعارض مع العقل، ولذلك عليك أن تُعيد فهمك للقرآن بما يتوافق مع العقل. إنه أمر غير قابل للتحقق عمليًا ومنطقيًا، ذلك أن إنسانًا يعرف الله ويكفر به.
البسطاء والمفكرون: المؤامرة والخداع
الواقع أن البشر مختلفون بالطبيعة وبالضرورة، ورُغمًا عنهم، من حيث المقدرة على الفهم والتحليل والتصور، تمامًا كما يختلف الأطفال عن البالغين، وكما يختلف غير الخبير عن الخبير. إن ما يمكن أن يُقنع أو يُخيف أو يُغري الأطفال، لا ينجح مع البالغين؛ وكذلك هو الحال مع البُسطاء والمفكرين، فما يمكن تمريره على البُسطاء، لا يمكن تمريره على المفكرين.
التشبيه: المفكر الذي يدعي أنه رسول الحكومة
فإذا كان صاحبك مبعوثًا من الحكومة أو القضاء أو يُمثِّل الشرعية فعلاً، فإنه سيرفع أمرك إلى الجهة الشرعية التي كلفته، ولن يُشهِّر بك أو يشتكيك إلى بشر لا يعلمون حقيقتك ولا حقيقته، ويخلق بذلك فتنة بين الناس.
الدين يأمر بالتحرر الفكري لا بالانتماء الطائفي
التحرر الفكري هو أن لا يعتقد الإنسان ولا يفعل إلا ما يستوعبه عقله ووعيه، ويطمئن له قلبه، ويقتنع هو بصوابه. وحيث إن البشر مختلفون من حيث المقدرة العقلية، وبالطبيعة لا بإرادتهم، إذن من العبث والجهل والفتنة محاولة توحيدهم فكريًا أو حكمهم عقائديًا.
مراسلات القراء
اترك أثرَك هنا — فالنصوص تكتمل بقرّائها
إرسال تعليق