"يبدو أن هذين الصيادين كانا يعبران الغابة عندما صادفا دباً جائعاً وغاضباً جداً، بدأ أحد الصيادين بالتخلص من عتاده ملقياً به على الأرض.
- سأله الثاني: ما الذي أنت فاعله؟
- سأجري!
- لا تكن سخيفاً... لا يمكنك الجري أسرع من ذلك الدب!!؟
- ليس عليّ الجري أسرع من الدب، فقط عليّ أن أجري أسرع منك أنت."
— مؤلف مجهول
يقول القرآن {لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم} (التين: 4). هذا يعني أن الإنسان مصمم ومخلوق في أحسن تقويم، وأكمل هيئة. بل هو بالأساس مصمم ومخلوق لمهمة محددة وهي عبادة هذا المصمم "وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون". إذن الإنسان مصمم من قبل هذا المصمم الذي هو كما يقولون عنه مطلق القدرة وكما يقول هو عن تصميمه "أحسن تقويم"، إذن يجب أن يفوق تصميم هذا الكائن خيالنا! تخيل مصمماً مطلق القدرة يصمم كائناً ويقول عنه أنه أحسن ما لديه؟ على كلٍ يسمى هذا [التصميم الذكي].
على الجانب الآخر نجد ما يسمى [الانتخاب الطبيعي]، ما يفعله هو وباختصار: البقاء على الجينات المفيدة للكائن الحي والتي يحصل عليها من خلال الطفرات العشوائية الناتجة من التغيرات البيئية، ولا يكتفي بذلك بل ينقلها إلى الأجيال القادمة. كما أن العملية التطورية لا تنتج كائنات جيدة مائة بالمائة، بل الأمر أشبه بقصة الصيادين: ليس عليك أن تجري أسرع من الدب لكي يبقى الانتخاب الطبيعي على موروثاتك ويتم توريثها إلى الأجيال القادمة، بل الجري فقط أسرع من الصياد الآخر.
لنأخذ مثالاً بسيطاً وهو العين البشرية ونرى هل هي حقاً مصممة من قبل المصمم وتخضع للتصميم الذكي أم أنها ناتجة من الانتخاب الطبيعي.
الشبكية (Retina)
وهي الطبقة الداخلية للعين وتحتوي على عشرة طبقات مكونة من الخلايا العصبية والألياف العصبية وخلايا المستقبلات الضوئية ونسيج داعم. تعمل الشبكية على تحويل الأشعة الضوئية إلى نبضات عصبية يتم نقلها عبر العصب البصري إلى مراكز الدماغ العليا. ويمكن اختصار هذه العشر طبقات إلى أربع طبقات رئيسية وهي:
- النسيج الطلائي الصبغي
- طبقة مستقبلات الضوء
- الخلايا ذات القطبين
- طبقة الخلايا العقدية
وظيفة الخلايا العقدية هي القيام بالمعالجة المبدئية للإشارة البصرية، لكن الغريب هنا هو تواجد هذه الخلايا أمام الخلايا التي تستقبل الضوء الداخل!
نحن الآن أمام خيارين: إما تصميم ذكي أو انتخاب طبيعي!
التصميم الذكي
تركيب العين كما هي الآن لا يوجد به أي تصميم ذكي. لو أخذنا تصميم كاميرا مقارنة بالعين البشرية، فلن يقوم أي مهندس بتصميم كاميرا بحيث تكون أجزاء الكاميرا موضوعة أمام الفيلم أو المستقبل الضوئي. فهذا يعد تصميماً غبياً!
مسار الضوء داخل العين
الانتخاب الطبيعي
الانتخاب الطبيعي يقوم بالبقاء على الجينات المفيدة للكائن ونقلها عن طريق الوراثة كما تقدم، لكنه بالأساس غير خاضع لأي إلزام، أي ليس تحت أي إلزام أن يكون العضو الذي يتم تطويره ممتازاً، بل يطور كائنات جيدة للبقاء وليس كما لو أن مهندساً صمم شيئاً من الصفر. الشيء الآخر بالنسبة للانتخاب الطبيعي هو عدم قدرته للرجوع إلى الوراء ليعدل أو يغير في التصميم.
من خلال تطور العين يمكننا أن نفسر الأمر، ولماذا وضعت الخلايا العقدية قبل مستقبلات الضوء. الأمر ليس متعلقاً بالرؤية فقط، بل ربما يكون الأمر متعلقاً بالبقاء وأن موضع هذه الخلايا كان في الماضي سبباً في بقاء أسلافنا، أي أن التغير الوراثي نفسه الذي وضع أول خلية عقدية أمام أول شبكية بدائية.
ليس هذا فحسب، بل إن "انفصال الشبكية" أمر شائع ويحدث كثيراً، وذلك لأن وضع طبقات الشبكية فوق بعضها بطريقة شبه معكوسة يؤدي إلى انفصالها، خاصة وضع طبقة الـ rods and cons على الـ pigmented.
يؤدي هذا إلى تماسك ضعيف بين هاتين الطبقتين، فنجد كل هذه الكتلة الضخمة تتمسك بما تحتها بجزء صغير جداً، وكأن الطبقة موضوعة وضعاً على الأخرى، مما يجعل الانفصال أمراً شبه محتم الحدوث. وما كان ليحدث هذا الانفصال لو أن هذه الخلايا كانت موضوعة بطريقة أفضل من هذا.
خلاصة القول
إن العين البشرية بتركيبها الآن لا يمكن أن يكون مصمماً ذكياً قام بتصميمها ليقول "خلق الإنسان في أحسن تقويم". بل إننا نجد كمثال عين الأخطبوط أفضل من العين البشرية، ذلك لأن عين الأخطبوط يتغير فيها موضع الخلايا العقدية لتكون خلف مستقبلات الضوء.
وكما أن عملية صياغة حلقات من السلف إلى المنتج النهائي لا تتطلب تحسينات مستمرة في وظيفة واحدة عند كل نقطة من الزمن، بل يواجه الكائن الحي مشكلة البقاء كفرد — كما تقدم في قصة الصيادين اللذين يلتقيان الدب — كل ما يهم هو أن الفرد لديه صفات معينة يمكن أن يعمل عليها الانتخاب الطبيعي. ومهما كان التأثير الذي سيحدثه الانتخاب الطبيعي فإنه سيقع على المادة المتوفرة، أي على الكائن الحي الفرد كما هو موجود في ذلك الوقت. التطور يعمل على ما هو متوافر ويعدله إلى ما سيعطي الفرد الذي يمتلك هذه السمة ميزات بقائية، وهذا باختصار هو معنى "البقاء للأصلح".
أمثلة إضافية
ربما يسمح هذا بحدوث خواص غريبة كما تقدم في مثال العين البشرية، نجده أيضاً في
المريء. هو الجزء السفلي من الحلق والقصبة الهوائية (الممر الذي يؤدي إلى الرئتين). عند ابتلاع الطعام أو الماء، يقوم لسان المزمار بغلق القصبة الهوائية، بحيث أن هذه المواد لا تذهب إلى الرئتين. هذا النظام لا يعمل بشكل صحيح في كل مرة.
عند تناول الغذاء أو الماء وعدم قدرة لسان المزمار على غلق القصبة الهوائية يصل بعض من المواد إلى الرئتين مما يؤدي إلى الاختناق. في بعض الحالات، يمكن أن يكون هذا الاختناق مميتاً. ولو كان هناك تصميماً ذكياً فعلاً لفصل ذلك وجعلهما اثنين: واحداً من الأنف مباشرة إلى الرئتين، والثاني من الفم إلى المعدة مباشرة، وانتهى الأمر. ولكن الانتخاب الطبيعي لا يملك بصيرة.
إبهام الباندا
مثالاً آخر في إبهام الباندا كما قدمه "ستيفن جاي غولد" في كتابه "Panda's Thumb".
فنجد أن أسلاف الباندا، الذي يرتبط بصلة قرابة بعيدة بحيوان "الراكون" كان يمشي على قوائمه الأربع مثل الكلاب والقطط، وفي نهاية الأمر فقد الإبهام الأصلي. وعندما تغيرت البيئة التي وجد فيها أسلاف الباندا، وأصبح في "غابة بامبو"، احتاج الباندا إلى إبهام كي ينزع أوراق البامبو. ما حدث هو أن نتوءاً صغيراً على المعصم بدأ يكبر، فحتى نتوء صغير كان سيساعد الحيوان في تقشير البامبو بشكل أكثر فاعلية. في النهاية نجد أنه تطور على معصم الباندا ليقوم بمهمة الإبهام المفقود.
كما تقدم لا يمكن الرجوع والتعديل، بل هو نظام متوافق مع روح التطور بالانتخاب الطبيعي. كل فرد في السلسلة من الكائن الأول الشبيه بالراكون إلى الباندا المعاصر تلقى ميزة تطورية من حيازة نتوء كبير نسبياً من ذلك العظم. بالطبع ليس هذا نظام تقشير البامبو الذي يمكن لمصمم أن يصممه من الصفر، حتى ولو كان هذا المصمم غبياً.
عصب الحنجرة المرتد للزرافة
مثال آخر على ذلك هو عصب الحنجرة المرتد للزرافة، الذي يأخذ مساراً أطول بكثير من اللازم.
هذه مجرد أمثلة لإثبات عدم تدخل أي مصمم ذكي، بل الأمر خاضع للانتخاب الطبيعي.
المصادر والمراجع
• انفصال الشبكية - Wikipedia
• إبهام الباندا - Athro.com
• ستيفن جاي غولد [1941-2002]: عالم إحاثيات أمريكي ومختص بالبيولوجيا التطورية، كان واحداً من أكثر كتاب العلوم المبسطة شعبية وتأثيراً. عمل أستاذاً مدرساً في هارفارد منذ العام 1967، وقبل وفاته شغل منصب أستاذ كرسي ألكسند آغاسي لعلم الحيوان.
مراسلات القراء
اترك أثرَك هنا — فالنصوص تكتمل بقرّائها
كم تعبنا حقاً من محاولات توضيح عدم وجود تصميم ذكي في الأنسان كما يدعي الدينييون متحججين بما ورد في كتبهم المقدسة , ضاربين بعرض الحائط كل الآدلة العلمية الدامغة التي تؤكد عكس أعتقادهم الخاطئ .
لكن أسمح لي أن أختلف معك بمبدأ البقاء للأصلح , يختلط علينا دوماً هذا المبدأ , الأنتخاب الطبيعي عملية عشوائية لا تعرف ما هو نافع و ما هو ضار , البقاء للأكثر تكيفاً هي الصيغة الأفضل و الأكثر قبولاً علمياً , حتى دارون لم يقبل مبدأ البقاء للأصلح و لك و لجميع المطالعين أمكانية البحث في ذلك من المراجع العلمية .
http://en.wikiquote.org/wiki/Charles_Darwin
ختامأ تُشكر دائماً على ما تقدمه , و تذكر أن لكل مجتهد نصيب , فمن أصاب فله أجران و من أخطأ فله أجر هههه
تقبل مروري المتواضع .
تحيّة صديقي العزيز،
لقد خلطت بين البقاء للاقوي ـ والبقاء للاصلح ، البقاء للاصلح [نعم] لان الانتخاب الطبيعي يعمل علي ما لديه من طفرات جعلته قادر علي التكيّف كما وضحت في المقال .
الانتخاب الطبيعي للاسف صديقي ليس عملية عشوائية
الطفرات عشوائية [نعم]
الانتخاب الطبيعي [ لا ]
دوكينز قال واصفاً التطور
“random mutation plus nonrandom cumulative selection
من المغالطات الشائعة حول التطور ، مغالطة أن الانتخاب الطبيعي
عمليّة عشوائية أتمني منك أن تقرأ تصحيح هذه المغالطات
ستجد مغالطة عشوائيّة الانتخاب الطبيعي (المغالطة الخامسة)
http://www.misikiets.nl/evolutie.html
وهذا رابط يوضح لك الانتخاب الطبيعيّ
http://evolution.berkeley.edu/evolibrary/article/evo_32
دمت بودٍ صديقي
لا نريد الخروج عن الموضوع الأصلي , عموماً أنا لم أخلط بين البقاء للأصلح و البقاء للأقوى , بل قلت ان البقاء للأكثر تكيفاً , هذا ما قصدت .
و نحن صديقي نعرف الفرق بين الصدفة و العشوائية , عشوائية بمعنى أنها عملية عمياء , لا تعرف معنى الرحمة و الشفقة بل عملية تعتمد على تراكم الطفرات ,الطفرات تنتج بشكل عشوائي تحت تأثير قوانين معينة.
حتى في المغالطة الخامسة التي بينتها في الرابط هو يتحدث عن random chance و هذا ليس ما قصدت عن العشوائية , أي قبل الحديث هنا يجب معرفة الفرق بين العشوائية و الصدفة .
قد يطول الحديث , فالموضوع عميق و لكن فلتعذرني فمشاغلي كثيرة
مودتي
انت قولت ان الانتخاب الطبيعي عملية عشوائية لا يعرف النافع من الضار ، لكن هذا غير صحيح ، الفطرات هي العشوائية
لكن الانتخاب الطبيعي غير عشوائي انظر الي تعريف الانتخاب :
Natural selection is the nonrandom process by which biologic traits become either more or less common in a population as a function of differential reproduction of their bearers. It is a key mechanism of evolution.
دمت بود صديقي وأعانك العقل علي مشاغلك
أشد على يديك صديقي
أعجبني طرحك المرتب والمبسط وأود أن أنوه إلى أن موضوعك يبين فوق عدم وجود تصميم ذكي إجابة السؤال
لماذا يبدو التطور للبعض عملية واعية نحو الأفضل (تفادياً للأصلح أو الأقوى)، والحقيقة أن الطفرات الوراثية عشوائية من ناحية أنها غير مقصودة، وتحدث أحياناً بشكل مفيد ومتكيف وأحياناً سيء ومعرقل، لكن هذه الأخيرة تؤدي إلى فناء صاحبها وعدم قدرته توريث جيناته فتندثر في معظمها وليس كلها، بينما تبقى تلك التي تضيف للكائن ما يجعله أنجح في توريث جيناته، فتبدو للبعض بصفتهم وصلوا متأخرين وكأن التطور يتعمد التحسين وبالتالي وراءه محرك ما
وهذا كما تفضلتَ بالتوضيح غير صحيح، فالتطور مع الأسف يرفض الإقرار بأي إيمانيات مهما حاولنا
تحية وأشواق عزيزي
الصديق العزيز / أسعدني كثيراً عودتك وأسعدني أكثر أنك بخير ، وأتمني أن تظل بخير دائماً وأبداً
في الحقيقة الطفرات عشوائيّة ، تحدث نتجية التغيرات البيئيّة كما تفضلت أنت ، تراكم هذه الطفرات يؤدي إلي انتاج أنواعاً جديدة ، بالتأكيد عبر الانتخاب الطبيعيّ
مودّتي لك عزيزي.
أتيتم بمعجزات خلقها الله عز وجل بقدرته العالية والجميل أنه وضع مع خلقها قانون التطور
فأنكرتم أنه خلقها من البداية وتمسكتم بقانون التطور وكأن هذا القانون خلق نفسه
والله عز وجل خلق الإنسان في أحسن تقويم لا تعني أنه أفضل ما عند الله من الخلق! بل تعني أنه أحسن تقويم
ما لكم الكون كله يصرخ أنه لا إله إلا الله الخالق العظيم
إرسال تعليق