❖ لماذا تنتشر الفوضى والعبث بعد انهيار السلطة؟
لأن غياب السلطة السياسية يعني انتفاء الحاجة للتمثيل والتزييف عند البُسطاء والضعفاء — وهم الغالبية دائمًا. فسلوكهم الظاهري الموحد، الذي تفرضه القوانين والتشريعات والأعراف، لا يعكس طبيعتهم الحقيقية بل يطمس اختلافاتهم الطبيعية. أما مظاهر الالتزام الديني والأخلاقي، فهي في جُلها مُسكِّن وبديل احتياطي يلجأ إليه الإنسان عند الضعف وغياب الحرية.
بالطبع، ليس المقصود هنا القول بأن الفوضى هي السلوك الطبيعي للبشر. فالإنسان مضطر للحياة الاجتماعية — ليس حُبًا فيها بالضرورة — إنما لأنه غير مُهيأ للحياة الفردية. والحياة الاجتماعية تتطلب مراعاة مصالح الآخرين، وهو ما يعني ضرورة الاتفاق على حد أدنى من الانضباط العام.
"إن الانفجار الفوضوي البشري الشرس، الذي يعقب انهيار كل سلطة، هو ردة فعل عنيفة لكنها طبيعية وحتمية، تعكس إعلان الآخر المقهور عن تحرره، وإعلان الذوات المغمورة عن وجودها. هو تصريف مفاجئ لمخزون كبير ومتراكم من الكبت والتزييف الإجباري."
ولذلك نلاحظ تسارعًا وتنافسًا في ممارسة الفوضى لحظة سقوط السلطة، مما يعكس الخوف من رجوعها قبل تفريغ الشحنة. وليس المقصود بالسلطة هو الأشخاص فقط، بل كل التشريعات والعوائق التي خلقت الفوارق بين البُسطاء والأقوياء. وربما كان السبب الحقيقي هو تلك القوانين التي تتعامل مع البشر في المستويات الدنيا كـ"قطعان متساوية" لا كأفراد مختلفين.
حقوق الإنسان أم بيئة الإنسان الطبيعية؟
الاختلافات الطبيعية بين الحيوانات خارجية، ولذلك كان أساس حقوق الحيوانات هو توفير بيئة طبيعية خارجية. أما الاختلافات بين البشر فهي داخلية، فلا قيمة للحديث عن حقوق الإنسان ما لم يكن أساسها توفير بيئة تعكس هذه الاختلافات الداخلية.
الكذب والنفاق كآلية للبقاء
"وتكون النتيجة، ظهور مجتمعات من الكاذبين والمنافقين والمخادعين، المجبرين على رفع شعار السلوك البشري السوي الموحد — طالما وُجِدت قوة تفرضه."
تساهل القادرين مع الثقافات التي تتجاهل اختلافات البشر، وتفرض سلوكًا واحدًا على الكل، يعكس رغبة في دفع الضعفاء لممارسة الكذب والخداع. هؤلاء مضطرون لمحاكاة السلوك المفروض، أي "تزوير المستند المطلوب" لنيل الحد الأدنى من الاحترام.
الاختلاف: ميزة لا يمتلكها إلا الأقوياء
صار لزامًا على الإنسان أن يكون "استثنائيًا" لكي يعترف له الآخرون بأنه مختلف، وبأنهم يجهلونه. هذا الأمر لو تحقق بشكل طبيعي لكل إنسان، لما كان استقرار المجتمعات رهنًا بوجود سلطة سياسية. كان التنافس الطبيعي سيكون مع الجوع والمرض والجهل، وليس مع الآخرين لانتزاع اعتراف باختلاف مزعوم.
القوانين التي تصنع الإنسان
القوانين والتشريعات تُسن على مقاس فرد افتراضي، له مواصفات محددة. هذا الأساس الخاطئ جعل من القوانين وسيلة لصنع إنسان وليس سبيلاً للتعامل مع الإنسان.
هذا يترتب عليه خرق القوانين من قبل "المختلفين" (وهم كل البشر تقريبًا)، مما يخلق دائرة أبدية من الصدام بين الفطرة والسلطة.
الأنا والآخر: وهم المعرفة
❖ لماذا نستغرب سلوك الآخر عندما يخالف توقعاتنا؟
لأننا نعتقد أننا نعلم كل المعطيات التي تصنع سلوكه، وعندما يخالفنا نعتبر ذلك انحرافًا متعمدًا. نحن نعرف الآخر من خلال صورة نرسمها له في أذهاننا، وليس من خلال وجوده الفعلي.
نتائج الاعتقاد الخاطئ بمعرفة الآخر
◈
ثقافة الوصاية الفكرية: حق الأنا في التكهن بسلوك الآخر، وأي سلوك مخالف يُعتبر انحرافًا مرفوضًا.
◈
تشريع الصدام: إحساس الأنا القوية بالقدرة على التوجيه، فتحول الصدام الطبيعي إلى إخضاع وتصويب.
◈
مفهوم "نحن": مغالطة منطقية تشير إلى مجموع "الأنا"، بينما لا يوجد في الواقع أكثر من "أنا واحدة" وكل ما عداها هم "آخرون".
النظريات الافتراضية في علاقة الأنا بالآخر
▪ نظرية تعتبر الآخر موجودًا ماديًا، ومعلوم الهوية.
▪ نظرية تعتبر الآخر موجودًا ماديًا، لكنه مجهول الهوية.
▪ نظرية تعتبر الوجود المادي للآخر مجرد فرضية، وبالتالي فهو مجهول الهوية حكمًا.
مراسلات القراء
اترك أثرَك هنا — فالنصوص تكتمل بقرّائها
إرسال تعليق