اضغط Enter للبحث | Esc للإغلاق

اسباب تركي للاسلام نوفمبر 29, 2019

الذات الفاعلة والآخر المختلف!(4).

اِنْبَثَقَ هذا النَّصُّ مِن ™shaki
❖ هل الإنسان مسئول عن سلوكه؟
كل ما يصدر عن الإنسان، هي مضاعفات ونتائج حتمية، لمعطيات هو غير مسئول عنها بالأساس. لا شك أن وصف الإنسان بأنه "سجين" في معسكر الأرض، هو وصف دقيق لواقع قائم. فالاتفاق متحقق على أن الإنسان ليس مخيرًا ولا مسئولاً عن وجوده الجغرافي والتاريخي.

لكن، إذا كان عدم المسئولية عن الوجود قاسمًا مشتركًا بين كل البشر، فهل يتحمل الإنسان المسئولية عما بعد عملية الوجود؟ في الواقع، ليس الإنسان سجينًا جغرافيًا وتاريخيًا فحسب، بل هو مجند إجباري، وخاضع إلزاميًا لتدريبات وتوجيهات مستمرة منذ اللحظة الأولى لالتحاقه بمعسكر الحياة. وهو مزود بإعدادات نفسية متغيرة تحدد سلوكه وردود أفعاله، دون أن يكون مسئولاً عنها أو له سيطرة عليها، على اعتبار أنها تتغير لا إراديًا استجابة للظروف الخارجية. وهو ليس مسئولاً عن تدريبه وظروفه الخارجية، وبالنتيجة هو ليس مسئولاً عن سلوكه.

وما يعنينا هنا، هو الاتفاق على أنه لا توجد للإنسان نسخة نهائية — قبل الموت — بحيث يمكن أن نحيط بكل مواصفاتها، لنفهمها ونقيّمه ونحاسبه على أساسها. إن آخر نسخة لكل إنسان — بأحدث إعدادات وآخر تحديثات — هي تلك التي نراها ونتعامل معها في آخر لحظة نراه أو نتعامل معه فيها.

فإذا كنا نعتقد ونتعامل على أساس أن ظاهر الإنسان وباطنه شيء واحد، حيث يحاسب جسد الإنسان على سلوكه الناجم عن إعداداته النفسية. وإذا كنا نجد العذر لسلوك المعاقين ظاهريًا — جسديًا — لأننا نرى أسباب سلوكهم، فإن عدم قدرتنا على رؤية الأسباب الداخلية لسلوك الأصحاء جسديًا لا ينفي وجودها. إذن، قبل أن نعطي لأنفسنا الحق بالحكم على الإنسان من خلال سلوكه، ينبغي أن نعرف مواصفاته وإعداداته في تلك اللحظة، ونعرف كيف تعمل نسخته الأخيرة تحت ظروفه.

❖ ما العلاقة بوجود الآخرين وإعداداتهم؟
قد يتساءل بعضنا: هل علينا أن نقبل سلوك الآخرين إذا أضر بمصالحنا، بحجة أنهم غير مسئولين عن وجودهم وظروفهم؟ بكل تأكيد ليس هذا هو القصد. إنما القصد هو كشف مدى جهلنا بحقيقة الآخر؛ وكم من الخلافات يمكننا اجتنابها، إذا أدركنا أن الكثير مما نرفضه من سلوك الآخرين هو من وجهة نظرهم سلوكًا طبيعيًا ينبغي أن يكون مقبولًا لدينا، وربما لا يعرفون غيره.
"وبالمحصلة، إذا فعل أحدهم ما استوجب معاقبته، فينبغي أن نتذكر أن أساس العقاب هو وجوده وليس سلوكه."

النظريات الافتراضية في علاقة الأنا بالآخر

انتهى الباب السابق (3) من هذا الموضوع، بالقول: إن الواقع يُخبرنا أن سلوك وممارسات البشر تدل على أنهم يعتنقون ثقافة إحدى ثلاث نظريات افتراضية، من حيث علاقة الأنا بالآخر.

النظرية
الأولى
تعتبر الآخر موجودًا ماديًا، ومعلوم الهوية.
النظرية
الثانية
تعتبر الآخر موجودًا ماديًا، لكنه مجهول الهوية.
النظرية
الثالثة
تعتبر الوجود المادي للآخر مجرد فرضية، وبالتالي فهو مجهول الهوية حكمًا.
ملاحظة للتذكير: الحديث هنا ليس عن الهوية الاسمية الخارجية الاصطناعية — الاجتماعية والسياسية والدينية — إنما عن الهوية الذاتية الطبيعية للإنسان الفرد، التي لا تحمل اسم حاملها. هي تلك الهوية التي هي ذات حاملها، والتي تحدد سلوكه الطبيعي وتعكسها ممارساته في الواقع.

❖ النظرية الأولى: الآخر معلوم الهوية

وهي التي يسير وفقها معظم البشر، ولذلك تحدث الخلافات والصدامات وتستمر الصراعات. فهي نظرية خاطئة، لأنها تتعامل مع الآخر على أساس أنه معلوم لدى الأنا، بينما الواقع أن الأنا ذاتها تجهل جزءًا كبيرًا من هويتها هي، وليس فقط هوية الآخر.

فلا يمكن للإنسان أن يعرف غيره، إلا من خلال ما يسمح به ذاك الغير، وذلك يعتمد على مدى معرفة الغير لذاته، ومدى قدرته على التعبير عما يعرفه. إن فهم ورؤية الإنسان لهويته الذاتية تختلف بين النظري والعملي، كما تختلف في الظروف الطبيعية الاعتيادية عنها في الأزمات.

فالإنسان ذاته، ولكي يعرف حقيقة ومواصفات هويته الذاتية، هو بحاجة للمرور بكل الظروف والأزمات عمليًا، أو هو بحاجة لمقدرة فكرية ذهنية استثنائية تغنيه عن خوض التجارب عمليًا. فإذا كان فهم الإنسان لحقيقة هويته الذاتية بهذه الصعوبة — شبه المستحيلة — فكيف للأنا أن تحكم على الآخر وتفترض أنه معلوم لديها؟

فالطبيعي هو أن الأنا لا تعرف عن الآخر إلا ما يقوله هو عن ذاته. وتعريف الآخر لذاته يخضع لمعادلة بها العديد من المجاهيل: حقيقة فهم الآخر لذاته، وحريته، وأمانته، وثقته بالأنا، ومقدرته الذهنية، ودرجة وعيه، ومزاجه الآني، وظروفه الخاصة، وبيئته العامة. ولهذا فإن الحكم على الآخر وفق هذه النظرية لا يمكن أن يكون صائبًا إلا من قبيل الافتراض أو الصدفة التي لا يعول عليها.

❖ النظرية الثانية: الآخر مجهول الهوية

وهي الأقرب إلى الصواب، والأولى بالاتباع في معظم المعاملات والاتصالات البشرية العامة. حيث لا خلاف على الوجود الظاهري المادي للآخر عند عموم البشر، وأما حقيقة الآخر ومواصفاته الذاتية فهي مجهولة.

والتعامل مع الآخر على هذا الأساس يوفر قدرًا كافيًا من الحذر المتبادل، يكفل للآخر حقوقه لدى الأنا، ويكفي الأنا شر الآخر، فيتحقق الحد الأدنى المطلوب للحياة الإنسانية.

❖ النظرية الثالثة: الآخر مجرد فرضية

وهي التي تعتبر الوجود الظاهري للآخر موضع تساؤل، وبالتالي يكون الحديث عن هويته أمرًا سابقًا لأوانه دائمًا. وهي ثقافة فلسفية بنيت على أفكار بعض الفلاسفة وعلى بعض الحقائق العلمية.

❖ لماذا يعتقد البعض أن الوجود المادي للآخر غير مؤكد؟
مما تتصوره هذه الثقافة، أنه لا يمكننا الجزم: هل الذي يجري في اليقظة هو الواقع الحقيقي، أم أن الواقع الحقيقي هو الذي تجري أحداثه في الأحلام — ونحن نيام؟ علميًا — حتى الآن على الأقل — كل شيء مكون من ذرات، والذرات يمكن اعتبارها أشياء خيالية، وبالتالي يمكن اعتبار كل شيء — بما في ذلك الإنسان — خياليًا بالفعل من الناحية المادية.

كذلك يرى معتنقو هذه الثقافة أنه طالما أن الحواس هي القاسم المشترك بين البشر للحكم على الأشياء، وهي وسيلتهم الأساسية لإثبات وجود الأشياء من عدمه، وحيث إننا نعتمد عليها اعتمادًا كاملاً في إثبات وجود الآخر وفي تعاملنا معه، وحيث إنه قد ثبت لدينا بما لا يدع مجالاً للشك أن حواسنا يمكن اعتبارها خادعة لنا، ويمكن اعتبارها مخدوعة بواسطة الأشياء (كالسراب، والنظر من خلال الماء أو الزجاج المقوس، والحركة الظاهرية للشمس، والثبات والتسطح الظاهري للأرض، ووجود الميكروبات في الأطعمة والمياه، والفرق بين الهواء والفراغ، وعمى الألوان، وإحساسنا الكاذب ببرودة عالية في الهواء والأشياء عندما ترتفع درجة حرارة أجسامنا).

فحيث إن حواسنا يمكن أن تخدعنا، أو أن حواسنا يمكن أن تخدعها الأشياء، إذن لا يمكن الجزم بوجود الآخر بالاعتماد على الحواس. وحيث إن الإثبات التقليدي لوجود الآخر يعتمد على الحواس، إذن وجود الآخر غير مؤكد. فإذا اتفقنا على أن الوجود المادي للآخر غير مؤكد، يصبح جهلنا بهويته تحصيل حاصل.

المفارقة: الواقع العملي يعكس النظرية الثالثة

مما يلفت الانتباه هنا، أنه وعلى الرغم من غرابة النظرية الثالثة ورفض جل البشر لها نظريًا — فيما يخص وجود الآخر — إلا أن الواقع العملي في حياة ومعاملات البشر يكاد يعكس اعتناق جل البشر لها.

فالوجود المادي الجسدي للإنسان إنما هو شاشة تستعملها الذات للتعبير عن هويتها. فإذا رفضنا سلوك الآخر، فذلك يعني عدم إقرارنا بوجوده كذات مستقلة ومنفصلة عن تصوراتنا وتوقعاتنا. وهذا يعني أن الآخر الذي نعترف بوجوده ليس هو هذا الموجود أمامنا، إنما هو ذاك الموجود في مخيلتنا. وهذا يعني أننا نعتبر الوجود المادي للآخر بمثابة وجود افتراضي، بينما نرى الوجود الحقيقي للآخر هو ذاك الموجود في مخيلتنا.

إن إكراه الإنسان على فعل شيء أو ترك شيء، هو أوضح دليل على عدم الإقرار بوجوده ككيان مستقل عنا. إن إقرارنا بوجود الآخر واستقلال هويته يتحقق بحصر أصناف البشر، وليس بدمج أنماطهم وتوحيد سلوكهم — كما هو حاصل.

فكل فرد من البشر هو الوحيد القادر على وصف ذاته، وذلك من خلال سلوكه وممارساته. فإذا اتفق البشر على رفض ممارسات أو سلوك بشري معين، وقرروا أن يكون الإعدام مصيرًا لفاعله، فإن الوصف الدقيق والصحيح لقرارهم هذا هو أن صنفًا من البشر يرفضون وجود صنف آخر من البشر. إذ لا معنى للقول بأن صنفًا من البشر يرفضون سلوك صنف آخر من البشر، إلا باعتباره إنكارًا لوجودهم ككيانات مستقلة عنهم.

وهذا يتوافق مع تصورات هذه النظرية الفلسفية، حول معنى وحقيقة وجود الآخر لدى الأنا. إن الأنا لا تقول، لكنها تمارس رفض الواقع وعدم الإقرار بوجود الآخر، وذلك من خلال حكمها على الآخر الموجود في الواقع — لا من خلال سلوكه وممارساته العملية — ولكن من خلال صورته الثقافية والتاريخية والعقائدية لديها.

المسلمون يرفضون غير المسلم — لا بسبب سلوكه العملي في الواقع — إنما بسبب صورته الثقافية والتاريخية والعقائدية لديهم. إن التعصب العرقي والمذهبي والطائفي هو تجاهل أو إنكار للواقع العملي، وتعامل مع الآخر على أساس الصور الذهنية، وهو الأمر الذي يجعل الإنسان يرى صواب جماعته في ذهنه، ولا يرى أخطاءها في الواقع العملي. وفي هذا ما يدعم فرضية وطرح النظرية الثالثة، ويشير إلى اعتناق الكثيرين من البشر لها. فصورة الآخر لدينا هي التي تحكم علاقتنا به، وليس وجوده وسلوكه في الواقع.

"فصورة الآخر لدينا هي التي تحكم علاقتنا به، وليس وجوده وسلوكه في الواقع."
⚜️
كَاتِبُ هَذِهِ الْمَخْطُوطَةِ

™shaki

"لا قداسة فوق العقل. ولا شرف للخوف. ولا معنى ثابت، إلا ذلك الذي تخلقه بيدك."

172 مَقال
مُنذُ 2009
الملف الشخصي;
📖

مراسلات القراء

اترك أثرَك هنا — فالنصوص تكتمل بقرّائها