منطقيــة التطـوّر ..!!
يستند أنصار الخلق أو التصميم الذكي إلى فكرة تبدو بديهية للوهلة الأولى: الحياة معقدة إلى درجة يصعب معها تصور أنها نشأت دون قصد أو تخطيط، ولذلك لا بد من وجود مصمم أو خالق رتّب أجزاء الكائنات الحية ورتب وظائفها لتحقيق غايات محددة.
غير أن هذه الفكرة تواجه إشكالاً جوهرياً؛ فالتعقيد الذي يُقدَّم بوصفه دليلاً على وجود المصمم، لا يختفي بمجرد افتراض وجوده، بل ينتقل إليه. فإذا كان التعقيد يتطلب تفسيراً، فإن الكيان القادر على تصميم مليارات الأنواع الحية وإدارة قوانين الكون لا بد أن يكون أعقد بما لا يقاس من أي كائن حي. وهنا لا يكون السؤال: "من خلق الخالق؟" بل: لماذا يُسمح بتفسير التعقيد بواسطة تعقيد أعظم منه دون تقديم أي آلية أو تفسير؟
لكن المشكلة لا تتوقف عند هذا الحد.
التصميم في مواجهة الواقع البيولوجي
لو كانت الكائنات الحية نتيجة تصميم مباشر وهادف، لتوقعنا أن نجد في الطبيعة قدراً كبيراً من الكفاءة والدقة والاقتصاد في الموارد. إلا أن الواقع الذي تكشفه البيولوجيا يقدم صورة مختلفة تماماً.
فأشجار البلوط تنتج آلاف البذور التي لا يتحول معظمها إلى أشجار. والعديد من الأسماك تطرح عشرات الآلاف أو ملايين البيوض، بينما لا ينجو منها إلا عدد ضئيل للغاية. وذكور الحيوانات، بما فيها الإنسان، تنتج أعداداً هائلة من الحيوانات المنوية، يموت معظمها دون أن يؤدي أي وظيفة. بل إن نسبة كبيرة من الأجنة نفسها لا تكمل نموها الطبيعي.
إن الطبيعة لا تبدو وكأنها تعمل وفق نموذج هندسي مثالي، بل وفق عملية تعتمد على المحاولة والخطأ والانتقاء والاستبعاد المستمر.
وتزداد المشكلة وضوحاً عند دراسة التراكيب الحيوية نفسها. فبعض الحيوانات تمتلك أعضاء فقدت معظم وظائفها أو أصبحت محدودة الفائدة. وهناك تراكيب بيولوجية تبدو وكأنها بقايا من مراحل سابقة أكثر من كونها أجزاء صُممت خصيصاً لوضعها الحالي. كما أن كثيراً من الكائنات تحمل آثاراً واضحة لتاريخ طويل من التعديلات التدريجية، لا لتصميم بدأ كاملاً منذ البداية.
أي التفسيرين أكثر منطقية؟
ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: هل تبدو الكائنات الحية معقدة؟ بل: أي التفسيرين يفسر هذا التعقيد بصورة أفضل؟
التصميم الذكي يفترض وجود مصمم، ثم يعتبر التعقيد دليلاً على وجوده. أما نظرية التطور فتنطلق من آليات معروفة وقابلة للدراسة، مثل الطفرات الوراثية والانتخاب الطبيعي والتكيف مع البيئة، ثم تفسر كيف يمكن للتعقيد أن يتراكم تدريجياً عبر فترات زمنية هائلة دون الحاجة إلى افتراض تدخل مباشر في كل مرحلة.
وحدة الحياة: دليل على الأصل المشترك
إن أحد أقوى الأدلة على هذا التفسير يتمثل في وحدة البناء الحيوي للكائنات الحية. فجميع الكائنات تقريباً تستخدم الشفرة الوراثية نفسها، وتعتمد على الجزيئات الأساسية ذاتها، وتتشارك قدراً هائلاً من الجينات والعمليات الكيميائية الحيوية.
ولهذا يستطيع العلماء نقل جينات من كائن إلى آخر، بل ويمكن لخلايا بكتيرية أن تقرأ جينات بشرية وتنتج بروتينات بشرية مثل الأنسولين. وهذه الحقيقة لا تثبت فقط وحدة الحياة على المستوى الجزيئي، بل تنسجم بصورة طبيعية مع فكرة الأصل المشترك للكائنات الحية.
كما أن السجل الأحفوري يكشف سلسلة طويلة من الكائنات الانتقالية والتغيرات التدريجية عبر ملايين السنين، وهي صورة تتوافق مع التغير التراكمي المستمر أكثر مما تتوافق مع فكرة ظهور الأنواع بشكل منفصل ومستقل.
ما الذي تفسره نظرية التطور فعلاً؟
ومن المهم التمييز بين مسألتين مختلفتين كثيراً ما يتم الخلط بينهما. نظرية التطور لا تفسر أصل الكون، ولا تجيب عن جميع الأسئلة الفلسفية المتعلقة بالوجود، ولا تقدم حكماً نهائياً بشأن وجود إله أو عدم وجوده. إنها ببساطة تفسر تنوع الحياة وكيفية ظهور الأنواع الحالية من أسلاف سابقة.
لكن عندما يكون السؤال متعلقاً بأصل التنوع الحيوي وتشابه الكائنات الحية ووجود التراكيب الأثرية والتكيفات التدريجية والسجل الأحفوري ووحدة الشفرة الوراثية، فإن نظرية التطور تقدم إطاراً تفسيرياً واسعاً ومدعوماً بكم هائل من الأدلة التجريبية.
مراسلات القراء
اترك أثرَك هنا — فالنصوص تكتمل بقرّائها
الله لن يخلق شيئاً ليس له فائدة , أما التطور فهو عملية لا تعرف الرحمة و لا المشاعر و لا سماع الأدعية , بل هي عملية بيولوجية تقوم على بقاء الصفات الأفضل التي نمكن الكائن الحي على التكيف مع محيطه , و في حال عدم وجود فائدة و نفع معاً لهذا الشيء فأنها تبقيه دون أن تزيله ,ليبقى الشاهد الوحيد على أصولنا .
تحياتي لك
نجدالشبكية في العين البشرية تتكون من طبقتين ..طبقه خارجية (الطبقة الصبغية الطلائعية retinal pigmented epithelium)وطبقة داخلية (الغشاء البصري العصبي sensory retinal layer)
http://www.sehha.com/diseases/eyes/retina3.jpg
لاحظ في الصورة وضع الـ rods and cons على الـ pigment epithelium
وضع الخلايا بهذه الطريقة المعكوسة يستدعي هذا التماسك الضعيف بين هاتين الطبقتين حيث أن كل هذه الكتلة الكبيرة نسبيا في الصورة أعلاه تتمسك بما تحتها بجزء صغير جدا فقط كأن الطبقة موضوعة وضعا على الأخرى يسمح هذا بظهور حالة معروفة هي انفصال الشبكية Retinal detachment حيث يحصل الإنفصال بين هاتين الطبقتين
http://www.sehha.com/diseases/eyes/retina1.jpg
وهي حالة سهلة الحصول جدا نسبة لهذا التماسك الضعيف وهذه الحالة لن تظهر طبعا اذا كانت الخلايا مغروسة غرسا عميقا في جدا العين !
وبهذا يتضح أن العين مصممه بطريقه ليست فقط ذكيه ،بل بطريقه عشوائية
أسعدني تعليقك يارجل ....
أولا شكرا لك صديقي شاكي على المقالة الرائعة, حقا إنه لأمر مؤسف أن نرى تجاهلا و تزييفا واضحا للحقائق لدرجة أن أعظم نظريات القرن العشرين , بل قل أعظم حقائق القرن العشرين ... يكتفي المتدينون بالقول عنها أنها خرافة,
بل إن أكثر ما يحزنني : هو الاساءة العالم العظيم تشارلز داروين اساءة لا نقبلها كعقلانيين من طرف العرب المتدينين...
قمت بالتسجيل في الموقع تحت معرف بافوميت, ولكن لم يكن من حقي المشاركة ولا ارسال الرسائل الخاصة ولا أي شيئ آخر ... لهذا السبب اكتفيت فقط بالقراءة أصدقائي
تحية خالصة ومودة
أقول في النهاية للرد على المتدينين:
"اذا اردنا معرفة سبب تخلف العرب , علينا أن ننظر الى العناصر المشتركة بين الدول العربية, لأن الاسباب المشتركة بينهم تؤدي الى نفس النتيجة
هل السبب هو الاقتصاد؟
لا , فكل دولة ودرجة تطورها الاقتصادي , فمثلا هناك دول اقتصادها ناجح مثل السعودية و قطر و الامارات, ولكنها مازالت في ركب الدول المتخلفة.
هل العامل المشترك هو السياسة؟
لا, فكل دولة ولها نظام سياسي مختلف عن الدولة الاخرى..
هل العامل المشترك هو الدين
نعم ... كل الدول تصلي, وكلها تقرؤ القرآن , وكلها تصوم وتقوم بالحج كل سنة... وكلها تؤمن بأن محمد نبي منزل
وعليه فقد وجدنا العامل المشترك في تخلف الدول العربية.
تحياتي لك
إرسال تعليق