ليس الموت لغزًا ولا هو بمخيف!
حب الحياة أمر طبيعي، لكن الفزع من الموت ليس أمرًا طبيعيًا! الموت أوجدته الطبيعة بذات المعادلة التي أوجدت بها الحياة. الموت أوجدته الطبيعة كامتداد طبيعي للحياة بشكل عام، لكن في حالة الإنسان ككائن واعٍ قادر على صنع الموت للذات (الانتحار)، فإن الموت ليس فقط امتدادًا للحياة، إنما هو بديل طبيعي للحياة عندما تفقد الحياة طبيعتها، وتصبح أمرًا آخر بين الحياة الطبيعية والموت الحقيقي في حال الشيخوخة والعجز والألم الشديد والعوز الشديد.
حياة، موت، بعث، حساب، عقاب، خلود، فناء! هذه المفردات اللغوية، لا تشير إلى أشياء أو أمور محددة بذاتها، بقدر ما تشير إلى مفاهيم تاريخية مُشوَّهة ومضخمة ثقافيًا في مخيلتنا، بما يفوق حجم وحقيقة دلالاتها الواقعية بكثير، حتى أصبحت تُنسج حولها الأساطير، وتُشاع باسمها المخاوف والأوهام والأحلام، في الثقافات والمعتقدات البشرية. هي مفاهيم يتم تداولها بتفسيرات وتحليلات بدائية وثقافة مغلوطة لا أساس لها في الطبيعة والواقع — سواء عن قصد أو عن جهل —، بالنتيجة تم استغلالها لاختراق الوعي البشري عبر العواطف وحاجة البشر للاطمئنان، حتى بات معظم البشر يستبعدون فكرة وإمكانية التحرر منها، ويُفضِّلون التبعية لكل من يدَّعي امتلاك شيء من أسرار هذه النمور الورقية الجوفاء الخاوية الهشة!
الخوف من الموت: تحليل منطقي
الخوف كصفة بشرية، هو شعور طبيعي مرتبط بالحياة. الحياة التقليدية هي نقيض الموت التقليدي. الخوف من المرض، الخوف من الحروب، الخوف من التقدم في السن، الخوف من الفقر، الخوف من الفشل، الخوف من أي شيء هو عبارة عن صورة من صور الخوف من الموت. هذا يعني أن زوال الخوف من الموت، هو زوال للخوف من كل شيء تقريبًا.
لماذا يخاف البشر الموت؟
الرهبة من الموت يمكن اعتبارها محل إجماع. فلماذا يخاف البشر الموت؟ في الواقع، لو كان الخوف من الموت سببه فقط حُب الحياة، لاقتصر الخوف على صغار السن والمرفَّهين السُعداء، ولما زاحمهم عليه العجزة والبؤساء، ولكانت عمليات الانتحار أكثر من عمليات الولادة. ولو كان الخوف من الموت سببه الضعف، لاقتصر الخوف على الضعفاء، ولما زاحمهم عليه الأقوياء. ولو كان الموت مخيفًا في ذاته، لكانت الأسباب معلومة ومقنعة، ولما تجرأ أحد على الانتحار.
الخوف من الموت، بحُجَّة الخوف من بعث وحساب وعقاب بعده، هو أمر لا يصح منطقيًا أن يكون سببًا لدى المؤمنين لأنهم مستعدون للبعث والحساب، ولا يصح لدى غير المؤمنين حيث أنهم لا يؤمنون بالبعث والحساب. بحسب هذا العرض، يبدو أنه لا يوجد سبب معلوم يجعل البشر يخافون الموت، لكن الخوف من الموت موجود.
الفرد والجماعة: الخوف الزائف والاطمئنان الزائف
في الواقع البشر يخافون الموت فُرادى، ولا يخافونه جماعات، وكذلك تفعل كل الكائنات الحية. الإنسان منفردًا، يهاب دخول مكان مهجور مجهول ليلاً، لكن جماعة من البشر لا تهاب ذلك. الجماعة عبارة عن عدد من الأفراد، ودخول الفرد ضمن جماعة، لا يوفر له حصانة أكيدة من الأخطار التي يخشاها بمفرده، لكن وجود الجماعة يوفر له اطمئنانًا زائفًا، كافيًا لإزالة خوف زائف، هو خوفه من الموت.
إن الخوف عمومًا، هو مُعطى طبيعي، مرتبط بالحالة الفردية، وأساسه غريزة الحذر من كل مجهول، وهو الحذر الطبيعي المصاحب للإحساس بالحياة. لكن لا معنى للحذر من الموت، طالما أنه قادم لا محالة، والصحيح والمنطقي هو أن نفهم الموت لنُبدد الخوف منه، أو نفهمه ليتحول خوفنا منه إلى شيء مبرهن ومبرر، وقد يكون الصواب حينها هو أن يبكي الإنسان نفسه حيًا، قبل أن يَبكيه الآخرون ميتًا.
السببان الأساسيان للخوف من الموت
إن خوف البشر من الموت، له سببان أساسيان: واحد طبيعي، وآخر مفتعل.
ولأن الافتراض الذي لا يمكن اختباره لا يمكن دحضه، لذلك تكوَّن لدى أغلب البشر خوف مستمر مما بعد الموت، وهو ما يُفسِّر انتشار عقائد هذه المؤسسات، وسيطرتها على عقول البُسطاء. ولأن الموت هو سر استقطاب هذه المؤسسات للبُسطاء، لذلك كان من السهل عليها تجنيدهم لقتل الخصوم، وجعلت من الموت في سبيلها أعلى سهم ضماني لما بعد الموت؛ فتجارتها تقوم على الموت بداية ونهاية.
السبب الطبيعي: رهبة التجربة الأولى
أما السبب الطبيعي لخوف الأفراد من الموت، فهو معلوم، ولا يقتصر على البشر، بل هو أمر غريزي موجود وفاعل لدى كل الكائنات الحية، لكن تأثيره لدى البشر أقل — بسبب وجود الوعي — ولذلك يُقدِم البشر على الانتحار ولا يُقدم عليه غيرهم. هذا السبب هو: رهبة التجربة الأولى.
الكائنات الحية المتنقلة، التي تخوض تجارب متجددة طوال حياتها، تتولد لديها تلقائيًا رهبة من خوض التجربة الأولى في كل شيء جديد، وذلك كخاصية للحياة، وهي خاصية الحذر اللازم لاستمرار الحياة، والناجم أساسًا عن وجود أخطار ومجاهيل تهدد الحياة. والموت بالنسبة للفرد هو تجربة أولى دائمًا.
عندما يفقد الإنسان بشريته (عقله)، يكون قد تحول إلى الحالة الوجودية للحيوان (مجنون). عندما يعود للمجنون عقله، لا يتذكر شيئًا مطلقًا من حالة الحيوان التي خاض تجربتها، وتعتبر المدة التي قضاها في الحالة الحيوانية، منطقة خالية في شريط الذاكرة. عندما يفقد الإنسان وعيه (موت سريري مثلًا)، يكون قد تحول إلى الحالة الوجودية للنبات (تنفس، تغذية بالسوائل، نمو بطيء، وبدون حركة). عندما يعود للفاقد وعيه، فهو لا يتذكر شيئًا من حالة النبات التي خاض تجربتها، وتعتبر المدة التي قضاها في الحالة النباتية، منطقة خالية في شريط الذاكرة.
إدراكنا لطبيعة الموت، ولسبب الخوف منه، يُبطل العجب منه، ويجعله خوفًا طبيعيًا، أقل وطأة علينا من الخوف التاريخي الثقافي المصحوب بالمخاوف والأهوال. ولأن تجربة الموت هي دائمًا أولى وأخيرة، لذلك يبدو لنا الخوف من الموت وكأن له أسباب أخرى لا نعلمها، بينما في الواقع لا توجد أسباب أخرى منطقية وحقيقية للخوف من الموت، سوى رهبة التجربة الأولى.
الخلود: الحماقة التي لم ترتكبها الطبيعة
ما هو الخلود، ولماذا هو حلم لمعظم البشر؟ أنا أشعر، بأن الخلود هو الحماقة الوحيدة التي لم ترتكبها الطبيعة في حقنا! وأقول إن حُلم البعض أو رغبتهم بالخلود، إنما تبدو حقيقية وجادة بسبب يقينهم بأنها لن تتحقق، وأن الخلود لو أصبح ممكنًا فسيرفضه الكثيرون، ثم سيرفضه الجميع.
والواقع، أن طلب الخلود، لا يمكن تبريره عقليًا، ولا يمكن قبوله عاطفيًا، وذلك حتى لو أصبح الخلود اليوم ممكنًا، خاصة بعد رحيل الكثير من الأحباب والأصدقاء الأعزاء. إن العقلانية والمنطق والعاطفة اليوم، لا تقتضي فقط عدم تمني الخلود، إنما تقتضي طلب الموت، لحاقًا بالأعزاء ووفاءً للأصدقاء، وذلك سواء أكان هناك بعث وخلود بعد الموت، أو لم يكن. وهذا سبب آخر يُقلل من حِدة الخوف من الموت.
البعث والحساب: الخوف من العقاب الوهمي
هل الخوف من البعث والحساب حقيقة، وهل هو مبرر؟ لا شك أن الخوف في هذه الحالة — إن وُجِد — فهو خوف من العقاب، وليس من مجرد البعث والحساب. والخوف في هذه الحالة، لا يوجد إلا لدى المؤمنين بالبعث والحساب.
إن الخوف من عقاب البعث والحساب، سببه أمران افتراضيان زائفان، هما: أن يكون الإله مزاجيًا، ويمكن أن يفعل بالبشر أي شيء، دون الاحتكام لقواعد منطقية عادلة. وهذا ما أجمعت المعتقدات على نفيه، وبذلك لا معنى لخوف المؤمنين، ولا وجود أصلاً لهذا الخوف لدى غير المؤمنين. والثاني: الخوف من طبيعة العقاب، حيث تتفنن بعض المعتقدات (شركات تأمين ما بعد الموت) في وصفه بأنه عذاب لا يُطاق، وذلك لتبرير زيادة رسوم الاشتراك. وهذا أمر غير ممكن، وهو محض افتراء وهراء وهلوسة وترهيب للبشر بُغية السيطرة عليهم، بحُجة إمكانية التوسط لهم لدى الإله.
اطمئنان غير المؤمنين
لعله من الأهمية أن نذكر هنا، أنه حتى أولئك الذين لا يؤمنون بالبعث والحساب، هم في الواقع يُدركون أنهم لا يملكون إثباتًا لصحة قناعاتهم، لكنهم مطمئنون أكثر من أولئك الذين يؤمنون بالبعث والحساب ويعتقدون أن لديهم وصفة النجاة.
الفناء: نوم بلا كوابيس
ما هو الفناء، ولماذا يخشاه بعض البشر؟ أعتقد أنه لا يمكن استحضار شعور الخوف من الفناء، لأنه لا يبدو حقيقيًا. ولذلك لا يوجد الكثير مما يمكن قوله حول مفهوم الفناء. فالفناء باختصار هو عبارة عن نوم متواصل بلا كوابيس مفزعة ولا أحلام كاذبة؛ وإذا كان شعور الخوف من الفناء له وجود حقيقي لدى بعض البشر، إذن ينبغي أن يكون لدى هؤلاء رُهاب من النوم، فالاختلاف بين النوم والفناء نسبي، وهو يميل لصالح الفناء.
مراسلات القراء
اترك أثرَك هنا — فالنصوص تكتمل بقرّائها
إرسال تعليق