الذات الفاعلة والآخر المختلف!(4).
لكن، إذا كان عدم المسئولية عن الوجود قاسمًا مشتركًا بين كل البشر، فهل يتحمل الإنسان المسئولية عما بعد عملية الوجود؟ في الواقع، ليس الإنسان سجينًا جغرافيًا وتاريخيًا فحسب، بل هو مجند إجباري، وخاضع إلزاميًا لتدريبات وتوجيهات مستمرة منذ اللحظة الأولى لالتحاقه بمعسكر الحياة. وهو مزود بإعدادات نفسية متغيرة تحدد سلوكه وردود أفعاله، دون أن يكون مسئولاً عنها أو له سيطرة عليها، على اعتبار أنها تتغير لا إراديًا استجابة للظروف الخارجية. وهو ليس مسئولاً عن تدريبه وظروفه الخارجية، وبالنتيجة هو ليس مسئولاً عن سلوكه.
فإذا كنا نعتقد ونتعامل على أساس أن ظاهر الإنسان وباطنه شيء واحد، حيث يحاسب جسد الإنسان على سلوكه الناجم عن إعداداته النفسية. وإذا كنا نجد العذر لسلوك المعاقين ظاهريًا — جسديًا — لأننا نرى أسباب سلوكهم، فإن عدم قدرتنا على رؤية الأسباب الداخلية لسلوك الأصحاء جسديًا لا ينفي وجودها. إذن، قبل أن نعطي لأنفسنا الحق بالحكم على الإنسان من خلال سلوكه، ينبغي أن نعرف مواصفاته وإعداداته في تلك اللحظة، ونعرف كيف تعمل نسخته الأخيرة تحت ظروفه.
النظريات الافتراضية في علاقة الأنا بالآخر
انتهى الباب السابق (3) من هذا الموضوع، بالقول: إن الواقع يُخبرنا أن سلوك وممارسات البشر تدل على أنهم يعتنقون ثقافة إحدى ثلاث نظريات افتراضية، من حيث علاقة الأنا بالآخر.
الأولى
الثانية
الثالثة
❖ النظرية الأولى: الآخر معلوم الهوية
وهي التي يسير وفقها معظم البشر، ولذلك تحدث الخلافات والصدامات وتستمر الصراعات. فهي نظرية خاطئة، لأنها تتعامل مع الآخر على أساس أنه معلوم لدى الأنا، بينما الواقع أن الأنا ذاتها تجهل جزءًا كبيرًا من هويتها هي، وليس فقط هوية الآخر.
فالإنسان ذاته، ولكي يعرف حقيقة ومواصفات هويته الذاتية، هو بحاجة للمرور بكل الظروف والأزمات عمليًا، أو هو بحاجة لمقدرة فكرية ذهنية استثنائية تغنيه عن خوض التجارب عمليًا. فإذا كان فهم الإنسان لحقيقة هويته الذاتية بهذه الصعوبة — شبه المستحيلة — فكيف للأنا أن تحكم على الآخر وتفترض أنه معلوم لديها؟
❖ النظرية الثانية: الآخر مجهول الهوية
والتعامل مع الآخر على هذا الأساس يوفر قدرًا كافيًا من الحذر المتبادل، يكفل للآخر حقوقه لدى الأنا، ويكفي الأنا شر الآخر، فيتحقق الحد الأدنى المطلوب للحياة الإنسانية.
❖ النظرية الثالثة: الآخر مجرد فرضية
وهي التي تعتبر الوجود الظاهري للآخر موضع تساؤل، وبالتالي يكون الحديث عن هويته أمرًا سابقًا لأوانه دائمًا. وهي ثقافة فلسفية بنيت على أفكار بعض الفلاسفة وعلى بعض الحقائق العلمية.
كذلك يرى معتنقو هذه الثقافة أنه طالما أن الحواس هي القاسم المشترك بين البشر للحكم على الأشياء، وهي وسيلتهم الأساسية لإثبات وجود الأشياء من عدمه، وحيث إننا نعتمد عليها اعتمادًا كاملاً في إثبات وجود الآخر وفي تعاملنا معه، وحيث إنه قد ثبت لدينا بما لا يدع مجالاً للشك أن حواسنا يمكن اعتبارها خادعة لنا، ويمكن اعتبارها مخدوعة بواسطة الأشياء (كالسراب، والنظر من خلال الماء أو الزجاج المقوس، والحركة الظاهرية للشمس، والثبات والتسطح الظاهري للأرض، ووجود الميكروبات في الأطعمة والمياه، والفرق بين الهواء والفراغ، وعمى الألوان، وإحساسنا الكاذب ببرودة عالية في الهواء والأشياء عندما ترتفع درجة حرارة أجسامنا).
المفارقة: الواقع العملي يعكس النظرية الثالثة
فالوجود المادي الجسدي للإنسان إنما هو شاشة تستعملها الذات للتعبير عن هويتها. فإذا رفضنا سلوك الآخر، فذلك يعني عدم إقرارنا بوجوده كذات مستقلة ومنفصلة عن تصوراتنا وتوقعاتنا. وهذا يعني أن الآخر الذي نعترف بوجوده ليس هو هذا الموجود أمامنا، إنما هو ذاك الموجود في مخيلتنا. وهذا يعني أننا نعتبر الوجود المادي للآخر بمثابة وجود افتراضي، بينما نرى الوجود الحقيقي للآخر هو ذاك الموجود في مخيلتنا.
فكل فرد من البشر هو الوحيد القادر على وصف ذاته، وذلك من خلال سلوكه وممارساته. فإذا اتفق البشر على رفض ممارسات أو سلوك بشري معين، وقرروا أن يكون الإعدام مصيرًا لفاعله، فإن الوصف الدقيق والصحيح لقرارهم هذا هو أن صنفًا من البشر يرفضون وجود صنف آخر من البشر. إذ لا معنى للقول بأن صنفًا من البشر يرفضون سلوك صنف آخر من البشر، إلا باعتباره إنكارًا لوجودهم ككيانات مستقلة عنهم.
المسلمون يرفضون غير المسلم — لا بسبب سلوكه العملي في الواقع — إنما بسبب صورته الثقافية والتاريخية والعقائدية لديهم. إن التعصب العرقي والمذهبي والطائفي هو تجاهل أو إنكار للواقع العملي، وتعامل مع الآخر على أساس الصور الذهنية، وهو الأمر الذي يجعل الإنسان يرى صواب جماعته في ذهنه، ولا يرى أخطاءها في الواقع العملي. وفي هذا ما يدعم فرضية وطرح النظرية الثالثة، ويشير إلى اعتناق الكثيرين من البشر لها. فصورة الآخر لدينا هي التي تحكم علاقتنا به، وليس وجوده وسلوكه في الواقع.
مراسلات القراء
اترك أثرَك هنا — فالنصوص تكتمل بقرّائها
إرسال تعليق