الذات الفاعلة والآخر المختلف!(2).
نظرية لا تُفسِّر الوجود إلا بطمس بعض معالمه، لا يصح اعتبارها نظرية لكل الوجود. ودستور لا يستوعب البشر إلا بسحق بعضهم، لا يصح اعتباره دستورًا لكل البشر. فلو أن نظرية علمية، اشترطت استثناء الحديد من معادلاتها، لكي تتعامل مع المعادن، فإنها في أحسن الأحوال ستحصل على وصف: نظرية قاصرة أو ناقصة. أو أن نظرية اشترطت استثناء المشتري، لكي تضع معادلة لفهم ووصف الكواكب، فهي نظرية قاصرة أو ناقصة.
المنتحرون: صورة المشهد النهائية
المنتحرون دون تردد، والذين تسيل دموعهم دون تكلف، عند اصطدامهم الفردي المباشر بالمأساة العامة، هؤلاء يفرضون احترامهم بدرجة كبيرة لا يبلغها سواهم. ذلك لأنهم يُجسِّدون الصورة النهائية للمشهد العام في مواقف فردية لحظية صادقة صادمة، متجاوزين مراحل العبث التي يتنافس حولها ويسعد بها الواهمون.
القلق الطبيعي والقلق المصطنع
إن حدوث القلق الطبيعي التلقائي، مرهون بنضوج الوعي بشكل طبيعي، فإذا لم ينضج الوعي، امتنع حدوث القلق التلقائي، وهذه حالة طبيعية لا ينبغي تلويثها بفرض القلق من الخارج. إن القلق يحدث عندما يشعر العاقل بأنه قادر على الفهم والفعل، ثم يصطدم بعجزه عن الفهم والفعل.
إن ما استطاع جاليليو وكيبلر ودافنشي وآينشتاين وبوهر وستيفن هوكنج وأمثالهم، تصوره وفهمه وتحقيقه، هو مبرر لمدحهم، لكن من الطبيعي ألا يُعاب على غيرهم عدم قدرتهم على مجاراتهم، والأهم ألا يُكرَه بقية البشر على النفاق والرياء بالتظاهر بقدرتهم على تصور وفهم وتحقيق ما حققه أولئك العباقرة.
المعرفة المزيفة وإكراه البسطاء
هذا ما ينبغي أن يكون عليه الحال في كل المجالات، لكن مع الأسف ليس هذا هو الحال في مجال المعتقدات — مثلًا. فالإنسان في هذا المجال، يُذم ويُهان، فقط لأنه لم يستطع مجاراة غيره، أو لأنه لم يستوعب ولم يقتنع بما قالوه. ثم يُجبر ويُكره على الإقرار بأنه أقل قيمة منهم، أو يُكره على النفاق والتظاهر بأنه قد فهم واستوعب نظرياتهم واقتنع بها.
لنا أن نتصور كيف تكون حياة وسلوك إنسان بسيط، وهو مُكره على الإقرار والتظاهر بأنه قد استوعب واقتنع بكل ما قاله واستوعبه ستيفن هوكنج في الفيزياء النظرية، وما قاله واستوعبه بوهر في فيزياء ما تحت الذرية. إن سلوك الإنسان المُكره على إظهار القلق، يكون كسلوك الحاسوب المُكره على تشغيل برنامج هو ليس مُعدًا لتشغيله، فيكون بحاجة لتدخل المشغل في كل خطوة، وفي النهاية يعجز الجهاز عن العمل تمامًا، ويُصبح أداة جامدة — تُستعمل ولا تعمل.
بينما القلق الطبيعي الناتج عن وعي طبيعي، يُحصِّن الإنسان ضد التزييف والتخويف، فلا يقبل إلا إجابة طبيعية مكتملة الأركان عن تساؤلاته، وهو يُفضِّل البقاء في دائرة الحيرة الصادقة على الخروج إلى فضاء الأحلام والاعتقاد.
البساطة والقلق: حكاية الوعي
إن الحقيقة المطلقة التي يستقيم بها الوجود، ربما أمكن استنباطها من حياة الحيوانات، حيث إنها لا تعرف القلق. الحيوانات تعرف الخوف، والخوف غريزة مرتبطة بالحياة والوعي. الخوف قلق لحظي، والقلق خوف مستمر.
إن القلق يمكن تصديره رغم أنه مُكلِف، بينما البساطة لا يمكن استيرادها رغم أنها مجانية. القلق يأتي نتيجة طبيعية لنضوج الوعي، وقد ينشأ القلق بسبب موقف معين أو نتيجة انتباه مفاجئ. بينما البساطة هي وضع ابتدائي قابل للتغير، لكنه غير قابل للاستعادة بعد التغير.
المبادئ والنفاق: لعبة النخبة
ولذلك فإن إصرار النخبة من البشر على تأصيل وعقلنة المبادئ، كان لا بد أن يُنتج لدى البُسطاء الكذب والنفاق. ذلك لأنه ولكي تسير الحياة لدى جُل البشر، فهي تستوجب البراغماتية واللا مبدئية — حيث إن الالتزام بالمبادئ يصطدم مع المصالح بالضرورة، وحيث إن النخبة من البشر قد افترضوا أن المبادئ عنصر أساسي من الإنسانية، فلم يكن أمام البُسطاء والضعفاء غير القادرين على دفع فاتورة المبادئ، ومن أجل إثبات انتمائهم للإنسانية، سوى التظاهر بالمبدئية، فكان الكذب والنفاق.
الحقيقة التي تقتل
أما الذين ادَّعوا معرفة الحقيقة المطلقة كمشروع للآخرين، فهم مستثنون من قاعدة الانتحار والجنون، لأن حقيقتهم مصطنعة ومفصلة على مقاسهم. ومع ذلك فهم يُبررون ويُشرِّعون قتل الآخرين الذين يتعارض وجودهم مع حقيقتهم المزعومة. وبالنتيجة فإن الحقيقة التي لا يستوعبها الإنسان إلا بالانتحار أو بالجنون، والحقيقة التي لا تستوعب البشر إلا بقتل بعضهم، هي حقائق وهمية يرفضها الوجود الطبيعي.
قتل الإنسان: إجراء تنظيمي لا حقيقة مطلقة
بحسب القانون الطبيعي، لا يوجد فرق من حيث النتيجة، بين قتل "س" من الناس بحكم القانون، وقتل "ص" على يد إنسان آخر. الفرق الواقعي هو أن "س" قد قُتِل، لأن جماعة كبيرة قوية من البشر قد أجازوا قتله، بينما "ص" قد أجاز قتله واحد أو مجموعة صغيرة من البشر. في الحالتين، يكون مبرر القتل هو رؤية بشرية محدودة — قد تكون خاطئة وقد تكون صائبة.
فاتفاق المعتقدات والأعراف البشرية، على أن الإنسان هو العنصر المركزي في الوجود، لا يصح معه تشريع قتله بأي حال من الأحوال. إن الشريعة التي لا تقوم إلا على جثث بعض البشر، لا يصح اعتبارها شريعة لكل البشر. كما أن النظرية التي تشترط إلغاء بعض عناصر الوجود، لا يصح اعتبارها نظرية لكل الوجود.
الوجود منقسم على نفسه مرتين
الوجود بشكل عام، والوجود البشري بشكل خاص، يبدو كمحاولة عملية فاشلة، لمحاكاة حقيقة نظرية مفترضة. الوجود انقسم على نفسه مرتين بسبب الإنسان: الإنسان، هو أحد عناصر الوجود، تفوَّق بذكائه على بقية العناصر، فتمرَّد الجزء على الكل، حيث أصبح الإنسان يتعامل مع الوجود، كمراقب له لا كجزء منه، وبهذا يكون الوجود قد انقسم على نفسه — المرة الأولى. ثم انقسم الإنسان على نفسه، عندما نصَّب الأكثر ذكاءً من البشر، أنفسهم، أوصياء على بقية البشر — الأقل ذكاءً، وبهذا يكون الوجود قد انقسم على نفسه للمرة الثانية.
مراسلات القراء
اترك أثرَك هنا — فالنصوص تكتمل بقرّائها
إرسال تعليق